نَبضُ الشّارع: تأثير الاحتجاجات والشغب

ستيف كراوشو



 

موقع الإمام الشيرازي

 

إنّ نجاح إسقاطِ وتغيير نظامِ حُكمٍ إستبداديّ ما، لا يكون باستخدام العنف، إنّما هذا النّجاح يتحقّق، على نحوٍ أكيد، باستخدام أساليب ثورويّة وإحتجاجيّة سِلميّة، على أكثر من مستوى: سياسيّ وإجتماعيّ وفنّيّ، إلخ …على هذا النحو، يمكننا تلخيص مضمون كتاب: ”نَبضُ الشّارع: تأثير الاحتجاجات والشغب”. وهذا الكتاب الصادر حديثاً (في طبعة أولى 2021) عن ”شركة المطبوعات” في بيروت، هو كتاب جديد لـ"ستيف كراوشو"، وصُدِّر هذا الكتاب بنصّ تمهيديّ بقلم: الفنّان الصيني آي واي واي.

المؤلف

ستيف كراوشو هو صحافي وكاتب ومناصر لحقوق الإنسان، تبوأ مناصب مهمة في مرصد حقوق الإنسان ”هيومن رايتس ووتش”، وفي منظمة العفو الدولية، وهو حاليّا المستشار السياسي للمؤسسة الطبيّة لرعاية ضحايا التعذيب التحرر من التعذيب”. عمل مراسلاً لصحيفة الإندبندنت في شؤون ثورات أوروبا الشرقية، وشهد الكثير من احتجاجات الشارع حول العالم خلال عمله. شارك في تأليف كتاب ”حركات ثورية: قصص شعوب غيَّرت مصيرها”.

آي واي واي هو الفنّان الصينيّ المعاصر الأكثر شهرةً في الصين، والناشط الذي اعتُقل في الماضي لعدّة أشهر، لإنتقاده العلنيّ للحكومة الصّينيّة.

ولقد جاء تلخيص مضمون هذا الكتاب، إعلاناً صريحاً، هو بمثابة الرأي الجامع لآراء الكاتب التي جمعها في مؤَلَّفه هذا، وهو الرأي الذي يشكل قاعدةَ انطلاقٍ لإِحداثِ تغيير السُّلطةِ بالطرُق السّلميّة أو اللآَّعُنفيّة.

نتائج حاسمة

إذن، إن كتاب “نبض الشارع ”، يرشدنا الى كيفيّة تَمَكُّننا من تحقيقِ تغييرِ السُّلطة الاستبدادية عن طريق الإحتجاج السِّلمِيّ، وذلك من خلال استعراضه التوثيقيّ المدموغ بشواهد لتجارُب ثوروية تاريخية، كانت نتائجها المنشودة غير قابلة للجدل، في تغيير أنظمةٍ سلطويّة إستبدادية، كان تغييرها مُستَبعَداً تحقيقه – تماماً – بمواجهاتٍ سِلميّة. إذ إنّه كتابٌ: يسلّط الضوء على بعض الاحتجاجات الأكثر شهرةً من جميع أنحاء العالم، من ثورة عبد الغفار خان الذي كان الصنو المسلم للمهاتما غاندي وحليفه ضد الاستعمار البريطاني، في عشرينيات القرن الماضي، وحتى الاعتراض على منع المرأة من قيادة السيارة في السعودية قبل أن تتوقف المملكة عن هذا المنع أخيرا، مروراً بكل حركات الاحتجاج السلمي التي شهدها هذا العالم في هذا الوقت. لقد تمكن كراوشو في كتابه القصير هذا من جمع كل التحركات المهمة مثل ربيع براغ في 1968 وثورة نقابة تضامن في بولندا في ثمانينات القرن الماضي وثورة السود ضد العنصرية في أميركا، وثورات الربيع العربي ولاسيما ثورتي سوريا ومصر، فضلاً عن التحركات السلمية في الصين وروسيا وغيرهما.

وتميزت هذه الثورات بحسِّ الفكاهة والشجاعة والإبداع وتمكنت من إِحداث تغيير وصَل في بعض البلدان إلى الإطاحة بأنظمةٍ حديدية لم يتصور أحد أن تُفكِّكها احتجاجاتٌ أدواتُها بسيطة إلى هذا الحد.

المحتويات

تتألف محتويات الكتاب، المُرفَقة بصورٍ كثيرة جدا خاصةٍ بموضوعاتها: من تمهيدٍ (أشرت إليه) ومقدمة، وفصول سبعة، وخاتمة. وحملت الفصول العناوين التالية التي جاء ثَبتُها الإجرائي بالتسلسل الآتي:

”إننا لا نحتجّ، بل نقوم بنزهة”، ”حركاتٌ صغيرة ومواضيع كبيرة”، مواجهة العنف ”إسماع صوت الحقيقة”، ”عكسُ كل التوقعات”، ”ألفنّ والتحدّي”،و”سُخريةٌ من أجل التغيير”.

من نص التمهيد

ومما جاء في نص التمهيد الذي عنوانه:

عن الجليد والنار

عندما يواجه مجتمع شمولي احتجاجات خلاّقة، فسوف تكون النتيجة أشبه ما يكون بمواجهة الجليد للنار. يتميز الحكم الاستبدادي بجديّته وعجزه عن المرح، فيمارس رقابة شديدة على الأفكار، لمنع صعود أفكارٍ غير أفكاره. لا مجال للتواصل معه أو مفاوضته، لأنه في هذه الحال سيخسر مواقعه. غالباً ما نشهد احتجاجات لأسباب مشروعة، لكنها تفتقر الى الإبداع. وحده الفن، والأنشطة المبتكرة، يتمكنان من مواجهة القوة القمعية للنظام الاستبدادي، وذلك لأنهما يتميزان بالفعالية، والإنسانية والذكاء.

يُعتبر ”نبض الشارع ” كتاباً مناسباً ومؤثراً في زماننا. فهو يجمع احتمالات التغيير، وكذلك المشاعر، والتعبيرات واللغات في طياته. وبغض النظر عن نوع المجتمع الذي نعيش فيه، فإن الفرد يحتاج الى التمرّد، والعصيان المدني حتى يدرك مَن في السّلطة، المشاكل التي يعانيها الشعب. والتعبير الفعّال الوحيد عن الاحتجاج هو التعبير الخلاّق.

من المقدمة

ومما جاء في المقدمة:

يسهل دائماً إيجاد تفسيرات حول لماذا يُعتبر التحرك أمراً عقيماً، ولماذا يُعتبر الذين ينشدون التغيير حالِمِين مُضَلَّلِين. لم تكن السفيرة الأميريكية في مصر وحيدة عندما أعلمت زملاءها في واشنطن في شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام 2008، في برقية سرّية كشفها لاحقاً موقع ويكيليكس، أنّ أولئك المحتجين السِّلميّين في مصر الذين يأملون بإطاحة حكومة الرئيس حسني مبارك الفاسدة والوحشية بحلول العام 2011، ”هم غير واقعيين إلى حدّ كبير”.

جاء الرد غير المباشر على استنتاج السفيرة مارغريت سكوبي بعد مرور سنتين، وذلك في منشورٍ على فيس بوك أصبح تاريخياً الآن. جلست أسماء محفوظ – والتي كانت واحدة من قادة حركة شباب السادس من نيسان / إبريل التي لم تُثِر اهتمام السفيرة – في منزلها في 18 كانون الثاني/يناير من العام 2011، وقامت بتسجيل رسالة صوتية إلى مواطنيها المصريين.

تحدثت محفوظ بحماسة على مدى أربع دقائق متواصلة، وأعلنت أنها تريد إرسال رسالة مفادها: ”علينا أن ننزل الى ميدان التحرير في 25 من كانون الثاني / يناير للمطالبة بحقوقنا، حقوق الإنسان الأساسية”.

واجهت محفوظ، مباشرة المفهوم القائل إن التغيير في مصر حسني مبارك هو أمرٌ عصيٌ على التحقّق، قائلة لكل مَن يزعم أنه لن تتواجد هناك غير حفنة من الناس فقط إنه هو السبب. أضافت الشابة التي كانت تبلغ السادسة والعشرين من عمرها في ذلك الوقت إن المكوث في المنزل والاكتفاء بمشاهدة تحركاتنا في نشرات الأخبار أو الفيس بوك هو الذي يؤدي الى إهانتنا.

انتشر مقطع فيديو محفوظ على موقعَي فيس بوك ويوتيوب انتشاراً هائلاً، ولم يلزم المصريون منازلهم، بل توافد الملايين في يوم 25 كانون الثاني/ يناير الى شوارع القاهرة، وكل أنحاء مصر. أما الرئيس مبارك، الذي تمسّك بالسلطة بقوة على مدى ثلاثين عاماً، فقد استقال بعد مرور ثمانية عشر يوماً من الاحتجاجات.

لا شيء غير عادي في عدم رغبة السفيرة سكوبي في تصديق أنّ الاحتجاجات السِّلمية بإمكانها إزاحة رئيس قوي وغير محبوب. فرفضَ الذين يصفون أنفسهم بأنهم واقعيون تقبُّلَ احتمالات التغيير أمرٌ ثابت عبر التاريخ. لكنّ الواقعيين يتراجعون مرةً بعد أخرى أمام الذين يقومون بتحدّي الواقع الموجود على الأرض. تحدَّت جرأةُ الذين يسعون الى التوصُّل الى عالمٍ أفضل وأكثر عدالة على الدوام، الثوابت التي كانت تبدو غير قابلة للتغيير.

يتعيّن على كل شخص مهتمّ في موضوع الاحتجاجات السِّلميّة مواجهة الحجَّة القائلة إن هذه الاحتجاجات لا يمكنها أن تنجح إلاَّ في ”الحالات السهلة”، أي حيث تميل الحكومة مسبقاً للإذعان، وحيث لا يتعيّن على المتظاهرين إلاّ دفع بابٍ مفتوح. أصبح واضحاً أنّ صمود تلك الحجّة مع مرور السنين غدا أكثر صعوبة فأكثر.

تحيَّةٌ للتغييريين

واختُتمت المقدمة بهذا التوضيح:

ألقصص والأحداث الواردة في هذا الكتاب هي تحيَّةٌ للذين تَحَدّوا الحكمة التقليدية، وهُم الذين شقّوا طريق التغيير أو عبَّدوها. وهناك قصص تشتمل على مفاجآت ومشاغبة – أي ما يصفه الناشط الصربي سرجيا بوبوفيتش بـ ”النشاط المعارِض” من خلال القدرة على الإضحاك. تُظهر بعض القصص كيف يساعِد ثقل الأعداد الهائلة من الناس على جعل التغيير حتميّاً. هناك قصصٌ كذلك تبرهن كيف يمكن أن يرتكز التغيير على شجاعة فردٍ واحد ولياقته، وكذلك هناك قصص تحدَّى فيها الفنّانون – في المسرح أو الموسيقى أو في الفنون البصرية – الأمر الواقع. وهناك قصص عن عالم وسائل التواصل الاجتماعي الدائم التغيير، الذي سمح للتحركات الصغيرة باكتساب صدىً على صعيد العالم، وجمعِ أعدادٍ كبيرة من الناس وراء هدفٍ واحد، وأتاح سُبُلاً جديدة لكشف الانتهاكات أمام العالم أجمع.

كما هي الحال دائماً هناك أسباب عديدة تدعو الى التشاؤم، لكن التَّجَارب تعلِّمنا بأنه: لا يتعيّن علينا الاستهانة بالتأثير الذي يمتلكه الابتكار، والجُرأة، والأساليب السِّلميّة، في المساعَدة على خَلقِ عالَمٍ مختَلف .

 أحمد ياسين

15/ربيع الأول/1443هـ