الاحتجاجات التشرينية في العراق

احتضار القديم واستعصاء الجديد


 


 

موقع الإمام الشيرازي

في الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2019 اندلع حراكٌ احتجاجي فريد من نوعه في التاريخ السياسي المعاصر للعراق، ليعود ويتجدد في 25 تشرين الأول والأسابيع التي أعقبته، بما جعله الحراك الأكثر شمولاً وعمقاً وقدرة على المطاولة وتنويع الأساليب من بين كل الحركات الاجتماعية التي شهدها العراق خلال قرن من الزمن.

فقد امتلأ الفضاء العام في بغداد ومحافظات الفرات الأوسط والجنوب بمئات الآلاف من المواطنين المحتجين الباحثين عن عصر سياسي جديد لاستعادة الهوية الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية، يكون بديلاً عن الحقبة المأساوية التي أعقبت 2003.

وقد جوبه هذا المد الاحتجاجي الباحث عن التغيير السياسي الشامل بقمع الأجهزة الأمنية الرسمية وغير الرسمية، وتجسّدَ ذلك في عمليات القنص والخطف والاغتيال والترويع والشيطنة ضد المتظاهرين والناشطين والإعلاميين في محاولة لإخماد الزخم الاحتجاجي أو التقليل من الوعي الشعبي المعارض الذي بات يشكّل العلامة الفارقة لفئات أساسية من الجمهور العراقي.

وقد ارتبط بزوغ هذه الظاهرة الاحتجاجية الجديدة بشكل أساسي بفئة الشباب ممن لم يعاصروا أي ايديولوجيات سابقة، سوى معايشتهم التفصيلية لعصر الفساد السياسي وتفكك الهوية الوطنية وتعاظم معدلات الحرمان والقهر الاجتماعي، وتعدد مراكز السلطة ما دون الدولة بعد 2003.

وقد شكّل هذه الأنموذج الشبابي المستميت في طاقته الاحتجاجية صدمة أخلاقية حرّكت فئات اجتماعية أخرى للانخراط في المشاركة السياسية، كما حقق هزة عميقة في أركان النظام السياسي الذي ما يزال متخبطاً بين إنكار الفعل السياسي والاجتماعي العميق لهذه الاحتجاجات، وبين محاولة تخوينها عبر وسائل التهويل وافتعال قصص «المؤامرات .»

أم على مستوى التأليف والبحث الأكاديمي، فيعدّ الحراك الاحتجاجي التشريني تحدياً فكرياً يستدعي جهوداً تنظيرية وبحثية مبتكرة وتجديدية لمحاولة مقاربته والإحاطة بعوامل انبثاقه ومساراته، واستشراف مآلاته ونتائجه. وبسبب الغنى المفاهيمي لهذا الحراك، وتشعب دلالاته وتعددية ارتباطاته بالبنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، نجد أن الباحثين صاروا يتوزعون بين رؤى متباينة في عدّه حركة اجتماعية أم انتفاضة شعبية أم ثورة جذرية.

يسعى الكتاب الحالي إلى تقديم خمس مقاربات متعددة الاختصاصات لهذه الحدث السياسي الشاسع والمفصلي في تاريخ العراق وتطوره السياسي. فالباحثون المشاركون فيه هم أكاديميون عراقيون بارزون في حقولهم، يتوزعون بين اختصاصات أكاديمية متنوعة، بضمنها الاقتصاد السياسي، والعلوم السياسية، والاجتماع السياسي، وعلم النفس السياسي، والدراسات الثقافية. وقد سعى كلٌّ منهم طبقاً لمنظومته المفاهيمية، إلى مقاربة الحراك التشريني بما يجعله قابلاً للتفكيك والاستيعاب والفهم والتفسير، لدى القارئ المختص والعادي على حد سواء.

كل ذلك، صدر عن مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، في أول مطبوع من نوعه، يتناول “ثورة اكتوبر” في قراءات تأملية، تتنوع بين الجوانب الاقتصادية والسيوسولوجية والثقافية، أسهم فيه خمسة من الأكاديميين العراقيين في بحوث معمقة عدت “الحراك الاحتجاجي من وجهة نظر البحث الأكاديمي تحديا فكريا يستدعي جهودًا تنظيرية وبحثية مبتكرة وتجديدية لمحاولة مقاربته والإحاطة بعوامل انبثاقه ومساراته”.

وتحت عنوان: “من صراع المكونات إلى صراع الطبقات – مقاربة في الاقتصاد السياسي”، خلص الدكتور مظهر محمد صالح، في مساهمته، إلى ان البلاد “تشهد منعطفًا في سجل تطورها الاجتماعي والاقتصادي اذ انها غادرت بجيلها الجديد مفترق تاريخها الاقتصادي الذي تعطلت فيه آليات سالبة لبناء العملية الاجتماعية المزدهرة”.

بينما وجد الدكتور حارث حسن في مساهمته بعنوان “الاحتجاجات التشرينية وبنية السلطة في العراق” أن تلك الاحتجاجات تواجه نظامًا متعدد الأقطاب، بل هو نظام لإدارة العلاقات بين الإقطاعيات السياسية ومراكز السلطة المتعددة، الأمر الذي يصعب إسقاطه، لأنه ليس متنوعًا في مكان محدد ولا متجسدًا بحزب واحد أو عائلة واحدة”.

يقول حسن، “صحيح ان غياب قطب سلطة مهيمن وهو أحد عناصر هشاشة النظام، لكنه أيضا أحد عناصر قوة له لأنه يعني غياب الموضعية المكانية – المشخصنة للسلطة فيه”.

ويرى الدكتور فارس كمال نظمي، في مقاربته – فقراء الشيعة وإعادة بناء الوطنية العراقية – مقاربة سيكولوجيا ثورة تشرين- أن “ما يميز اللحظة السياسية الراهنة، أنها وضعت فقراء الشيعة السكانية تحديدًا ودفعة واحدة في صدارة الفاعلية السياسية الجمعية للتغير، محددين لاحداثيات جديدة ستنبثق منها خريطة التطور السياسية القادمة بكل انعكاساتها”.

من جانبه استلهم الدكتور عقيل عباس من رمزية الطقوس الحسينية مادته لوضع مقاربته الثقافية، فكتب تحت عنوان – الرموز الحسينية ووظائفها الوطنية في الاحتجاجات العراقية – التي وجد فيها، أن الأهم في استخدام هذه الرموز هو العرقنة الوطنية لها ووضعها في سياق احتجاجي عام ضد الأقلية السلطوية التي يتشكل أغلبها من ساسة شيعة وتتمحور معظم شرعيتها السياسية حول التوظيف المذهبي لذات الرموز .

وأخيرًا جاءت مساهمة الدكتور علي طاهر الحمود لتقدم قراءة سوسيولوجية في الاحتجاجات ومآلاتها، اذ وجد في طبيعة هذه الاحتجاجات الأمل في انبثاق مجتمع مدني جديد، مشيراً إلى أن “الجمهور العراقي وبعد تجاربه المريرة تواق لرابطة جديدة، عمادها المواطنة لتجاوز أشكال التضامن ما قبل الدولة القائمة على الدين والطائفة والعشيرة، والتي استغلتها أحزاب السلطة لزيادة مشروعيتها، وترسيخ منطق المكونات بدلا من منطق المواطنة بعد ٢٠٠٣”.

الكتاب هو محاولة رائدة لتقديم أول إصدار علمي جماعي عراقي يسعى إلى تسليط شعاع فكري متعدد المستويات لكشف الأبعاد البنيوية العميقة المتعددة لهذا الحراك المجتمعي المفعم بالآمال والمكتظ بالآلام معاً، في لحظة عراقية لعلها الأهم والأكثر حسماً في تحديد المسارات القادمة لبلاد ما بين النهرين، فإن تظاهرات واعتصامات واحتجاجات تشرين الشبابية والطلابية أكبر من حراك شعبي لتغيير واقع سياسي متخم بالظلم والقمع والفساد والفشل والجريمة والجهل والظلامية.

2/ رجب/1441هـ