كنت في الرقة

هارب من "الدولة الإسلامية"



 

موقع الإمام الشيرازي

 

" كنت في الرقة .. هارب من الدولة الإسلامية" هو عنوان الكتاب الذي صدر مؤخراً عن دار "نقوش عربية"، للصحافي التونسي الهادي يحمد. يقدم الكاتب، بأسلوب صحافي – روائي، شهادة مثيرة ومميزة لشاب تونسي اسمه "محمد الفاهم"، من مدينة نابل، غادر تونس أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2014 نحو مدينة "الرقة'' عاصمة "الدولة الإسلامية''.

الكتاب هو "ثمرة لقاء غريب'' بين الكاتب والشاب، أحد مقاتلي داعش، الذين قرروا الهروب منها بعد أن هربوا إليها. ومكمن الغرابة، كما يقول الهادي يحمد في مقدمة الكتاب، لا يأتي من قوة التفاصيل والأحداث المسرودة، بل مِن أن الشهادة آتية من داخل داعش، ومن وجهة نظر أحد مقاتليها. وهي بوصفها تجربة فردية وحميمة، تعيد تشكيل ''التجربة الجهادية'' من خلال السرد وتأطير الفعل الجهادي داخل بنية رمزية وثقافية، وهي البنية ذاتها التي يدينها الصحافي محاولاً تعريتها من خلال رواية بطلها.

 

النهايات والبدايات

الكتاب يبدأ من النهايات، أي من لحظة شعور محمد الفاهم أن ''دابق'' ومن ورائها داعش هي سراب ووهم، وأن الهروب من دهاليزها المظلمة هو الخلاص، بعد أن كانت الهجرة إليها هي الخلاص والحلم... هذا الحلم

الذي انتشى به محمد الفاهم، ذات ليلة، في مركز الإيقاف بوشوشة، وقد نُزع عنه السحر، ليكتشف في النهاية أن الدولة ليست ما ظنه، وأنه هو نفسه لم يعد ذلك الشخص الذي سجد شكراً، عندما خطى أولى خطواته عابراً الأسلاك الشائكة، قادماً من الأراضي التركية، ليتحول في نهاية التجربة إلى شاهد، كما يقول، على دماء الرعب الغامقة، حيث اختنق برائحة البارود، ومشى على بقايا الأشلاء الآدمية، وصمّت المفخخات آذانه. فبعد سنة من ''الغزوات المقدسة''، بدت دابق بمثابة سراب يشبه ذاك الذي شاهده قبل سنة من قدومه إلى ''أرض الدولة''، حين كان تائهاً في الصحراء، ذاهباً من تونس نحو ليبيا التي ستكون منطقة عبور نحو "بلاد الشام". ويتم ذلك عبر مدينة إسطنبول التركية التي يُعتبر الوصول إليها بمثابة وصول إلى الرقة، وذلك بفعل التسهيلات والتواطآت الرسمية من قبل شرطة الحدود التركية، خاصة مع الشبان القادمين من تونس، حيث كان مطار إسطنبول، كما يقول الشاب "طريقاً مفتوحاً للمهاجرين عامة والتونسيين خاصة".

في نهاية الكتاب، يستعيد الهادي يحمد بدايات محمد الفاهم، آخذاً القارئ إلى مدينة تورتموند الألمانية، وهي مدينة الطفولة الأولى السعيدة، كما يقول الشاب المولود سنة 1990 لأب وأم مهاجران في ألمانيا، حيث حرصت أمه المتوجسة من حياة المهجر على تربيته هو وأختيه، تربية دينية محافظة، قبل أن تقرر العودة نهائياً إلى تونس، ليس بسبب قسوة الظروف المادية، بل خوفاً أن يكون مصير أبنائها ''كمصير سائر المهاجرين الذين تخلوا عن كل تقاليدهم، واندمجوا بشكل كبير في المجتمع الألماني''.

هاجس الهوية والخوف من فقدانها، كان هوس الكثير المهاجرين من أصول مغاربية في أوروبا، خوفٌ سهّل تنامي الحركات "الجهادية" والدعوية في صفوفهم. يعود محمد الفاهم إلى تونس ليعيش ''التجربة التونسية" كما يسميها بكل تنوعاتها. ولكن اللحظات الحاسمة في تلك التجربة كانت "التدين الشبابي" المتصاعد في فترة حكم بن علي، والذي تمّ قمعه بأشكال متعددة، ليعود بعد الثورة مع ظهور التنظيمات الجهادية إلى الواجهة، التي كانت تحلم بإقامة ''شرع الله'' وتأسيس الخلافة، لتنخرط بعد ذلك في عمل مسلح ضد الدولة وأجهزتها، وخاصة الأمنية منها التي اعتبرت ''كافرة'' ورمزاً '' للطاغوت''.

عاش محمد الفاهم تجربة السجن القاسية والإيقافات المتكررة. ومن خلال تلك التجربة يعري الكاتب سياقات الراديكالية التي تبناها الكثير من الشباب التونسي، موجهاً إدانة قاسية ولاذعة لدولة ''الحداثة المعطوبة" التي أنتجت وجهها الآخر الأكثر بشاعة ودموية، المتمثل في "الدولة الإسلامية". فمن رحم فشل دولة التحديث ودولة الاستقلال انبثقت الفاشيات الدينية، بدءاً من حركة ''الاتجاه الإسلامي'' وصولاً إلى داعش، النسخة المعولمة "للجهاد". لهذا اختار "الهادي يحمد" أن يبدأ الكتاب بالنهايات قبل البدايات، ليقول لنا إن ذلك الجهادي التونسي الهارب من الرقة هو نتيجة وليس سبباً، بل هو ''بضاعتكم التي ردت إليكم''.

 

قتل وتكفير ودماء

تدخل بنا شهادة محمد الفاهم في دهاليز العالم اليومي لـ"الدولة الإسلامية"، الذي يشبه عوالم دراكولا المرعبة. قاعدته تتلخص في عبارة تتردد كثيراً على لسانه ''إنْ لم تَقتل تُقتل". فالقتل هو القاعدة في كل الحروب، وبخاصة إذا كانت ''حرب مقدسة''، مثل التي تدعي داعش خوضها. يبدو المجتمع الذي أسسته داعش في الرقة، كما تحدثنا عنه شهادة محمد الفاهم، "مجتمع مسيَّج" (بحسب عبارة عالم السوسيولوجيا زيغمونت بومان)، مراقَب من كل النواحي وعبر كل التفاصيل، وهذا سر قوته وسطوته، والدخول إليه لا يشبه الخروج منه. "فالحواجز والتفتيشات جزء من المشهد اليومي للرقة. كان التعليل بالنسبة لنا أن هذه دولة مستهدفة من قبل العالم بأكمله"، هكذا يقر محمد الفاهم عاكساً اليوطوبيا التي أسست لها داعش، بناءا على ثنائية دينية تقيم جدار فاصلاً وسميكاً بين الحق والباطل، بين "فرقة ناجية" و"فرقة ضالة"، بحيث تقيم حدية بين ''نحن" جوهرانية وطاهرة وبين ''هم" ملوثة و"قذرة" و"كافرة".  بل إن هذا التقسيم يأخذ مداه الأقصى حين يصبح بين "الإخوة" وبقية عوام المسلمين الذين انتفت عنهم صفة الإسلام، من وجهة نظر داعش. وتتجسد بشاعة التنظيم وعدوانيته في مشاهد مرعبة يرويها الشاب لعل من بينها ''تطبيق حد الزنا'' على امرأة من مدينة الرقة.

يصف أحد تفاصيل المشهد: "بدأ رجم المرأة بعنف كبير وسط تكبيرات تطلقها العامة من مختلف الجهات. جثت المرأة في أول الأمر على ركبتيها وبدأت في صياح هستيري، فيما تهاطلت عليها الحجارة من كل صوب. كنت تسمع طقطقة الحجارة أحياناً على الأجزاء الصلبة من جسدها، فيما ترتد أخرى بفعل ارتطامها على جنباتها المتشحمة. رَميتُ كما رمى الجنود والعوام!".

ويحكي كذلك عن مروره خلال معركة تدمر بالقرب من جندي سوري، مزق الرصاص أسفل جسده، ليشاهده وهو ينزف دماً، ويسمع شهيقه، وهو يحاول استعادة روحه الهاربة من جسده. لم يبالِ محمد الفاهم، نزع من جيوب الجندي مخازن الكلاشينكوف وتابع طريقه. في هذه اللحظة يتدخل الكاتب ليكلم الشاب موقظاً فيه أسئلة الضمير الإنساني: ''أتراه يحب أمه مثلك؟ الأكيد أنها ستبكيه بحرقة مثلما بكتك أمك ذات صيف، وأنت قابع وراء بلور جناح الزيارة في سجن المرناقية. ربما تكون القصة كلها بكاء وعذابات أمهات يبكين على أبنائهن، ملائكة أو وحوشاً". ولعل المثير في التجربة التي خاضها محمد الفاهم في داعش هو الاستذكار الدائم لأمه، والحب الهائل الذي يبديه نحوها. تلك الأم التي قررت إنهاء رحلة الهجرة إلى ألمانيا، ولولا قرارها لربما كان طريق محمد الفاهم مختلفاً.

عالم "الدولة الإسلامية" ليس ذلك المتجانس الذي تصوره بروباغندا داعش، بل تسوده الصراعات والخوف والشك المتبادل بين مقاتليه، حيث يكتشف محمد الفاهم أن داعش التي تقدم نفسها فرقة ناجية ومنصورة، تحتوي على فرق أصغر تعتبر نفسها هي الناجية، تكفر "الدولة الاسلامية" وقياداتها لأنهم لم يكفِّروا الكفار تحت تعليل ''العذر بالجهل''، ما جعله يتوه في دوامة من الأسئلة، ليكون الاستنتاج الأخير: ''هذه دولة تصفي كل من يخالفها المنهج حتى لو كان من أبنائها"، فارضة "قانون الصمت". فكل انتقاد وتشكيك، يقابله الصَلْب والتنكيل المريع في السجون السرية لداعش، حتى أن الشعور الذي ساد لدى المقاتلين التونسيين هو أن قمع بن علي أرحم وأفضل من قمع داعش التي ضحوا بكل شيء من أجل تثبيت صلابة عودها.

 

دولة الحداثة المعطوبة ودولة داعش

التجربة تحتوي على الكثير من التعقيدات، التي يجب أخذها في الاعتبار لفهم الاعتبارات الفردية التي جعلت الكثير من الشبيبة التونسية تخاطر وتذهب نحو هذا الخيار الأقصى، وتقوم بقطيعة مع المجتمع ومع الدولة.

في هذا السياق، لا يقدم الكاتب تفسيرات وأجوبة "نهائية"، بل مادة سوسيولوجية ثرية، من خلال شهادة محمد الفاهم التي يبقى من المهم العمل على استنطاقها. فبقدر ما تبدو مجرد تجربة فردية، إلا أنها تقدم ''نموذجاً مثالياً'' (Ideal type بالمعنى الذي قصده ماكس فيبر)، لجزء كبير من الشبيبة التونسية الحالية التي ولد جلها في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، أي في ذلك الزمن الذي أخذت فيه المؤسسات والمقولات الكبرى في التهاوي، وبدأ يزول السحر عن سردية التحديث التي خاضتها دولة الاستقلال، حيث تبين كم هي غير مكتملة بل فوقية وهجينة، مما جعلها تخلق انفصامات في "الشخصية التونسية". ظهرت هذه الانفصامات في الشراسة التي أبداها الجهاديون في داعش والتي وصفت بدقة في شهادة محمد الفاهم، بل وفي الأعداد الغفيرة من الشبان التونسيين التي غادرت إلى "الدولة الإسلامية". يبدو الجيل الحالي مهزوماً، وقعت التضحية به، جيل يعيش بلا أمل، في ظل اللايقين إزاء المستقبل وغياب الاعتراف، رمى بنفسه في "سراب الدولة الإسلامية'' هرباً من "دولة الاستقلال" ليكتشف في النهاية أن "داعش" هي الوجه الآخر لفشل دولة التحديث الهجين، بل هي ابنتها غير الشرعية التي تفوقها قمعا ودموية، مختزلة بذلك كل النسق الثقافي الاستبدادي التي لم تتخلص منه مجتمعاتنا بعد.

لهذا يكتب الهادي يحمد في ختام الكتاب "كنتُ في الرقة. قصتك. لم تكن مجرد قصة مشوقة لمحارب هرب من داعش. إنها قصة إدانة وتعرية لكل السياق الثقافي الذي صنعك. نعم، هنا الرقة لم تكن مجرد مكان. إنها كل النسق.. كنتُ في الرقة لم تكن مجرد كينونة في المكان. إنها كينونة في النسق..''.

فؤاد غربالي/ باحث في علم الاجتماع (تونس)

من قراءة قدمتها صحيفة السفير اللبنانية

 

23/ شعبان/1438هـ