توبوا الى الله



 

موقع الإمام الشيرازي

 

   صدر حديثاً كتاب (توبوا الى الله)، لمؤلفه سماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، ويأتي هذا النتاج الرصين، متكاملاً مع جهد الأستاذ المؤلف، في إصدار باقة من الكتب المعتبرة، ضمن حراكه العلمي والبحثي، فضلاً عن الثقافي والمعرفي، من خلال مواضيع ذات صلة وثيقة، في حياة الفرد عموماً، والمسلم خصوصاً، جرى مقاربتها ودراستها، بموضوعية وعقلانية علمية.

ويأتي إصدار هذا الكتاب، تلبية للحاجة الملحة، في البيئة العلمية والمعرفية، وإغناءاً للفكر والثقافة العربية الإسلامية، بموضوع حيوي، له تأثيراته على جملة الممارسات السلوكية، الفردية والمجتمعية، من خلال علاقة الفرد بذاته، وتصالحه مع نفسه، وبالتالي علاقته مع الآخر، ومع سائر المجتمع، وقبل ذلك كلّه، علاقته بخالقه سبحانه.  

يعرض الكتاب لموضوع (التوبة)، في مقاربة مفهومه ودلالته، ومصاديقه واشتراطاته،  فهو بذلك يحتل مكاناً حيوياً في الفكر الإسلامي، فضلاً عن الفقه والعقيدة، والذي يتجاوز الفضاء الفقهي والشرعي، ليتسع الى السلوك الفردي والمجتمعي، من خلال موجبات التقويم السلوكي، في إعادة إنتاج الذات الصالحة والنفس الفاضلة، حيث تمثّل عقيدة التوبة فيها، بمثابة التغذية المرتدة، التي يمارس الفرد فيها، الرقابة على الذات، بقصد إصلاحها وتقويمها.

وتتأتى أهمية هذا المنهج العقدي والشرعي والفقهي، كونه المنبع الأصل، في مبادئ التسامح في الإسلام، واليسر في شرعته وعقيدته، وفي مقدمتها ثقافة اللاعنف، التي تميّزت بطروحاتها، مدرسة المؤلف الفقهية والفكرية، فضلاً عن مبادئ قبول الآخر، وإصلاح المسيء، دون دفعه الى حالات اليأس والإحباط، وبالتالي تداعيات تأثيراتها في المجتمع.

ويخلص الكتاب في مباحثه، إنّ مفهوم التوبة، غير متداول في الفهم الصحيح، وغالباً ما يكون محاكياً ومتماهياً مع مفهوم الإستغفار، وهو أسمى وأوسع منه، وعليه كان لزاماً التصدي لإشاعة مفهوم التوبة، ولتيسير نهجها واشتراطاتها للمكلف الفرد، ولتنعكس بشكل ثقافة فاضلة في المجتمع، وهذا ما يدفع إليه البحث في مخرجاته، ثم ليفتح نافذة للبحوث المعمّقة اللاحقة، والدراسات التفصيلية، والتعميم الفكري لها.

ويبين الكتاب أهمية التوبة وموقعها، كونها تشكّل رابطة وثيقة مع السلوك الفردي والمجتمعي، فضلاً عن علاقتها بالإيمان، فللتوبة شرائط، ولها إتجاه، فضلاً عن المفهوم والمقصد والدلالة، والتفريع والتصنيف فيها، وفق منهج نقلي وعقلي إستقرائي، من خلال مقاربة مخرجاتها، المعرفية واللغوية والنفسية.    

ويقارب المؤلف مادته، وفق ما تميّز به بحثه الرصين، ومنهجه العلمي "التفسيري"،  وفق وحدة موضوعه، في مقاربته النقلية، وإستضاءاته للنص المقدس، وكدأب البحوث السابقة للمؤلف، في الإستقصاء والتبصر، لآية قرآنية شريفة منتخبة، في سائر مفردات البحث، كقوله تعالى (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه)، و(يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا)، وهو مصداق لقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: (الندم توبة)، فالعلاقة بين الإيمان والتوبة، هي علاقة السببية والمسببية، كون الإيمان عامل وباعث نحو التوبة، وهو سبب ودالّة لها.

وينطلق المؤلف في دراسة التوبة، في مفهوميها اللغوي والعرفي، من خلال القيمتين الكمية والإتجاهية لها، لتبيان المقصد منها، ولمن تكون وجهتها، ثم يسلك التعمّق البحثي في مدلولها وأحكامها، حيث يبحث في الفهم والدلالة والحكمة، من ورود مفردة "عسى" في آية التوبة الشريفة، موضوع البحث ومادته.

وينصرف البحث في الكتاب، الى مقاربة التفصيل في الثنائية اللفظية الظاهرة والباطنة، في ثنايا النص القرآني المقدس، وهندسة الحروف، وترتيب المفردات القرآنية، وتأثيراتها في الإستدلال والتفسير، والتي يستقصي بها البحث، مقاصد التوبة ومدركاتها.

ويؤكد المؤلف، أن البحث والتبصّر في الآيات القرآنية الكريمة، واسع ومعمّق، لذا فقد انصرف بحثه، الى كشف كيفية أنّ القرآن الكريم، هو تبيان لكل شيء، فيأتي البحث، إستكمالاً لما بحث المؤلف فيه، في كتابه الموسوم (الحجة معانيها ومصاديقها)، والذي بين فيه، أن من وجوه نزول القرآن باللغة العربية، مزايا قدراتها وطاقتها الاستيعابية الكبيرة، فيجمع البحث بين التعبّد في القول، والتعقل في النص القرآني المقدس.

ويبحث المؤلف في مقاصد المد الواجب، في عبارة "توبوا"، في التبصّر من الآيات الشريفة، في قوله تعالى في سورة التحريم، (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً)، والتي تكرر ورودها في غير آية شريفة، كقوله تعالى في سورة النور (وتوبوا إلى الله جميعا ًأيها المؤمنون لعلكم تفلحون)، ثم مقاربتها في إستقراء الروايات المعتبرة من السنة الشريفة.

ويؤكد المؤلف، تعلّق البحث في (التوبة)، بعلوم عديدة، منها دخلية وأخرى موضوعية، فهو يلامس علم الفقه، نظراً لحضور الأحكام الشرعية الفرعية في مدلولاته، وكذا يرتبط بعلوم اللغة والدليل العرفي، لتعلقه بالنص النقلي، كما يرتبط بعلم الأخلاق، لمقاربته تهذيب النفس وتقويم السلوك وسمو الذات، كما ويرتبط بعلم الكلام، كونه يبحث في العلاقة بين العبد وربّه، فموضوع علم الكلام هو المبدأ والمعاد، معللا ورود التوبة، في مادة العقائد وأمهات الكتب الكلامية.

كما يستثمر الباحث المسألة الأصولية، في إستقراء الآية الشريفة، لينتفع في فتح نوافذ جديدة، في التطبيقات على المسائل الأصولية، مبيناً أنها غالباً ما تحصر في إطار ضيّق، في توهم من لا خبرة له فيها.

سلك المؤلف في بحثه (منهج التفسير بالتعليل)، في التدبّر في القرآن الكريم، مبينا أنه منهج متّبعٌ إلى حد ما، لكنّه لم يُعطَ حقّه، ولذا جرى التركيز في المباحث القرآنية السابقة، على هذا المنهج أيضاً، ويعني ذكر العلل أو الحِكَم المختلفة، التي يمكن أن تذكر للتشريع أو الموعظة، أو لانتقاء المفردة دون سواها، أو لاختيار الموقع، أو لتفصيل الشكل أو النوع من التسلسل المنطقي، أو غير ذلك.

وقد اعتمد الكتاب في مصادره ومراجعه، الى آيات القرآن الكريم أولاً، ومن بعده كتب الحديث الشريف، وكتاب نهج البلاغة المشرف، في إستقصاء الروايات الصحيحة، كما استند الى الكتب والمصادر المعتبرة، في الشريعة والعقيدة والكلام والفقه، وكذا الفكر الإسلامي، فضلاً عن كتب المراجع الرصينة، وخاصة موسوعات وتراث المفكر الإسلامي، الإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي،  وما أسند الى العلماء الأعلام.    

الكتاب موسوم (توبوا الى الله)، بتوصيفه "بحث حول التوبة في منهج التفسير والتدبر القرآني"، وهو في الأصل، سلسلة محاضرات منهجية للمؤلف، ألقيت في "التفسير والتدبر"، ولأهميتها المعرفية، فقد ضمّنت في كتاب، بعد إعادة تحريرها ومنهجيتها وترتيبها المنطقي، وفق متطلبات الكتاب الشكلية والهيكلية، وإضافة المقدمة المنهجية له.

صدر الكتاب بتعاون (مؤسسة التقى الثقافية) مع (مؤسسة أم أبيها للمنشورات الثقافية)، وهو بـ(152) صفحة، واحتوى على مقدمة شكلية منهجية، وسبعة فصول رئيسة، تفرّعت الى مباحث فرعية.

المقدمة المنهجية، عرضت للتعريف بموضوع الكتاب وأهميته، ومعضلته البحثية في ضرورة دراسة المادة، ومن ثم بيّنت أهداف البحث، ومنهجه ومقارباته البحثية، ونطاقه ومنهجيته، وهيكليته الشكلية.

ويشتمل الكتاب على سبعة فصول بحثية، تحصّلت على وحدة الموضوع ونطاقه، وهي الفصل الأول الموسوم "مفهوم التوبة في الخطاب القرآني الشريف"، إذ بحث في وجوه توجيه الخطاب الشريف فيها، الى المؤمنين دون غيرهم، مبينا أنهم الأقرب للإستجابة، وهم الأحب الى الرب تعالى، فضلاً عن وجه الإشعار بسببية الإيمان للتوبة، وأن التوبة تستبطن البعد والقرب، التي يستوحيها المؤلف من المعنى اللغوي والعرفي للمفردة، والتي تعني الرجوع.

والفصل الثاني الموسوم "مفردة (عسى) وعلّة التكفير عن السيئات في التوبة"، وقد بحث المؤلف فيه بتسعة إجابات محتملة، وهي المدلول الإلتزامي، حيث استخدام كلمة "عسى" في المقام، إنما هو بلحاظ حال القابل، لا بلحاظ حال الفاعل، وليكون المرء بين الخوف والرجاء، وأن كلمة (عسى) هي بلحاظ لوح المحو والإثبات، لا اللوح المحفوظ.

ويحتمل المؤلف أيضاً، أن إستخدام كلمة "عسى"، في الآية الشريفة، لأجل الدلالة على أنّ التوبة مقتضية للمغفرة، وليست علّة تامة، وثم إحتمال الإشارة إلى أن المغفرة ليست حقاً واجباً، ومن ثم دلالتها الى أن عدم المعصية، شرط متأخر، وأن "عسى" ليست بلحاظ العقوبة الأخروية، وإنما هي بلحاظ الأثر الوضعي.

والفصل الثالث الموسوم "الآثار الوضعية والأخروية للمعاصي والذنوب"، وهو استكمال لموضوع الفصل السابق له. وقد بحث فيه وجوه السر في العقوبات الأخروية اللامحدودة.

والفصل الرابع الموسوم "أقسام التوبة والبصائر القرانية في التوبة النصوح"، فيبحث فيه دلالة التوبة النصوح، مقابل غير النصوح، التي قد يكون فيها ندم، لكنه لم يتوغل، ولم يتغلغل في الأعماق.

وفي هذا الفصل، مبحث معمّق، يناقش فيه ضمن المنهج اللغوي والعرفي، مفردة "نصوح"، في تبيان عائديتها الى التوبة أو التائب، كونها صيغة مبالغة، تطلق عادة على الشخص لا الشئ، لكنه يخلص الى أنها أطلقت على التوبة، لأسباب بلاغية وتوصيفية، وتعظيمية لفعل التوبة.

والفصل الخامس الموسوم "مقاربة بحثية أصولية في مصاديق التوبة وتصنيفاتها"، فيبحث في المراد بالتوبة النصوح، لجهة أنها التوبة الدفعية، أم التوبة التدريجية، أم الكمّية، أم المراد بها الكيفية، أو أنها توبة واحدة شاملة، أم توبات متعددة، قد تكون توبات متعددة متناهية، أو توبات متعددة لامتناهية، بنحو اللامتناهي اللايقفي.

ويقارب المؤلف هذا المسألة، من خلال البحث الأصولي، مؤكدا أن مقاربتها ستكون من منظار أوسع، أي في مجالات استخدامها في علم الكلام، وفي علم الأخلاق، وفي علوم أخرى، إضافة إلى علم الفقه، ويخلص الباحث، أن هذا البحث، يفتح أبواباً جديدة، ذات فوائد كثيرة.

وقد وسم الفصل السادس "النص القرآني وتبيانه لكل شيء"، وهو إستكمال للبحث في كتاب المؤلف الموسوم، "الحجة معانيها ومصاديقها"، في أن يكون القرآن تبيانا لكل شئ، في وجوه معادلة الظاهر والباطن منه، وهندسة الحروف والكلمات والجمل ومواقعها، وأثرها في تبيان الدلالات والمعاني.

وأخيراً الفصل السابع، الموسوم "وجه حكمة المد في قوله تعالى (توبوا الى الله)"، في مقاربة وجه المدّ في قوله تعالى "توبوا"، إذ أن الآية الشريفة، ينبغي أن تقرأ بمد الواو الثانية، إضافة الى البحث في الفرق بين الإستغفار والتوبة، وهو بمثابة مخرجات البحث في الكتاب.

سلك الباحث في الكتاب، منهجاً نقلياً وعقلياً وإستقرائياً، وحرص على تضمينه روايات معتبرة، ذات حكمة ودروس مستفادة، منصرفاً لمقاربة مفاهيمه ومدركاتها، بشكل يوائم النخب البحثية، إضافة الى خطابه المعرفي الميسّر، الى القارئ المتلقي، مما شكّل إضافة متميزة، في تراث المؤلف البحثي والفكري، وإغناءا نوعياً، للمكتبة العربية الإسلامية.

24/جمادى الآخرة/1435