استراتيجيات إنتاج الثروة ومكافحة الفقر في منهج الإمام علي(ع)

لمؤلفه سماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي



 

موقع الإمام الشيرازي

بنسخة (منقحة ومزيدة) صدر حديثاً، كتاب (استراتيجيات إنتاج الثروة ومكافحة الفقر في منهج الإمام علي عليه الصلاة والسلام)، لسماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، ويتناول هذا الكتاب الفقر الذي لا يزال يشكل الظاهرة الأخطر، والهاجس الأكبر للبشرية. رغم كل التطور العلمي وكل البرامج والمناهج الاقتصادية على الصعيد المحلي والدولي، فإن وقائع الفقر وأرقامه التي توزعها الأمم المتحدة تعبر عن مأساة مريعة، وليس هناك في الأفق ما يشير إلى حل قريب أو بعيد لها، رغم استمرار عقد المؤتمرات الدولية لمكافحة الفقر، ورغم وجود مراكز الدراسات ومؤسسات المجتمع المدني، التي تعمل في هذا المجال. الأرقام الأممية تتحدث عن أنه في كل يوم يموت خمسون ألف شخص، معظمهم من الأطفال نتيجة الققر الشديد! وفي كل سنة يموت ستة ملايين طفل من سوء التغذية، قبل أن يبلغوا الخامسة! وفي كل يوم يذهب أكثر من ثمانمائة مليون شخص إلى النوم جائعين!.

الفقر من أكثر المفاهيم التي عُرّفت من أوجه مختلفة ومتعددة، وأكثرها شيوعاً، هو أنه الحالة الاقتصادية التي يفتقد فيها الفرد إلى الدخل الكافي للحصول على المستويات الدنيا، من الرعاية الصحية والغذاء والملبس والتعليم، وكل ما يُعد من الاحتياجات الضرورية، لتأمين مستوى لائق في الحياة. وعلى المستوى العام، كثيراً ما يكون الفقر ناتجاً عن المستوى المنخفض للتنمية الاقتصادية أو للبطالة المنتشرة، والأفراد الذين لا يملكون القدرة الأقل من المتوسطة للحصول على دخل - لأي سبب كان - غالباً ما يكونون فقراء والتعريف السابق للفقر يحمل بين طياته إحدى التعريفات الثلاثة التي يُعرَّف بها الفقراء، وأولها:

التعريف الموضوعي الذي يركِّز على كون الفقراء، هم غير القادرين على تحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة، ويعتبر كلاً من دخل الأسرة ومتوسط نفقات الفرد مقياسين كافيين لمستوى المعيشة، وهنا يكمن الفرق بين الفقر وعدم المساواة، فكما ذكر البنك الدولي في تقرير التنمية في العالم (1990) أن الفقر يعبر عن المستوى المطلق لمعيشة جزء من السكان وهم الفقراء، بينما يعبر عدم المساواة عن المستوى النسبي للمعيشة في المجتمع ككل أما التعريفان الآخران للفقراء فهما: التعريف الذاتي للفقراء والتعريف السوسيولوجي للفقراء.

أما التعريف الذاتي، فيعرف فيه الفقراء من وجهة نظر الفرد ذاته، فإذا شعر بأنه لا يحصل عما يحتاج إليه - بصرف النظر عن احتياجاته الأساسية - يُعد فقيراً.

وأما التعريف السوسيولوجي: فيعرف الفقراء بكونهم من يحصلون من المجتمع على مساعدة اجتماعية، ويعتبر الحد الفاصل للفقر هو الحد الأدنى الرسمي للدخل الذي يحصل عليه الفرد عندما يعتمد في معاشه على المعونة الاجتماعية.

ومن التعريفات التي تأتي مصاحبة لتعريف الفقر، هو تعريف حد الفقر، وهو الحد الأدنى من الدخل اللازم، لتلبية النفقات الضرورية للغذاء والبنود غير الغذائية لأفراد الأسرة، بحيث يعتبر هذا المستوى من الدخل أو الإنفاق، هو الحد الفاصل بين الفقراء وغير الفقراء، فمن يقعون عند الحد الفاصل أو أدنى منه يوصفون بأنهم فقراء، ومن يقعون فوق الحد الفاصل هم غير الفقراء. أما برنامج الأمم المتحدة للتنمية، فقد عرَّف الفقراء ببعد إنساني أعمق، وهو أنه إنكار ورفض للعديد من الاختيارات والفرص الأساسية لتنمية الإنسان، ويتضمن ذلك القدرة على عيش حياة طويلة مبدعة وصحية وعلى اكتساب المعرفة ونيل الحرية والكرامة واحترام الذات واحترام الآخرين، والتوصل إلى المصادر المطلوبة لمستوى معيشة كريم.

عبر الباحث النفساني الاجتماعي (ماسلو) عن هذه الاحتياجات الإنسانية، في هرمه الشهير، الذي وضع فيه هذه الاحتياجات ضمن أسبقيات ضروراتها وتأثيراتها في الفرد، ثم المجتمع والدولة، فقد بدأ في قاعدة هرمه، بتثبيت الحاجات المعيشية الأساسية للفرد، ثم ارتفع في المستوى الثاني إلى الحاجات الأمنية، ثم إلى الحاجات الاجتماعية، وانتهاء بحاجات تحقيق الذات أو الإبداع. وبرغم الجدل العلمي الناشئ في النظرة لتسلسل هذه الحاجات وترتيبها، لكن المؤكد أن الإنسان في حاجة لمتطلبات ضرورية في الحياة، وهذا الاحتياج يؤثر على سلوكه، وصيرورته في الحياة، فالحاجات غير المشبعة، تسبب إحباطاً لدى الفرد، واضطراباً في حياته، وتولد له آلاماً نفسية، ويؤدي ذلك إلى العديد من ردود الأفعال القاسية. والإنسان في سعيه للبحث عن إشباع لهذه الحاجات، يحاول أن يحمي نفسه من هذا الإحباط، ويسد النقص في احتياجاته، فإن لم يتسنّ له ذلك فإنه يخلد لليأس، ويسلم من خلال انتفاء الرغبة في الحياة، فيفقد ذاته، ويفقده المجتمع. وعليه فإن فقدان أي مستوى من هذه الحاجات، يعد شكلاً من أشكال (الفقر)، إذ تبدأ من الحاجات ذات الضرورة القصوى، للبقاء والحياة، والمتمثلة بالغذاء، ومتطلبات المعيشة، وتنتهي بالرفاهية الإنسانية، التي هي من الحاجات الإنسانية أيضاً، وهي ليست من أشكال الترف، إذ إنه بفقدانها يعاني الإنسان من حالات الكآبة والإحباط النفسي، والقلق العقلي والإعاقة الجسمانية، غير أن متطلباتها قد تكون بأولويات متأخرة، عن تلك الحاجات الضرورية والأساسية، التي وضعت في قاعدة هرم الحاجات والمتطلبات الإنسانية. ويقول السيد المؤلف: (لكي نعرف مدى خطورة مشكلة الفقر، يجب أن نعرفه بشكل صحيح ومتكامل، فإن الفقر لا ينحصر في الجانب المادي فحسب، كما يتوهمه عامة الناس، بل له امتدادات واسعة إلى أبعد الحدود، ذلك أن الفقر يعني في جوهره الحاجة والحرمان، وهذا هو الذي يشكل القاسم المشترك لكل تعريفات الفقر).

لقد تفرد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في حديثه عن الفقر، وتميز في منهجه بمكافحة هذا الوحش الذي يفتك بإيمان الإنسان وجسده وكرامته، فالفقر كما وصفه (عليه السلام): (يخرس الفطن عن حجته)، ويجعل الإنسان (غريباً في بلدته)، وفي موضع اعتبره أقرب الى الكفر، إلا من رحم الله. ولقد جسد أمير المؤمنين (عليه السلام) رؤيته واقعياً عبر إنجاز ناصع بإنسانيته، وباهر بنجاحه العملي، فقد وفر المسكن والرزق والماء، لشعب توزع في مساحة جغرافية تشمل ما يقارب خمسين دولة، بحسب جغرافية اليوم، منها مصر والحجاز واليمن وإيران والخليج والعراق وغيرها. يقول آية الله السيد مرتضى الشيرازي في كتابه (استراتيجيات إنتاج الثروة ومكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)): (تميز الإمام أمير المؤمنين بمثابرة استثنائية وإرادة جبارة، لتقديم الحلول النموذجية المقابلة للفقر، وذلك من خلال استصلاح الأراضي الشاسعة خارج المدينة، مستفيداً من فترة الإقامة الجبرية، التي فرضت عليه على مدى خمس وعشرين سنة، لمعارضته للدكتاتورية وللانقلاب على منهج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبذلك ثقف الناس على العمل والإنتاج بدلاً من انتظار مساعدة الآخرين). ويضيف: (تألق الإمام نظرياً وعملياً، عندما أضحى حاكماً على الدولة الإسلامية، التي لم تكن تغرب عنها الشمس آنذاك، فقدم نظرية اقتصادية متكاملة، ثم طبقها على الواقع، فتحولت البلاد إلى جنة لا يرى فيها فقير واحد، وذلك في أقل من خمس سنوات، حتى قال: (ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص! ولا عهد له بالشبع).

يهدف سماحة السيد المؤلف في كتابه إلى تقديم رؤى علمية وعملية، لمعالجة الفقر، ضمن تصورات استراتيحية معمّقة، إذ تتجلى أسباب الفقر ومخرجاته، في مرتكزات (الاستراتيجية الشاملة)، المتمثلة بالمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، كون ظاهرة الفقر، في أسبابها، وكذلك معالجاتها، تتحرك ضمن العوامل السياسية والاقتصادية، المتمثلة بدور الدولة ومؤسساتها، وقطاعات الاقتصاد الوطني، في إنتاج الثروات وتنميتها، وتوفير البيئة السياسية المستقرة، لتنميتها وتنشئتها، ثم تضطلع العوامل الاجتماعية، وهيئات المجتمع المدني، بأدوارها المحورية في معالجات هذه الآفة، وضمن بيئة أمنية سليمة، توفر لها أسباب النجاح والديمومة. وعليه فإن البحث يهدف إلى مناقشة ظاهرة الفقر، وأسبابها ومعالجاتها، من منظور استراتيجي شامل، وذلك من خلال الاسترشاد بمنهج الإمام أمير المؤمنين، واستراتيجياته المحكمة، ضمن تجربته التاريخية، في القضاء على ظاهرة الفقر.

المنهج المتبع في الكتاب، هو التحليلي التركيبي، والإحصائي المستند إلى معطيات البيانات الموضوعية والدقيقة، فضلاً عن المنهج النقلي والاستدلال الشرعي، المستبصر في النصوص القرآنية المقدسة، والسنة الشريفة للرسول الأكرم والأئمة المعصومين. وقد جرى اختيار النهج الاستراتيجي لأمير المؤمنين، مرجعية للبحث، وقد تخلد في عهده التاريخي، لمالك الأشتر، حيث رسم (ع) في ذلك العهد استراتيجية واضحة المعالم لمرتكزات المكافحة الجذرية لظاهرة الفقر، والقضاء عليه. ولتوفر ثلاث مرتكزات في البحث، هي مباني ومقاصد إنتاج الثروة، والمعالجات الاستراتيجية لظاهرة الفقر، في شقيها الوقائي، المانع لأسبابه ومسبباته، في علته المحدثة، والإجرائي الرافع له، في علته المبقية، وذلك استرشاداً بنهج الإمام أمير المؤمنين، وبنائه الاستراتيجي، في معالجة الفقر والقضاء عليه.

يناقش الفصل الأول من الباب الأول (العوامل الاقتصادية لإيجاد الثروة وتنميتها والمحافظة عليها ولمكافحة الفقر)، وهو دراسة للجوانب المادية في موضوعة الفقر، ويناقش الفصل الثاني (العوامل الغيبية والأخلاقية لإيجاد الثروة وتنميتها والمحافظة عليها ولمكافحة الفقر)، فيكون دراسة في الجوانب غير المادية لموضوعة الفقر، في أسبابها ونتائجها، وهذان الفصلان بمجموعهما يطرحان معالجات مانعة للفقر، بهدف استباق أسبابه ومسبباته، وعوامل نشوئه، والبيئة التي ينمو فيها، في معالجات ظاهرته ومخرجاتها، بهدف القضاء عليه، ودفعه ومنعه. وينحصر نطاق الفصل الثالث في (محاصرة عوامل تبديد الثروة وملاحقة بواعث الفقر)، وهو دراسة في معالجات الفقر بعد نشوئه، بهدف رفعه، ومعالجة كينونته، في علته المبقية.

هذا كله فيما يتعلق بالباب الأول، أما الباب الثاني فيتمركز بشكل عام على الفقير ضمن محاور ثلاث، المحور الأول يتحدث عن الرؤية العامة تجاه الفقر، وكيف يجب أن تكون ثقافة الفقراء، والمحور الثاني يتحدث عن واجبات الفقير ومسؤولياته، أما المحور الثالث فيتحدث عن سبل وآليات الإثراء المشروع والخروج عن دائرة الفقر، عبر الالتزام بالتعاليم السامية الدينية.

كما ألحق بالكتاب، ملحق وهو نص العهد الذي عهده الإمام أمير المؤمنين (ع)، إلى مالك الأشتر (رض)، مع شرح مستقى من كتاب (توضيح نهج البلاغة)، للمفكر الإسلامي الكبير، والمرجع الديني المجدد، آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قده)، لإغناء مادة البحث، ولتعلق مبانيه بمسألة البحث ومقارباته.

يقع الكتاب في (293 صفحة A5)، وقد تمت طباعته بدار المؤمل للطباعة والنشر والتوزيع/ بيروت - لبنان، وقد اعتمد البحث في مراجعه ومصادره، على النصوص المقدسة والأحاديث الشريفة، فضلاً عن اعتماد كتب ومرجعيات، رصينة وموضوعية، وقد وفرت المراجع مادة تعريفية وإحصائية وفيرة، ولكثرة مادتها، فقد جمعت تفاصيلها بملحق في نهاية الكتاب، وقد أثبتت المراجع والمصادر، في ثبت المصادر والمراجع.

إن التعامل مع ملف الفقر يحتاج أولاً إلى أرقام وإحصائيات، ومن دونها فإن مساحة الفقر لن تكون واضحة، ولا يمكن بناء برامج عملية تؤتي ثمارها، فالجهود الكبيرة قد تتبعثر ولا تجد لها طريقاً تسلكه لإيصال المال إلى المستحقين، ولابد من رسم خريطة إحصائية تعتمد على البحث الميداني. وإن وجود إحصائية للفقراء ومعرفة مستوى الدخل والإنفاق للأسر الفقيرة، ومواطن وجودها، وإن مؤشرات الفقر، ليست معلومات نقف عندها لمعرفة حالة الفقر، ولكنها معلومات – من المفترض - أنه سيترتب عليها إنشاء برامج دعم ومساندة وتقديم معونات، تتجاوز الإنفاق العادي للأسرة، لتصل إلى المساعدة على تكاليف الدراسة والصحة، وإعطاء أولوية في الإسكان وخلافه، مما هو ضرورة لرفع مستوى معيشة الأسر الفقيرة، وهكذا فإن ظاهرة الفقر تتطلب معالجات جذرية، عبر تعاون اقليمي ودولي، ناهيك عن وضع الخطط الاقتصادية المحلية التي تنتشل الفقراء من فقرهم، وذلك بتوفير فرص العمل وإشاعة حالات التكافؤ، وحماية الكفاءات، إضافة الى جملة من الخطوات التنظيمية القادرة على نشر الوعي والعلم، بين الجميع، وهذا الأمر هو بداية الطريق لتطويق الفقر الذي له أصبح عاملاً بارزاً في صناعة جماعات غوغائية وحشود قطيعية وتنظيمات إرهابية.

18/صفر/1435