الإمام المهدي مابين الحضارتين المادّية والدينية


 

صباح جاسم    

 

موقع الإمام الشيرازي

14/شعبان/1429

في بدايات القرن العشرين إنشقّت المجتمعات الإنسانية بفعل عاملين أساسيين هما، عامل (الحضارة المادية) التي تصاعدت بقوة وإثارة لتصنيع مظاهر الحياة المختلفة حتى بهر بريقها الألباب وأسر العقول. وعامل (التكتلات الدينية) التي هي أيضاً أخذت تتصاعد بقوة، وتجاوبَ معها قطاعات كبيرة من البشر قائلين بأن الحضارة المادية لا تعبر إلا عن وجه واحد من أوجه الحياة. فمَن كان قريباً من قواعد الحضارة المادية تمسك بمعطياتها واعتبر الدين مرحلةً تجاوزَها الانسان، ومن كان قريباً من قواعد التكتلات الدينية تمسّك بمعطياتها واعتبر المادية وسيلة لتجاوز الحياة لا أكثر. اما الأكثرية من الناس فأخذوا بمعطيات الحضارة المادية لتنعيم الحياة وتسهيلها، متسترين بغطاء رقيق من الإيمان والاعتراف بوجود الله تعالى وصحة كتبه ورسالاته، واما التفاصيل والفروع فلا يجدون ما يلزمهم بها. واذا عرفنا ان الذهنية العامة تؤمن بالمألوف بلا محاكمة وترفض غير المألوف بلا مناقشة، فإننا سنعرف لماذا يكوّن الناس غالباً غطاءً رقيقاً من الإيمان يتسترون به. من هذه المعطيات نستطيع أيضاً أن نعرف السبب في تهرّب الناس من الخوض في الحوار حول القضايا الفكرية الدينية عموما، واتهامها بأنها قضايا إيمانية مجردة لا جدوى من التعمق بها، مهما كان مردودها في حياتهم الفردية والاجتماعية. ومن هذه القضايا، قضية الروح، الروحانيات، المعجزات، حكومة الإنسان في سائر المخلوقات، وأخيراً قضية (المصلح المنتظر) التي تعبر عن معادلة الخير والشر النهائية، لأنها تتعلق بإحدى الغرائز المتأصلة والثابتة في البشر الى نهاية العالم.

ولعل غريزة التأرجح بين الأضداد أو ما تسمى بغريزة التطور وُكلت بالإنسان لتقليبه في المعادلات المختلفة، حتى تكشف كل مخابئه وتنمي كل ما في أعماقه من نوايا وركائز فتحقق بذلك هدفاً من أهداف الحياة الا وهو تجربة الانسان، كما هو الحال في قوله تعالى (وان لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءا غدقا لنفتنهم فيه). واستجابة لهذه الغريزة نجد الانسان دائم الاندفاع بين أقطاب الإغراء الكثيرة المتنوعة، فهو يحب الشيئ ويتدفق نحوه بلهفة، حتى إذا شبع منه أعرض عنه واتجه نحو ضده، مثلا، قد ترى انسانا محافظاً لا تذكر له هفوة واحدة، ثم تجده ينفلت بعشوائية، وبعد حين يحاول أن يعيد سيرته الأولى. أو قد يظهر جيل متشدد محارب يتتبع الخلافات المعقدة والارتجالية وغير الواضحة المعالم - كما هو الحال في الوقت الحاضر في العراق وبعض الأماكن الأخرى من العالم - فيتمسك بها لإشعال الفتن والحروب دون أن يعي أن ما يفعله هو التدمير الذاتي بعينه، وقد يعقبه جيل مسالم يتنازل عن الكثير هروباً من المواجهة. وهكذا الدين، فقد يظهر مصلح يحرك فطرة الناس في اتجاه الدين فيتهافتون على جوامعه ومجامعه باندفاع مخيف، ثم تتوتر الفطرة فيهم، فيتجاهلون كل شيئ منه حتى يتحير دعاته ولا يأخذ التيار مداه، ويبدا بالإنحسار، ويثوب الناس الى رشدهم في اتجاه الدين من جديد وكانه يطرح عليهم لأول مرة.

ولهذا السبب فإنه كلما ظهر نبي او إمام واستطاع أن يعلي كلمة الدين، عرف ان ثورته تستهلك من بعده، وان خلفائه سيعانون الثورة المعاكسة فيبشّرهم بأن الردة لن تكون قاضية، وان المطاف الأخير سيكون للدين وان الله تعالى سيظهر من يجدده ويقود الناس الى الصراط المستقيم. فما من نبي إلا وبشّر بمصلح لا يعلى على صوته، ودعا الناس الى الصبر على المكاره وانتظار ذلك المصلح والالتفاف حوله ان هم ادركوه.

واذا ما تتبعنا هذه العقيدة نجد انها تعني العديد من المعطيات التي يجب علينا التمسك بها ومنها:

- واقعية الأديان في استيعاب المستقبل وفي استيعاب دورة البشر بالإتجاه نحو الدين والإنحراف عنه.

- تطمين المبشّرين والمؤمنين بأن لهم المطاف الأخير حتى لا ييأسوا مهما اشتدت الفتن ومهما استبدت الثورة المعاكسة.

- تيئيس العاملين ضد الدين وضد المبشّرين به، فإذا استطاعوا أن يهرجوا أياماً، فلا يعني ذلك انهم أضحوا سادة الموقف، فالدين هو الخط الصحي العام اما الإنفلات فهو فوضى لن تدوم مهما طالت.

- تهيئة المؤمنين لإستقبال المصلح المنتظر، حتى يظلوا متأهبين له، حيث تأهبهم يعني ابقاءهم موفوري القوى، وهذا يخدمهم حياتياً في مجمل فترات انتظارهم للمصلح المنتظر مهما طالت.

- تمهيد الأرضية الصالحة للمصلح المنتظر، حتى اذا حان الوقت للنهوض لا يجد نفسه غريباً يبني ابتداء من حجر الأساس، وانما يجد نفسه يرفع البناء على أساس من سبقه.

وهذه الظاهرة أوجدت أخوة الأنبياء والصالحين فكل واحد منهم كان مبشَرَا به من قبل السابقين، فيصدق السابقين عليه ويبشر اللاحقين به، ويقوم بدور الحلقة الواحدة ضمن السلسلة البعيدة الطرفين.

وليس الإمام المهدي المنتظر إلا حلقة في هذه السلسلة الإلهية، ولكنه يتميز بأنه الحلقة الأخيرة التي ترتبط مع الطرف الأول البعيد، حيث ولايته ستكون نهاية المطاف، ليملأ الارض قسطاً وعدلاً بعد ما تكون قد مُلأت ظلماً وجورا.

ولادة المهدي ونسبه الشريف 

وُلد الامام المهدي المنتظر (عليه السلام) في سامراء بالعراق في اليوم الخامس عشر من شعبان عام 255 هجري. وهو الامام الثاني عشر لدى المسلمين الشيعة، وابوه الإمام الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي السجاد بن الحسين السبط  بن علي بن ابي طالب (عليهم افضل الصلاة والسلام).

المهدي في القرآن

لقد وعد القرآن الكريم الأمة بيوم يستلم فيه رجال الحق والمؤمنون اللائقون أزمّة القيادة في الأرض، وينتصر فيه الدين الاسلامي ويعم الأرض، بالإضافة الى ورود آيات فيه تفسر بالإمام المهدي، ومنها: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون)، و(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم امناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا) و( ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين)...

وهكذا يتوضح من هذه الآيات ان العالم سيصل حتماً الى اليوم الذي تستلم فيه القيادة المؤمنة اللائقه ازمّة الامور فيه ، فيكون أولياء الله قادة الارض.

الرسول (ص) يبشّر بالمهدي

في مناسبات عديدة ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حفيده الإمام المهدي (عليه السلام) مؤكداً على حقيقة ظهوره في آخر الزمان وأنه مسدد من الله تعالى، حتى يملأ الأرض بالعدل والإنصاف، ومن هذه  الأحاديث الشريفة:

- قال رسول (صلى الله عليه وآله): والذي بعثني بالحق بشيراً ليغيبن القائم من ولدي بعد معهود له مني، حتى يقول اكثر الناس: ما لله في آل محمد حاجة ويشك آخرون في ولادته، فمن ادرك زمانه فليتمسك بدينه ولا يجعل للشيطان عليه سبيلاً بشكه فيزيله عن ملتي ويخرجه من ديني فقد اخرج ابويكم من الجنة من قبل وان الله عز وجل جعل الشياطين اولياء للذين لا يؤمنون.

- ويذكر مؤلف كتاب ينابيع المودة، ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: المهدي من ولدي تكون له غيبة إذا ظهر يملأ الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

- وجاء في ذات الكتاب ان الصحابي سلمان المحمدي قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإذا الحسين بن علي على فخذه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه ويقول انت سيد ابن سيد أخو سيد، انت إمام ابن إمام أخو إمام، أنت حجة ابن حجة أخو حجة، وأنت أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم.

- وقال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): للقائم منا غيبة أمدها طويل, كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه، ألا فمن ثبت منهم على دينه، ولم يقس قلبه بطول غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة، ثم قال: ان القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه.

- وقال ابن ابي دلف، سمعت علي بن محمد بن علي الرضا يقول: الإمام بعدي الحسن ابني وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

- وروى حذيفة ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: المهدي من ولدي وجهه كالكوكب الدرّي.

- ونقل مسعدة عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال: ان قائمنا يخرج من صلب الحسن العسكري, والحسن يخرج من صلب علي الهادي, وعلي يخرج من صلب محمد الجواد, ومحمد يخرج من صلب علي الرضا, وعلي يخرج من صلب ابني هذا (يعني الكاظم) - وأشار إلى موسى- وهذا خرج من صلبي، ونحن اثنا عشر إماماً، كلنا معصومون مطهرون، والله لو لم يبق إلا يوم واحد لطول الله ذلك.

  شبكة النبأ