من الرثاثة إلى ما بعد الرثاثة .. سوسيولوجيا العدمية الثقافية في العراق


 

 

 

أحمد حسن

موقع الإمام الشيرازي

14/ ربيع الآخِر/1448

 

 

في كتاب "الرثاثة في العراق: أطلال دولة.. رماد مجتمع"(1)، الذي حرره فارس كمال نظمي(2) عام 2015، لفتني مفهوم "الرثاثة" بوصفه محاولةً لتجاوز مظاهر التدهور والقبح في حياتنا اليومية. ومع قراءة ما كتبه نظمي عن "سيكولوجيا إنتاج الرثاثة في المدينة العراقية"، بدا لي أن المفهوم يفتح آفاقاً واسعة تتصل بالمعايير والقيم وآليات نشوء الحياة الاجتماعية.

في البداية، ظننت أن الرثاثة لا تعدو كونها قبحاً ظاهرياً؛ كالمباني المتهالكة، والشوارع المليئة بالنفايات، والمؤسسات المعطلة، أو ذاك الواقع العراقي الذي ألفناه حتى صار جزءاً من يومياتنا. لكن مع التعمق في القراءة، أدركت أن المفهوم يتجاوز القبح الخارجي إلى مستويات أكثر تعقيداً؛ فهو يصف طريقة عيش تتآكل فيها منظومة القيم التي تحدد المقبول والمرفوض، وتضعف فيها قيمة المؤسسة، ويغدو الرديء جزءاً مألوفاً من الحياة، حتى يصير هو الطبيعي والمقبول.

هذا التحليل دفعني للتساؤل:

ماذا يحدث حين تتقدم الرثاثة خطوة إضافية؟

ماذا لو كفَّ الإنسان عن الخجل من الرثاثة، وبدأ يروج لها بوصفها نجاحاً؟

وماذا حين تُعدُّ "الصورة" إنجازاً، والتقرب من السياسي قيمةً ثقافية، ومذكرة التفاهم مشروعاً مكتمل الأركان، والمنصب السياسي دليلاً على الكفاءة، والظهور الإعلامي بديلاً عن العمل؟

عند هذه النقطة، بدأت أفكر بمفهوم أسميه "العراق.. ما بعد الرثاثة".

بعد النقاش معه، تبيّن لي أن "ما بعد الرثاثة" محاولة منه لقراءة مرحلة نشعر جميعاً بأننا بدأنا نعيشها؛ مرحلة لا تكتفي فيها الرثاثة بالوجود فحسب، بل تبدأ بالدفاع عن نفسها، وتسويق ذاتها، وطلب الاعتراف بها. فبينما تنتج الرثاثة الرداءة، تنتج "ما بعد الرثاثة" الاعتراف بالرداءة بوصفها قيمة.

إن الرثاثة تتجاوز مفهوم الفقر. فكلما تطرقنا إليها في العراق، يظهر مَنْ يتساءل: ماذا تريدون من الناس؟ الناس فقراء، والبلد عانى الحروب والحصار والعنف والفساد. بيد أنني أرى في ذلك خلطاً كبيراً؛ فالحرمان لا يعني الرثاثة، والبيت البسيط أو الملابس الرخيصة لا تمتّ إليها بصلة. يمكن للإنسان أن يعيش في غرفة صغيرة ويحتفظ بكرامته وذوقه ومعرفته وقدرته على التفكير، وفي المقابل، يمكن لشخصٍ يجلس في مكتب فاخر، حاملاً أعلى الشهادات والمناصب، أن ينتج قدراً هائلاً من الرثاثة. إن الرثاثة في جوهرها ليست مادية، بل هي علاقة الإنسان بالقيمة والمعيار والمعنى والمضمون. وهذا ما جعل مفهوم فارس كمال نظمي مهماً بالنسبة لي؛ إذ نقل الرثاثة من كونها مظهراً خارجياً إلى حالة تعبر عن مناخ اجتماعي متكامل.

ومن الموضوعات التي بدأت تلفت انتباهي في العراق الطريقة التي نتعامل بها مع الصور؛ كصورنا مع السياسيين، أو الوزراء، أو في المؤتمرات والسفارات. هذه الصور بحد ذاتها قد تكون جميلة ولا غبار عليها، لكنني أتساءل: متى تغدو الصورة إنجازاً؟ ولماذا يشعر البعض أن الوقوف إلى جانب شخصية سياسية أو دولية يرفع من قيمتهم؟ ما الذي أنتجته تلك الصورة؟ هل أثمرتْ كتاباً، أو ترجمة، أو اتفاقاً ثقافياً حقيقياً، أو مهدت طريقاً أمام كاتب عراقي، أو أسست لبرنامج مؤسساتي أو إقامة أدبية؟ هل أنتجت شيئاً يبقى بعد أن تختفي الصورة من الهاتف؟.

كلما أمعنت النظر في علاقة المثقف بالسلطة في العراق، تحضرني فكرة "اقتصاد الفتات"؛ والفتات هنا ليس مالاً بالضرورة، فقد يكون دعوة، أو منحة، أو تكريماً، أو سفراً، أو عضوية لجنة، أو مقابلة، أو ظهوراً إعلامياً، أو منصباً استشارياً، أو حتى صورة. إن هذه الجزئيات قد تبدو في سياقها الطبيعي مشروعة، لكن المعضلة تكمن حين تغدو بديلاً عن الإنتاج الفكري؛ إذ يتحول المثقف الذي كان يُفترَض به إنتاج المعرفة إلى صانعٍ لصوره الشخصية، وبدلاً من نقد السلطة يغدو باحثاً عن موقع قريب منها، ومتحولاً من مساءلة المؤسسة عن إنجازاتها إلى استجدائها. هكذا تتحول الثقافة إلى اقتصاد صغير من الامتيازات، لا يُصنَف فيه أحدٌ كشرير بالضرورة، لكن الجميع يتكيف مع النظام، وتكمن خطورة الرثاثة هنا في تحولها إلى بنية اجتماعية.

أما ما يقلقني أكثر فهو التعليم؛ فالجامعة لا تمنح الشهادات فحسب، بل تُعلّم الطالب ما يستحق الاحترام. فإذا رأى الطالب أن العلاقات أقوى من البحث، وأن المنصب أهم من المعرفة، وأن الظهور الإعلامي أجدى من الكتاب، وأن القرب من السلطة يُعدُّ قيمة أكاديمية أو ثقافية، فسيحمل هذه القواعد معه إلى حياته العملية، وهنا تكتسب الرثاثة طابعاً أخطر، إذ تبدأ في تربية أجيالها الخاصة.

كلما فكرت في الأمر، أجد أن الفرق بين الرثاثة وما بعد الرثاثة بسيط لكنه مخيف؛ فالرثاثة هي انهيار المرتكزات والمعايير، أما "ما بعد الرثاثة" فهي التوقف عن اعتبار ذلك الانهيار مشكلة. إن الرثاثة تنتج الرداءة، بينما تجعلها "ما بعد الرثاثة" ممارسة قابلة للاستسهال والتسويق. وإذا كانت الرثاثة تضعف المؤسسة، فإن "ما بعد الرثاثة" تُغلّب حضور الفرد على المؤسسة؛ فبينما تقلل الرثاثة من قيمة الإنجاز، تجعل "ما بعد الرثاثة" من "صورة الإنجاز" غاية كافية. هكذا تُضعف الرثاثة الثقافة، بينما تحول "ما بعد الرثاثة" القرب من السلطة إلى رأسمال ثقافي.

هنا أقترب من مفهوم العدمية؛ لا بمعناها الفلسفي الشامل، بل بوصفها حالةً اجتماعيةً باتت ملموسةً حولنا؛ حيث تظل الكلمات موجودة، لكن معانيها تتآكل. فعندما نتحدث عن "الثقافة"، أو "الأكاديمي"، أو "المستشار"، أو "الإنجاز"، أو "الشراكة"، أو "مذكرة التفاهم"، أو "المثقف"، أو حتى "المؤسسة"، يتبادر إلى الذهن تساؤلٌ حول جوهر هذه المصطلحات في غياب محتواها الحقيقي: أين الإنجاز؟ ماذا حلَّ بمذكرة التفاهم؟ أين الإنتاج الثقافي؟ وهل تظل المؤسسة قائمةً في غياب الأشخاص؟

لا أسعى هنا إلى تسويد قائمةٍ من الاتهامات، بقدر ما أبحث عن إجاباتٍ لتساؤلاتٍ تفرض نفسها: لماذا أصبحت هذه الممارسات مربحةً اجتماعياً؟ ولماذا غدا القرب من المسؤول قيمةً بحد ذاته؟ لماذا أضحت الصورة رأسمالاً، والتكريم أهم من النقد؟ ولماذا تحول المنصب مصدراً للمعرفة، وقبلت المؤسسة بهذا الانحدار؟ هنا تحديداً تُفتتح السوسيولوجيا.

إن طرحي هذا لا ينفي أن العراق بلدٌ ولَّادٌ، أنتج عبر تاريخه وحاضره شعراء وكُتَّاباً وفنانين ومفكرين، وما زالت مؤسساته وأفراده يعملون بجدٍ في تنظيم الفعاليات ونشر المعرفة وبناء جسور التواصل الثقافي.

لكنَّ الإشكالية التي تفرض نفسها اليوم، وهي أعمق من تتبع آثار الرثاثة في المدينة والمجتمع والدولة، تكمن في قدرة هذه الرثاثة على إنتاج صورتها البراقة؛ فماذا يحدث حين يصبح الرديء قابلاً للتكريم، والقرب من السلطة مادةً للعرض، والصورة دليلاً على النجاح، والإعلان نتيجةً؟ وكيف نقيِّم تحول مذكرات التفاهم إلى إنجازاتٍ مكتملة، والمناصب السياسية إلى رأسمالٍ ثقافي، والمثقف إلى جزءٍ من النظام الذي يفترض به أن يراقبه وينقده؟.

عند هذه الزاوية تحديداً، لا نكون أمام رثاثة صرفة، بل أمام منحى "ما بعد الرثاثة"؛ مرحلة لا تكتفي بإنتاج الرداءة، بل تفرض علينا قبولها. وهذا هو جوهر الخطر؛ فالمجتمع قادر على مقاومة ما يراه قبيحاً، ولكن كيف له أن يقاوم حين يتعلم اعتبار القبح نجاحاً؟ ماذا يفعل حين تغدو الصورة أهم من العمل، والقرب أهم من الكفاءة، والكلمات أهم من الأشياء، والاسم أهم من المعنى؟ لذا ينتابني إحساس بأن معركتنا الراهنة أعمق وأعقد من كونها مجرد مواجهة للفساد، أو سوء الإدارة، أو ضعف المؤسسات، أو السلاح المنفلت.

تكمن المعركة في قدرتنا على التمييز؛ أن نعي الفرق بين الصورة والإنجاز، وبين الشهرة والثقافة، وبين المنصب والمعرفة، وبين العلاقات والمؤسسة، وبين الإعلان والنتيجة، وبين المثقف ومن يرتدي قناع المثقف. فالمجتمع الذي تُنتزع منه هذه القدرة قد يعيش سنوات طويلة يصف واقعه بأسماء برّاقة، بينما يتآكل جوهره من الداخل.

هذا هو المعنى الذي أبحث عنه لـ "ما بعد الرثاثة"؛ أن تصل الرداءة إلى مرحلة لا تحتاج فيها إلى الاختباء، لأنها باتت قادرة على تقديم نفسها بصفتها "نجاحاً". وإذا توقفنا عن السؤال: "مَن أنتج الرثاثة؟" وانتقلنا إلى التساؤل الأهم: "مَن علّمنا أن نصفها بأنها إنجاز؟ وكيف صرنا نحتفي بها؟"، فإننا هنا نقترب من إدراك المغزى الحقيقي لمفهوم "ما بعد الرثاثة".

* (كاتب عراقي)

------------------------------------

(1) كتاب "الرثاثة في العراق: أطلال دولة.. رماد مجتمع"؛ يتضمن 22 مقالاً ودراسة كتبها 21 باحثاً وكاتباً في مجالات السياسة، والاقتصاد، وعلم النفس، والتاريخ، والفلسفة. يقدّم الكتاب نصوصاً تشريحية لما يسمى "الوضعية الهدمية" في العراق وممارسات قوى السلطة بعد عام 2003. لا يقصد الكُتّاب الفئات الاجتماعية الفقيرة المهمشة، بل يقصدون "الرثاثة السياسية والسلوكية" التي أنتجتها أحزاب السلطة والمحاصصة والفساد والإرهاب. كتب مقدمة الكتاب محرره د. فارس كمال نظمي، ليؤطر فكرياً حالة التهرؤ المجتمعي وانفراط العقد الاجتماعي في البلاد

(2) فارس كمال عمر نظمي (كاتب وباحث في سيكولوجيا السياسة والمجتمع والشخصية. تُركّز أبحاثه على فهم ديناميكيات المجتمع العراقي، بما في ذلك تأثيرات الحركات الاحتجاجية مثل "ثورة تشرين" على الوعي الاجتماعي والسياسي. كما يُعرف بتحليلاته النفسية للظواهر السياسية والدينية، مثل دراساته حول "سيكولوجية المنطقة الخضراء" و"عُصاب التفاوض السياسي").