![]() |
|
|
مشكلة جماعات الإسلام السياسي | نحن دعاة لا قضاة
موقع الإمام الشيرازي 12/ ربيع الآخِر/ 1448
(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا» (البقرة: 286). قاعدة قرآنية عظيمة تنطبق على الأفراد والدول والجماعات والأسر والمجتمعات، فكما أن الشريعة الغراء لا تكلف نفساً إلا وُسعها، فكذلك لا تكلف أسرة إلا وسعها، ولا تكلف حكومة ولا حاكماً ولا دولة إلا وسعها، هذه الآية من أعظم الآيات التي نحتاج إليها جميعاً، ولو فهم مغزاها أبناء جماعات "الإسلام السياسي" ما خرجوا على حكومة ولا اصطدموا بحاكم، ولأدركوا أن «قاعدة الوسع المجتمعي» مهمة جداً، حيث لا يكلف الله أي مجتمع إلا وسعه. غياب معنى «نحن دعاة لا قضاة، نحن دعاة لا ولاة، نحن دعاة لا بغاة، نحن دعاة لا قساة»، والعمل بعكس هذه القواعد هو السبب في معظم مآسى الحركات الإسلامية. من إشكاليات جماعات الإسلام السياسي الخلط بين ثوابت الإسلام ومتغيراته، فلا نعرف الثوابت التي ينبغي علينا أن نكون فيها في صلابة الحديد ولا المتغيرات التي نكون عليها في مرونة الحرير، وقد يثبت البعض مع المتغير ويهدر الدماء من أجل ذلك، وقد يتغير مع الثوابت. ووجود الثوابت والمتغيرات معاً هما سر خلود الشريعة وبقائها حتى آخر الزمان. والشريعة تفصل فيما لا يتغير وتجمل فيما يتغير، بل قد تسكت عنه تماماً. والثبات عادة يكون في عقائد الإسلام وأخلاقه ومقاصده الكبرى، أما المتغيرات فتكون عادة في الآليات والوسائل التي تجعل الشريعة تتكيف مع مستجدات كل زمان ومكان وتتناسب مع سائر الأعراف والبيئات. فمعظم المسائل السياسية والاقتصادية والإدارية والجنائية من المتغيرات والثوابت فيها قليل، فالثوابت الاقتصادية مثل حرمة الربا والغش والتدليس والاحتكار والغرر، فضلاً عن الإقرار بالملكية الفردية. من مشاكل جماعات "الإسلام السياسي" الخلط بين الإسلام المعصوم وجماعات الإسلام السياسي غير المعصومة، وبين الإسلام المعصوم والفكر الإسلامي غير المعصوم، وبين الإسلام المعصوم والفقه الإسلامي غير المعصوم، والإسلام المعصوم وبين آراء العلماء والدعاة غير المعصومة، ولذا ينبغى على أبناء تيارات الإسلام السياسي ألا يسبغوا صفة القداسة والعصمة على فكرهم البشري، وأن يفرقوا بين من ينقد الإسلام وينقد فكرهم. هناك مشكلة كبرى تواجه تيارات وجماعات الإسلام السياسي أنهم حولوا هذه الجماعات إلى جسد ضخم تستفزه التوافه وتقوم وتقعد وتحارب وتصطدم مع الآخرين من أجل التوافه، ومن علامات ذلك؛ - تقديم العاطفة على الحسابات الدقيقة، - وتقديم دغدغة المشاعر على مخاطبة العقل والضمير، - وتقديم كسب العوام على حساب بسط الحقائق المجردة، بما لهم وما عليهم، - واهتمام دعاتهم بالوعظ الزاعق على الفقه الدقيق الهادئ، - وتوجه قادتهم الى لغة التثوير بدلاً من لغة الحكمة والتريث، - وضعف العمل بفقه الأولويات وفقه المصالح والمفاسد، - والإغفال شبه التام لفقه المآلات. عملية لجوء تيارات "الإسلام السياسي" وجماعاته إلى السرية، هى التي أضرت بها إضراراً كبيراً، إذ إنها السبب في اللجوء للتكفير والعنف، فالسرية هى السبب في نشأة الأجنحة العسكرية الإرهابية وهى التي وأدت هذه التيارات وجرتها إلى الخلف بعد أن أقنعتها بحمايتها، ورويداً رويداً تحولت هذه الأجنحة العسكرية إلى دولة داخل الدولة، وأصابها الغرور وتضخم الذات، مما يؤدى إلى نهايتها في نهاية المطاف. حاكمية الخالق لا تعنى تكفير الخلائق، قاعدة مهمة من فهمها وعقلها وفر على نفسه ووطنه الكثير من المتاعب. وهكذا؛ فالإسلام منهج حياة أشمل من الحدود، حيث تركز جماعات الإسلام السياسي المعاصرة على أن الدولة التي تطبق الحدود هي التي تقيم الشريعة، وهذا فهم قاصر يختصر الإسلام كله في الحدود. ------------- * ناجح إبراهيم (طبيب جراح مصري، ومفكر وكاتب إسلامي، ويُعَد أحد أبرز القياديين والمنظرين السابقين لـ "الجماعة الإسلامية" في مصر. يُعتبَر المهندس الفكري الأبرز لمبادرة "منع العنف" والمراجعات الفقهية التاريخية للجماعة الإسلامية في أواخر التسعينيات، والتي أدت إلى تخلي الجماعة تماماً عن العمل المسلح، ومراجعة أفكار التكفير والصدام مع الدولة والمجتمع. حالياً، يتفرغ للكتابة الصحفية وإلقاء المحاضرات الفكرية، حيث ينشر مقالات منتظمة في صحف ومواقع كبرى مرتكزاً على تفكيك الفكر المتطرف ونشر قيم التسامح والتعايش وحقن الدماء). |