الدين والسياسة .. علاقة قديمة لا تنتهي أسئلتها


 

 

د. عامر حلواني

موقع الإمام الشيرازي

13/ ربيع الأول/ 1448

 

 

كلما احتدم النقاش حول علاقة الدين بالسياسة، بدا الأمر وكأنه سؤال حديث ولد مع «الإسلام السياسي» أو مع صعود الحركات الدينية في العقود الأخيرة. لكن نظرة إلى الوراء تكشف أن السؤال أقدم من هذه المصطلحات بقرون طويلة، وربما بآلاف السنين. فمن المعابد القديمة إلى قصور الأباطرة، ومن صراعات البابوات والملوك إلى الخلافة والسلطنات، ومن الأحزاب المسيحية الحديثة إلى الصهيونية الدينية والإسلام السياسي، قلّما عاش الدين والسياسة في عالمين منفصلين تمامًا.

الدين والسياسة كان كل منهما يدخل عالم الآخر، يؤثر فيه ويتأثر به، يمنحه أحيانًا شرعية أو بوصلة أخلاقية، ويحمّله أحيانًا أخرى أعباء الصراع على السلطة. ولهذا ربما لا يكون السؤال: هل اختلط الدين بالسياسة؟ فالتاريخ أجاب عن ذلك منذ زمن بعيد.

السؤال الأكثر إثارة هو: ماذا حدث للدين وللسياسة عندما اختلطا؟

قصة أقدم من «الإسلام السياسي»

في كثير من الحضارات القديمة، لم يكن الفصل بين الدين والسلطة مفهومًا واضحًا أصلًا. كان الحاكم يستمد جانبًا من شرعيته من المقدس، وكانت المؤسسة الدينية بدورها جزءًا من البناء الاجتماعي والسياسي. ومع ظهور الديانات التوحيدية الكبرى، تغيرت أشكال العلاقة، لكنها لم تختفِ.

عرف التاريخ اليهودي تداخلًا بين الشريعة والجماعة والسلطة، وفي العصر الحديث ظهرت تيارات سياسية ذات مرجعيات دينية يهودية، من بينها تيارات الصهيونية الدينية.

أما المسيحية، فقد دخلت مرحلة مختلفة حين أصبحت دينًا مركزيًا في الإمبراطورية الرومانية. ثم عرفت أوروبا قرونًا من التعاون والصراع بين الكنيسة والملوك والأباطرة. وفي العصر الحديث لم يختف الدين من السياسة، بل ظهرت الديمقراطية المسيحية واليمين المسيحي والقومية المسيحية وغيرها من التيارات.

وفي التاريخ الإسلامي، كان حضور الدين في المجال العام والسياسي واضحًا منذ وقت مبكر. وتناولت المدونات الفقهية قضايا الحكم والإمامة والقضاء والبيعة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم. لكن تعبير «الإسلام السياسي» نفسه حديث نسبيًا، واكتسب حضوره الواسع خصوصًا مع الحركات الحديثة التي جعلت من الإسلام مرجعية صريحة لمشروع سياسي واجتماعي. وهنا يستحق الأمر التوقف عند فكرة شائعة: الإسلام ليس الدين الوحيد الذي عرف تداخل الدين والسياسة. الظاهرة عرفتها الديانات والمجتمعات الأخرى أيضًا، لكن بأسماء وتجارب ومسارات تاريخية مختلفة.

ماذا يمكن أن يعطي الدين للسياسة؟

من السهل التركيز على مخاطر تداخل الدين والسياسة، لكن الصورة ليست من جانب واحد. فالسياسة، إذا اختُزلت في القوة والمصلحة وحدهما، تواجه مشكلة أخلاقية حقيقية.

عبارة «السياسة فن الممكن» تصف جانبًا مهمًا من الواقع. السياسي يتعامل مع موارد محدودة ومصالح متعارضة وموازين قوى وظروف تتغير باستمرار. وقد يضطر إلى التفاوض والتراجع والتسوية وقبول أقل مما كان يريد. لكن هل كل ما هو ممكن مقبول أخلاقيًا؟ هنا يستطيع الدين، إلى جانب الفلسفة والأخلاق المدنية والثقافة الإنسانية، أن يطرح أسئلة من نوع آخر:

ما العدل؟ ما حدود القوة؟ ماذا ندين للضعيف؟ هل يجوز التضحية بحقوق أقلية من أجل مصلحة الأغلبية؟ وهل النجاح السياسي وحده يكفي لتبرير الوسيلة؟ عبر التاريخ، دفعت القيم الدينية أفرادًا ومؤسسات إلى أعمال التكافل والإغاثة والتعليم والدفاع عن الفقراء ومقاومة أشكال من الظلم والتمييز. كما استطاعت المرجعية الدينية أحيانًا أن تضع حدودًا أخلاقية أمام السلطة .. من هذه الزاوية، قد يمنح الدين السياسة شيئًا تحتاج إليه فعلًا: بوصلة أخلاقية تذكّرها بأن الممكن ليس دائمًا عادلًا، وأن القوة لا تعني بالضرورة الحق. لكن هنا تحديدًا تبدأ المعضلة.

عندما يتحول الموقف السياسي إلى حقيقة مقدسة

السياسة تقوم على الاختلاف والتفاوض والتسوية .. قد يطالب السياسي بمئة، ثم يقبل بستين لأن الواقع لا يسمح بأكثر. وقد يتبنى سياسة اليوم ثم يغيّرها بعد سنوات لأن الظروف تغيرت أو لأن التجربة أثبتت أنها لم تنجح. هذا ليس غريبًا على السياسة؛ بل هو جزء من طبيعتها. أما الدين، بالنسبة إلى المؤمن، فينطلق من حقائق وقيم يُنظر إلى بعضها باعتبارها ثابتة ولا تتغير بتغير موازين القوى.

إذن؛ ماذا يحدث عندما يختلط المستويان (الدين والسياسة)؟

إذا تحول برنامج سياسي محدد إلى «الموقف الديني الصحيح»، يصبح التراجع عنه أصعب. وإذا قُدِّم خيار سياسي باعتباره التعبير الوحيد عن إرادة الله، فقد لا يعود المختلف مجرد منافس سياسي يمكن التفاوض معه، وإنما قد يُنظر إليه باعتباره مخالفًا للدين نفسه. وهنا يرتفع ثمن التسوية. فالتنازل السياسي الذي يُعد طبيعيًا في البرلمان أو المفاوضات قد يتحول، عندما يُكسى بثوب ديني، إلى تنازل عن مبدأ مقدس. وهذا لا يعني أن كل مشاركة دينية في السياسة تقود بالضرورة إلى هذه النتيجة، لكنه يوضح أحد أكثر جوانب العلاقة حساسية: ماذا يحدث عندما تصبح الخيارات البشرية القابلة للصواب والخطأ محاطة بهالة من القداسة؟ ومن يملك حق الكلام باسم الدين؟ ثم يأتي سؤال ربما يكون أصعب من سابقه. إذا قلنا إن السياسة ينبغي أن تسترشد بالدين، فمن الذي يحدد ما يقوله الدين في قضية سياسية بعينها؟

داخل الدين الواحد توجد مدارس ومذاهب واجتهادات وقراءات مختلفة، وقد يختلف علماء الدين أنفسهم حول القضية ذاتها. فإذا قيل إن القانون ينبغي أن يستند إلى مرجعية دينية، يبقى السؤال: أي تفسير لهذه المرجعية؟ ومن يملك الكلمة الأخيرة؟: رجل الدين؟ البرلمان؟ المحكمة؟ الحاكم؟ أم الناخبون؟

المشكلة هنا ليست في الدين ذاته، بل في سلطة التحدث باسمه. فإنه بمجرد أن يصبح تفسير ديني معين أساسًا لقرار ملزم لمجتمع كامل، يتحول السؤال من مجال العقيدة وحدها إلى مجال السلطة أيضًا. لكن السياسة لا تتأثر بالدين فقط… إنها تؤثر فيه. غالبًا ما يدور النقاش حول ما يفعله الدين بالسياسة. لكن التاريخ يدعونا إلى قلب السؤال:

ماذا تفعل السياسة بالدين؟

السياسة عالم السلطة والمنافسة والمصالح والتحالفات والانتصارات والهزائم. وعندما تدخل المؤسسات الدينية عميقًا في هذا العالم، قد تنتقل إليها بعض أمراضه. قد يصبح رجل الدين قريبًا أكثر مما ينبغي من الحاكم. وقد تُستدعى الفتوى أو اللغة الدينية لتبرير قرار اتُّخذ أساسًا لأسباب سياسية. وقد تتبدل بعض المواقف بتبدل التحالفات والخصومات.

عندها يصبح من الصعب أحيانًا على الإنسان العادي أن يعرف أين ينتهي المبدأ الديني وأين تبدأ مصلحة الدولة أو الحزب أو الحاكم. وهكذا تظهر مفارقة لافتة: مثلما يستطيع الدين أن يمنح السياسة شيئًا من رصيده الأخلاقي، تستطيع السياسة أيضًا أن تستهلك شيئًا من الرصيد الأخلاقي للدين. لكن أثر السياسة في الدين قد يكون أعمق من ذلك بكثير.

عندما يعيش الخلاف السياسي أطول من السياسيين

يخبرنا التاريخ أن بعض الصراعات التي كان الحكم والشرعية والسلطة جزءًا مهمًا من بداياتها لم تبقَ مجرد خلافات سياسية. يموت الحاكم، وتسقط الدولة، وتتغير الحدود، لكن الخلاف قد يبقى.

ومع مرور الزمن، تبدأ الجماعات المختلفة في بناء روايتها الخاصة لما حدث. تتشكل ذاكرة جماعية، ويظهر رموز وأبطال ومظلوميات، وتتطور حجج دينية وفكرية، وتنشأ مرجعيات وتفسيرات وممارسات تميز جماعة عن أخرى. وبعد أجيال، قد يصبح ما كان العامل السياسي أحد عناصر بدايته جزءًا من هوية دينية وفكرية واجتماعية متكاملة لها وجودها المستقل.

ومن الضروري هنا الحذر من التبسيط. فليس صحيحًا اختزال نشوء المذاهب والطوائف الدينية في السياسة وحدها. التاريخ الديني أكثر تعقيدًا من ذلك؛ تتداخل فيه العقيدة والفقه والفلسفة والثقافة والجغرافيا والمصالح الاجتماعية والسياسة معًا. لكن اللافت أن الخلاف على السلطة يستطيع أحيانًا أن يطلق سلسلة من التحولات تتجاوز السياسة نفسها. وربما يكون هذا أحد أعمق آثار السياسة في الدين: القرار السياسي قد ينتهي بانتهاء صاحبه، والدولة قد تزول، لكن الانقسام الذي اكتسب مع الزمن هوية دينية وفكرية واجتماعية قد يعيش قرونًا بعد اختفاء الظروف السياسية التي أسهمت في بدايته.

وماذا عن المواطن المختلف؟

تزداد المسألة تعقيدًا عندما ننتقل إلى الدولة الحديثة. فالمواطنون اليوم لا ينتمون بالضرورة إلى دين واحد أو مذهب واحد أو حتى إلى تصور واحد للدين. يعيش المؤمن وغير المؤمن، والمحافظ والليبرالي، وأتباع المذاهب والأديان المختلفة، داخل الدولة نفسها. وهنا يظهر سؤال عملي: كيف تستفيد الدولة من المخزون الأخلاقي والثقافي للدين، من دون أن يشعر المواطن المختلف بأنه أقل مواطنة؟

إذا تحولت عقيدة جماعة واحدة إلى المصدر الحصري للشرعية السياسية، فقد يجد الآخر نفسه مطالبًا بالخضوع لقواعد تستند في شرعيتها النهائية إلى معتقد لا يؤمن به. لكن الاتجاه المعاكس يطرح مشكلة أيضًا .. إذا تعاملت الدولة مع الدين باعتباره شأنًا ينبغي إبعاده تمامًا عن المجال العام، فقد يشعر قطاع واسع من المواطنين بأن أحد أهم مصادر هويتهم وقيمهم قد أُقصي من النقاش السياسي. ولهذا لم تتوصل المجتمعات الحديثة إلى نموذج واحد.

بعض الدول اختارت فصلًا واسعًا بين المؤسسات الدينية والدولة، وبعضها أبقى للدين حضورًا دستوريًا أو رمزيًا، وبعضها حاول الجمع بين مرجعية دينية وآليات ديمقراطية حديثة. لكل تجربة ظروفها، ولكل صيغة نجاحاتها ومشكلاتها.

هل العلمانية تحل المعضلة؟

قد يبدو الحل بسيطًا: نفصل الدين عن السياسة وتنتهي المشكلة. لكن التاريخ الحديث يجعل الإجابة أقل سهولة. فالفصل المؤسسي بين الدين والدولة يستطيع أن يقلل بعض مخاطر استخدام المقدس لتبرير السلطة، لكنه لا يضمن وحده أن تكون السياسة عادلة أو ديمقراطية أو إنسانية. فقد عرف القرن العشرون أنظمة شديدة الاستبداد لم تكن دينية أصلًا. واستطاعت القومية والحزب والزعيم والعرق والأيديولوجيا في بعض التجارب أن تكتسب مكانة تكاد تشبه المقدس: لا يجوز نقدها، ولا التشكيك فيها، ولا الخروج عليها. وهنا ربما نقترب من جوهر المسألة:

فإن التحدي لا يرتبط بالمرجعيات الدينية وحدها، إذ تستطيع السياسة بدورها أن تضفي على بعض الأفكار والقضايا مكانة تجعلها عصية على النقد والمراجعة. فعندما تصبح فكرة ما، دينية كانت أو قومية أو أيديولوجية، فوق النقد والمساءلة، تضيق مساحة الحوار ويصبح احتكار الحقيقة السياسية أكثر احتمالًا.

بين البوصلة والخريطة

ربما يمكن اختصار هذه العلاقة المعقدة بصورة بسيطة. الدين يستطيع أن يكون بوصلة للسياسة. يسألها: هل ما تفعلينه عادل؟ هل يحفظ كرامة الإنسان؟ هل يحمي الضعيف؟ هل توجد حدود لا ينبغي للقوة أن تتجاوزها؟ لكن السياسة تحتاج أيضًا إلى خريطة. تحتاج إلى الاقتصاد والموارد والقانون والخبرة والمؤسسات وموازين القوى والتعدد الاجتماعي والقدرة على التنفيذ.

البوصلة لا تخبرنا وحدها أي طريق عملي نسلك، والخريطة لا تخبرنا وحدها إن كانت الوجهة التي اخترناها تستحق الوصول إليها. ربما تبدأ المشكلة عندما نطلب من البوصلة أن تقوم بوظيفة الخريطة، أو عندما نعتقد أن امتلاك الخريطة يجعلنا في غنى عن البوصلة.

سؤال ربما أهم من الجواب

بعد آلاف السنين من التجربة، لم يستطع الإنسان إنهاء العلاقة بين الدين والسياسة، وربما لم يكن ذلك ممكنًا أصلًا. فالمؤمن لا يترك قيمه عند باب البرلمان، كما أن السياسي لا يعيش خارج ثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه. لذلك ربما لم يعد السؤال الأكثر فائدة: هل ينبغي للدين أن يدخل السياسة أم يخرج منها؟ بل: كيف تستطيع القيم الدينية والأخلاقية أن تسهم في المجال العام من دون أن تحتكر الحقيقة السياسية؟ وكيف تستطيع السياسة أن تستفيد من الدين من دون أن تستخدم المقدس لتبرير السلطة؟ وكيف نحمي الدين نفسه من أن يتحول إلى ساحة أخرى للصراع على الحكم؟

لا يبدو أن التاريخ أعطانا جوابًا نهائيًا. لكنه أعطانا ما يكفي من التجارب لنعرف أن العلاقة بين الدين والسياسة يمكن أن تنتج خيرًا كثيرًا حين تضع الأخلاق حدودًا للقوة، ويمكن أن تصبح خطرة حين تمنح القوة نفسها صفة القداسة. وربما يكون أهم ما تعلمناه من هذه الرحلة الطويلة أن السياسة تحتاج إلى الأخلاق، والدين يحتاج إلى استقلاله الأخلاقي، والمجتمع يحتاج إلى مساحة يبقى فيها الاختلاف ممكنًا من دون أن يتحول المختلف إلى عدو أو خارج عن الجماعة. فإن السلطة، مهما كانت مرجعيتها، تظل عملًا بشريًا قابلًا للصواب والخطأ. وربما تكون أخطر لحظة في علاقة الدين بالسياسة هي اللحظة التي ننسى فيها هذه الحقيقة.

* (كاتب وأكاديمي لبناني)