![]() |
|
العراق .. الحاكمية السياسية الشيعية في مفترق طرق
موقع الإمام الشيرازي 10/ ربيع الأول/ 1448
لم تكن مشاركة شيعة العراق في الحكم بعد عام 2003 مجرد انتقال سياسي عابر، بل مثّلت تحولاً تاريخياً عميقاً في مسار الدولة العراقية. فقد عانى الشيعة، بوصفهم مكوّناً اجتماعياً وسياسياً واسعاً، عقوداً طويلة من التهميش والقمع والإقصاء، وتعرّضوا خلال مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث لسياسات أضعفت حضورهم السياسي وحاصرت قدرتهم على التأثير في القرار العام. لكن التاريخ يضع أمام كل جماعة تصل إلى السلطة امتحاناً مختلفاً عن امتحانها وهي خارجها. في الوقت أن المظلومية قد تفسر الوصول إلى السلطة، لكنها لا تمنح مَنْ يصل إليها حصانة من المساءلة .. وهنا تحديداً تبدأ المشكلة العراقية. من المظلومية إلى المسؤولية أسقطت الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003 نظام صدام، وفتحت الباب أمام إعادة بناء النظام السياسي العراقي على أسس انتخابية ودستورية جديدة. وكانت الولايات المتحدة والدول الغربية صاحبة الدور العسكري والسياسي الحاسم في تلك اللحظة، بينما لم تكن روسيا والصين في موقع الفاعل في عملية التغيير أو إعادة تشكيل النظام العراقي. ومع سقوط النظام، عادت إلى العراق قوى سياسية وعسكرية شيعية كانت قد تشكلت أو نشطت خلال سنوات المعارضة في الخارج، فيما ظهرت لاحقاً تشكيلات مسلحة جديدة اتخذ بعضها من مقاومة الوجود العسكري الأمريكي عنواناً لنشاطه. وهنا بدأ التناقض الأول؛ فـ العراقيون الذين خرجوا من عقود الدكتاتورية والحروب الكبيرة والطويلة والمدمرة، كانوا بحاجة ماسة -أولاً وقبل كل شيء- إلى دولة قوية ذات مؤسسات رصينة، تفرض القانون، وتوفر الأمن والاستقرار، وتعيد بناء الاقتصاد والخدمات، وتسترد للمجتمع نبض الحياة الطبيعية. غير أن نشوء قوى مسلحة تعمل خارج البنية المؤسسية للدولة وتتبنى "مقاومة الاحتلال" -وسرعان ما تحوّل بعضها إلى قوى سياسية ذات نفوذ واسع- بالتوازي مع قيام جماعات مسلحة أخرى بعمليات تصفية وانتقام طالت ضباطاً في الجيش والشرطة وطيارين وكوادر مختلفة في الأسابيع والأشهر الأولى بعد 9 نيسان/أبريل 2003؛ كل ذلك بدّد مناخ الأمان، وزرع الفوضى، وجعل عملية بناء الدولة معقدة ومتعثرة منذ مهدها. والمسألة هنا لا تتعلق بمشروعية توصيف "المقاومة" أو تقييم التموضعات السياسية لقوات التحالف حينها، وإنما تتعلق بسؤال بديهي وأعمق: مَن يملك قرار الحرب والسلم في بلد تتعدد فيه البنادق ولا تخضع لقرار المؤسسات الدستورية؟ إنها مسألة سيادة الدولة واحتكارها الحصري للقوة، وهي القاعدة الذهبية التي لا تستقيم بدونها أي دولة في العالم. وكان من الطبيعي، بعد عقود من الإقصاء، أن ينظر كثير من الشيعة إلى النظام الجديد باعتباره فرصة تاريخية لاستعادة حقوقهم السياسية والمشاركة الفعلية في إدارة البلاد. لكن المشكلة أن النجاح في الوصول إلى السلطة شيء، والنجاح في بناء الدولة شيء آخر تماماً. فإنه بعد 2005 أصبحت القوى السياسية الشيعية صاحبة الثقل الأكبر في البرلمان والحكومة الاتحادية، وتوالى رؤساء الوزراء من القوى الشيعية، وأصبحت لهذه القوى قدرة واسعة على التأثير في مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية والإدارية. وبذلك لم يعد السؤال العراقي المركزي: مَنْ كان مظلوماً في الماضي؟ بل أصبح: ماذا فعل مَنْ أصبح مسؤولاً عن الدولة في الحاضر؟ هذه هي النقطة التي ينبغي أن تنتقل عندها الحركات السياسية الشيعية من منطق المظلومية إلى منطق المسؤولية. فإن السلطة ليست تعويضاً تاريخياً، والدولة ليست جائزة لمن كان أكثر تعرضاً للاضطهاد. وفي سياق ذلك، فإن السلطة مسؤولية، والدولة أمانة عامة، والمواطن لا يُسأل عن الطائفة التي ينتمي إليها عندما يذهب إلى المستشفى، ولا عن مذهبه عندما يبحث عن وظيفة، ولا عن قوميته عندما يطالب بالكهرباء أو الماء أو التعليم أو الأمن. دولة غير مكتملة بعد أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق، لا يستطيع العراقي أن يتجاهل التناقض الصارخ بين حجم الموارد التي دخلت البلاد وبين مستوى ما تحقق من بناء مؤسسات وخدمات واقتصاد منتج. ففي الوقت أن العراق بلد نفطي هائل الإمكانات، لكنه لا يزال شديد الاعتماد على النفط، ويواجه أزمات مزمنة في الإدارة والخدمات والبنية التحتية وفرص العمل. وفي الوقت نفسه، بقي الفساد أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة. وفي مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، حصل العراق على 28 نقطة من 100، وجاء في المرتبة 136 بين 182 دولة .. وهذه الأرقام ليست مجرد ترتيب دولي، فإن خلف كل رقم في تقارير الفساد مستشفى لم يُبنَ، أو مشروع متعثر، أو مدرسة لم تُنجز، أو فرصة عمل ضاعت، أو مال عام لم يصل إلى مستحقيه .. لهذا فإن السؤال عن الفساد ليس سؤالاً أخلاقياً مجرداً؛ إنه سؤال عن الدولة نفسها، وحين يتحول الفساد من سلوك فردي إلى شبكة مصالح تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والإدارة والسلاح، يصبح الخطر أكبر من سرقة المال العام. يصبح الفساد وسيلة لإعادة إنتاج السلطة وحماية مراكز النفوذ. ومن أكثر المفارقات التي ينبغي أن تتوقف عندها القوى السياسية الشيعية أن السلاح الذي يُبرَّر أحياناً باعتباره وسيلة لحماية الدولة قد يتحول، إذا خرج عن القرار المؤسسي للدولة، إلى أحد أخطر أسباب ضعفها. فإن الدولة القوية ليست الدولة التي تملك أكبر عدد من المسلحين، وإنما الدولة القوية هي التي لا ينازعها أحد في قرار استخدام القوة. بالتالي، لا تحتاج القوى السياسية التي تمتلك الأغلبية والتأثير الواسع في البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة إلى قوة مسلحة موازية لتضمن وجودها ونفوذها؛ بل العكس هو الصحيح تماماً. فإنه كلما ترسخت ثقة القوى السياسية بشرعيتها الشعبية والدستورية، تلاشت حاجتها إلى أي سلاح خارج منظومة الدولة؛ إلا إذا كان الغرض الحقيقي من هذا السلاح هو قمع المعارضين والمحتجين خارج إطار القانون -كما تجسد بمرارة في انتفاضة تشرين- أو تسخير البندقية لخدمة مشاريع خارجية عابرة للحدود لا تتفق مع المصلحة الوطنية العليا للعراق. ومن هنا فإن إنهاء ظاهرة السلاح الموازي لا ينبغي أن يُطرَح باعتباره استهدافاً لمكوّن أو مذهب، وإنما باعتباره استكمالاً لمعنى الدولة الحديثة. فإن الدولة التي لا تحتكر قرار السلاح لا تستطيع أن تضمن سيادتها كاملة، والسيادة المجتزأة لا تنتج دولة مستقرة. وفي الجانب الآخر من المشهد، دفع العراق ثمناً هائلاً نتيجة انهيار الأمن وضعف مؤسسات الدولة وتدفق التنظيمات الجهادية العابرة للحدود. القاعدة ثم داعش لم يضربا مكوّناً واحداً، وإن كان الشيعة قد دفعوا ثمناً دموياً هائلاً من جرائم الإرهاب. وفي مراحل مختلفة تعرض السنة والمسيحيون والإيزيديون والتركمان وغيرهم أيضاً إلى القتل والتهجير والتدمير. وهذه الحقيقة مهمة لأنها تذكرنا بأن الدولة الضعيفة لا تحمي طائفة من طائفة؛ بل تجعل الجميع أكثر عرضة للخطر. لقد كانت التجربة العراقية درساً قاسياً في أن انهيار الدولة يفتح المجال أمام قوى متعددة: جماعات إرهابية، وفصائل مسلحة، وشبكات مصالح، وتدخلات إقليمية ودولية. ولهذا فإن الدفاع الحقيقي عن الشيعة، وعن السنة، وعن المسيحيين، وعن الإيزيديين، وعن جميع العراقيين، لا يكون بإدامة منطق الجماعات المسلحة، وإنما ببناء دولة قادرة على حماية الجميع. احتجاج .. من البيئة الشيعية ربما كانت انتفاضة تشرين 2019 أهم رسالة سياسية وجهها المجتمع العراقي إلى الطبقة السياسية منذ 2003. فقد خرج مئات الآلاف من العراقيين، ولا سيما في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، مطالبين بالإصلاح ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل وإنهاء المحاصصة السياسية. وكانت المفارقة الكبرى أن نسبة كبيرة من هؤلاء المتظاهرين خرجت من البيئة الاجتماعية نفسها التي طالما ادعت القوى السياسية الشيعية تمثيلها. لم تكن تشرين ثورة على الشيعة؛ أبداً أبداً! كانت، في جانب أساسي منها، ثورة من داخل المجتمع الشيعي ضد نظام سياسي رأت قطاعات واسعة منه أنه لم يعد يمثل تطلعاتها بل خدعها وخانها وتحايل عليها ونهب ثرواتها .. وهنا تكمن دلالتها التاريخية. فإن الاحتجاج التشريني لم يأت من خصوم خارجيين، ولم يكن مؤامرة مذهبية بسيطة يمكن تفسيرها بشعار واحد؛ بل جاء من شباب عراقيين شعروا بأن النظام الذي جاء بعد 2003 لم يمنحهم الدولة التي وُعدوا بها. وبالرغم من ذلك، كان الرد بالغ القسوة. فقد وثقت مفوضية الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان مقتل مئات المتظاهرين وإصابة آلاف آخرين، كما وثقت استخدام القوات الأمنية وتشكيلات مسلحة مرتبطة بالدولة القوة المفرطة، واستمر لاحقاً انتقاد السلطات بسبب ضعف المساءلة عن الانتهاكات. ولذلك فإن تشرين ليست حادثة انتهت .. إنها سؤال سياسي وأخلاقي ما زال مفتوحاً: كيف يمكن لنظام سياسي أن يطلب ثقة المواطن، وهو لم يحسم بصورة عادلة ومسؤولة ملف دماء مواطنين خرجوا يطالبون بحياة أفضل؟ وهنا ينبغي التفريق بوضوح بين أمرين. الأول: الشيعة العراقيون بوصفهم مكوّناً وطنياً ودينياً واجتماعياً أصيلاً. والثاني: الأحزاب السياسية التي حكمت باسم التمثيل الشيعي. بالتالي، ليس من العدل تحميل الشيعة مسؤولية فساد سياسيين، ولا مسؤولية قرارات أحزاب، ولا أفعال فصائل مسلحة. لكن من المشروع، بل من الضروري، مساءلة القوى السياسية التي تولت السلطة باسم المكوّن الشيعي عن حصيلة تجربتها. وهذا التفريق ضروري حتى لا يتحول النقد السياسي إلى خطاب طائفي. فإن المشكلة ليست أن الشيعة حكموا، بل المشكلة هي أن العراق لم يتحول، بعد انتقال السلطة إليهم، إلى دولة أقوى وأكثر عدلاً وسيادة مما كان عليه. والحل ليس في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولا في استبدال هيمنة طائفية بهيمنة طائفية أخرى. بل الحل هو الانتقال من دولة تمثّل المكوّنات إلى دولة تمثّل المواطنين. حكومة جديدة .. اختبار جديد اليوم يقف العراق أمام مرحلة مختلفة مع حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، التي حصلت على ثقة مجلس النواب في مايو/أيار 2026. وقد أعلنت هذه الحكومة منذ بدايتها مكافحة الفساد، ومراجعة ملفات العقود، واسترداد الأموال، وإنهاء السلاح المنفلت باعتبارها من أولوياتها. وإذا استطاعت هذه الحكومة تحويل هذه الشعارات إلى إجراءات قانونية ومؤسسية مستقلة عن الانتقائية السياسية، فإن ذلك يمكن أن يمثل تحولاً مهماً. لكن الاختبار الحقيقي ليس في عدد المعتقلين، ولا في حجم الضجيج الإعلامي حول ملفات الفساد. الاختبار هو: هل يستطيع القانون الوصول إلى الفاسد مهما كان اسمه وانتماؤه؟ هل تستطيع الدولة استعادة المال العام دون أن يتحول الأمر إلى تصفية حسابات سياسية؟ هل تستطيع الحكومة فرض سلطة المؤسسات على جميع القوى المسلحة؟ هل يستطيع القضاء أن يعمل بعيداً عن الضغط السياسي؟ وهل يمكن أن يتحول العراق من اقتصاد يعيش على توزيع الريع النفطي إلى اقتصاد منتج يوفر فرصاً حقيقية لشبابه؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة المرحلة الجديدة. وهنا نصل إلى قضية أكثر حساسية، لأنها تتعلق بالضمير الأخلاقي للمجتمع لا بالسياسة وحدها. فإنه لا يمكن فصل حب الإمام الحسين (عليه السلام) وضمناً حب أهل البيت (عليهم السلام) عن قيم العدالة والأمانة والكرامة واحترام الحقوق والحريات ورفض الظلم والفساد. ومن المهم هنا التأكيد على أن المشكلة ليست في الشعائر الحسينية أو إحياء ذكرى عاشوراء، أبداً، وهي جزء أصيل من الوجدان الديني والاجتماعي لملايين العراقيين، وهي شعائر إسلامية وأخلاقية وإنسانية غامرة بقيم الخير والصدق والفضيلة والنزاهة والبر والرحمة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرموز الدينية أو الشعائر الحسينية إلى ستار لسلوك يناقض جوهرها. فلا يمكن لمسؤول أن يستعرض ولاءه للحسين الشهيد في مجالس العزاء والمواكب، ثم يمارس في مكتبه أو وزارته أو حزبه سلوكاً ينهب المال العام ويهدر حقوق الناس. في سياق ذلك، لا يمكن أن تكون اليد التي تطبخ الطعام باسم الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام) هي اليد نفسها التي توقّع عقداً فاسداً يحرم مريضاً في مستشفى من دوائه أو يغش في بناء مدرسة أو محطة كهرباء أو جسر أو معمل أو تعبيد وتحسين طرق. ولا يمكن أن يكون السياسي قريباً من المنبر الحسيني في المناسبات، وبعيداً عن قيم العدالة في ممارسة السلطة. بالتالي، فإن المشكلة ليست في أن يطعم السياسي الفقراء؛ المشكلة في أن يتوقف عن سرقة المال الذي يكفي لإطعامهم. سيد الشهداء، الإمام الحسين (عليه السلام)، في الوعي الأخلاقي الذي تركه، ليس بطاقة إعفاء من المساءلة والمحاسبة، والشعيرة لا تمنح الفاسد حصانة، والمشاركة في الشعائر الحسينية المباركة لا تمنع العقوبة عن مسؤول فاسد أو فاشل، والناس لم تعد تقيس صدق السياسي بما يقوله في المناسبات الدينية، وإنما بما تفعله يداه عندما يصبح المال والقرار والسلطة بينهما. إلى دولة المواطن لقد تغير العراق في 2003، وكان تغييراً تاريخياً واستثنائياً؛ ربما لم يحلم به الشيعة. واليوم العراق أمام استحقاق تغيير كبير؛ ولم يعد ممكناً أن تبقى السياسة أسيرة معادلة قديمة تقوم على أن لكل مكوّن حصته، ولكل حزب شبكته، ولكل قوة سلاحها، وأن الفاسد يغطي على الفاسد، والفاشل يبرر للفاشل، ولهذه الدولة أو تلك نفوذها .. فإن هذه الصيغة قد تنتج توازناً مؤقتاً بين القوى، لكنها لا تنتج دولة.. وبكلمة أخرى، الشيعة، قبل غيرهم، أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف معنى حضورهم السياسي. فإن أكبر إنجاز يمكن أن تقدمه القوى السياسية الشيعية للعراق ليس البقاء في السلطة لعقد أو عقدين آخرين، وإنما بناء دولة المواطنة القائمة على مؤسسات دستورية وقانونية رصينة ونزيهة؛ يشعر في ظلها كل عراقي - شيعياً كان أم سنياً، كوردياً، تركمانياً، مسيحياً، صابئياً، أو إيزيدياً - بأنها دولته التي تمثله وتحميه.. دولة عادلة لا يحتاج فيها المواطن إلى حزب لكي يحصل على حقه. ولا يحتاج إلى واسطة لكي يجد وظيفة. ولا يحتاج إلى فصيل مسلح لكي يشعر بالأمان. ولا يحتاج إلى طائفة لكي يحمي نفسه من طائفة أخرى. ولا يحتاج إلى زعيم لكي يحصل على العدالة. هذه هي الدولة التي تستحقها تضحيات العراقيين. مفترق الطرق العراق اليوم ليس أمام سؤال: مَنْ يحكم؟ فهذا السؤال حُسِم سياسياً منذ سنوات. السؤال الحقيقي هو: كيف يحكم مَنْ يحكم؟ ولمَنْ يحكم؟ وبأي مشروع؟ لقد حصلت القوى السياسية الشيعية على فرصة تاريخية بعد 2003، وكان يمكن أن تتحول هذه الفرصة الاستثنائية إلى مشروع دولة يطوي صفحات الماضي، ويثبت أن الانتقال من المظلومية إلى السلطة يمكن أن ينتج عدالة لا مظلومية جديدة، ومواطنة لا محاصصة، وسيادة لا تبعية، ودولة لا شبكات نفوذ. لكن الفرصة لم تعد مفتوحة إلى الأبد، والتحولات الإقليمية والدولية تضغط على العراق لإعادة تعريف علاقاته وسلاحه واقتصاده ومؤسساته وسيادته. كما أن الحكومة الجديدة نفسها تطرح، وفق خطابها المعلن، ملفات مكافحة الفساد وفرض سلطة الدولة وإعادة بناء العلاقة مع الولايات المتحدة على أساس الشراكة الاقتصادية والسياسية. فإن من مظاهر اختلال مفهوم الدولة الارتباك في إدارة علاقات العراق الخارجية؛ إذ شهدت السنوات الماضية مواقف سياسية اتسم بعضها بالاستفزاز أو الاستعداء تجاه هذه الدولة أو تلك، ثم جرى تبريرها بخطابات المؤامرة والتهديدات والمآرب الخفية. كل ذلك من دون أن يعرف المواطن أين تنتهي مصلحة العراق وأين تبدأ حسابات الآخرين، ففي بعض الملفات، بدت مصلحة العراق وكأنها تأتي بعد اعتبارات تتصل بتوازنات إقليمية وحسابات خارجية. إذ ليس المطلوب من العراق أن يعادي دولة أو يتحالف مع أخرى؛ المطلوب ببساطة أن يعرف السياسي - الشيعي على وجد الخصوص - أين تبدأ مصلحة العراق وأين تنتهي مصالح الآخرين. في الوقت أن الصداقة مع دولة ليست خيانة، والاختلاف معها ليس بطولة؛ المعيار الوحيد هو: هل يخدم الموقف العراق أم يخدم حسابات تتجاوز العراق؟ وعلى هذا النحو، فإن المشكلة لا تكمن في هوية الحكم ولا في حكم القوى الشيعية بذاته، بل في تحويل مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات وغنائم شخصية وحزبية؛ إذ عجزت التجربة السياسية الشيعية عن تقديم إدارة كفؤة أو بناء حكومات تخدم الناس، وغرقت في فساد غير مسبوق شلّ مفاصل البلاد، وتسبب بمعاناة وخسائر جسيمة للعراقيين. بناءً على ذلك، فإن الخروج من هذا النفق المظلم لن يتحقق بالارتداد إلى صيغ الماضي البائدة، ولا باستبدال احتكار طائفي بآخر، بل بالانتقال الجذري والواعي من "دولة المكونات والغنائم" -التي شرعنت الفساد والإفلات من العقاب وحمت السلاح المنفلت- إلى "دولة المؤسسات والقانون والمواطنة"؛ الدولة التي تُخضِع الجميع للمساءلة، وتقصي الفاشل، وتصون الوظيفة العامة، وتحمي مقدرات الشعب وكرامة الوطن. وهنا ينبغي أن تكون الرسالة واضحة إلى النخب السياسية الشيعية، قبل غيرها: إن حماية التجربة السياسية الشيعية لا تكون بحماية كل سياسي شيعي، ولا بحماية كل فصيل مسلح، ولا بتبرير كل فساد باسم الخوف من عودة الماضي، وإنما حمايتها تكون ببناء دولة .. دولة لا يخاف فيها المواطن من السلطة، ولا تخاف فيها السلطة من القانون .. دولة يكون فيها السلاح للدولة، والمال للشعب، والقضاء للقانون، والسلطة للمواطنين. وهكذا؛ إذا نجحت القوى السياسية الشيعية في الانتقال من منطق «حكم المكوّن» إلى منطق «حكم الدولة»، فإنها لا تحمي موقعها السياسي فحسب، بل تقدم للعراق كله فرصة تاريخية للخروج من دائرة الأزمات. أما إذا بقيت أسيرة المحاصصة والفساد والسلاح الموازي والتبعية، فإن الخطر الحقيقي لن يكون فقط فقدان السلطة. فإن الخطر أن تضيع معها فرصة العراق في بناء الدولة .. هذه الفرصة، مهما بدت واسعة، ليست بلا نهاية. فإما أن يتحول العراق ما بعد 2003 إلى بداية دولة المواطنة والسيادة والعدالة والحرية والسلام والرفاه، أو يبقى مجرد انتقال تاريخي من سلطة إلى سلطة، بينما يظل العراق، ومواطنوه، هم الخاسر الأكبر. |