![]() |
|
|
حين يتحول الخير العام إلى إرث عائلي .. مَنْ يحمي المؤسسات الخيرية من الخصخصة العائلية؟
موقع الإمام الشيرازي 5/ ربيع الأول/ 1448
تبدأ المؤسسة الخيرية غالباً بفكرة نبيلة، ومؤسس متحمس، ثم تبرعات الناس وثقتهم. تكبر المؤسسة، وتمتلك العقارات والتجهيزات والأموال، وتتحول إلى مدرسة أو مستشفى أو دار رعاية أو مشروع اجتماعي. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه بعد عشرين أو ثلاثين عاماً هو: لمن أصبحت هذه المؤسسة الخيرية؟ هل بقيت للمجتمع الذي تبرع لإنشائها، أم تحولت تدريجياً إلى مؤسسة عائلية يتعاقب على إدارتها الزوج أو الزوجة، ثم الأبناء والأصهار والأحفاد؟ المؤسس يستحق كل التقدير، لكنه ليس مالكاً للمال الخيري. فمن طلب من الناس التبرع لمستشفى أو مدرسة أو دار أيتام، تلقى أموالهم لتحقيق غاية محددة، لا لإنشاء ملكية عائلية تنتقل إلى ذريته. ولا تكمن المشكلة في أن يعمل ابن المؤسس أو أحد أقاربه في المؤسسة إذا كان كفوءاً، بل في أن تصبح القرابة بديلاً من الكفاءة، والوراثة بديلاً من الانتخاب، والولاء بديلاً من المحاسبة. مجالس إدارة تحكم… وأخرى لا تحل ولا تربط الأخطر أن العائلية قد تختبئ خلف واجهة مؤسساتية سليمة ظاهرياً. فهناك مجلس إدارة وانتخابات وهيئة عامة ومحاضر جلسات، لكن السلطة الحقيقية تبقى بيد شخص أو عائلة. يجري أحياناً اختيار أعضاء مجلس إدارة من أشخاص محترمين لكن «مضموني الجانب»: لا يسألون، لا يعترضون، لا يطلبون الحسابات، ولا يناقشون التوظيف والعقود والرواتب. يحضرون ويصوتون ويوقعون، فتكتسب القرارات الفردية غطاءً جماعياً. في الوقت أن مجلس الإدارة الذي لا يستطيع مساءلة الإدارة ليس هيئة رقابة حقيقية، مهما كانت الأسماء التي يضمها. وينطبق الأمر نفسه على الانتخابات. فقد تكون الانتخابات سليمة شكلاً، لكن نتيجتها معروفة سلفاً لأن الهيئة العامة نفسها محدودة ومغلقة على دائرة من الأقارب والأصدقاء والموالين، بينما يصعب على المستقلين الانتساب أو التأثير. عندها لا تكون المشكلة في صندوق الاقتراع، بل في من اختار الأشخاص الذين يحق لهم الاقتراع أصلاً. فإذا ساهم آلاف المتبرعين في إنشاء مؤسسة للمجتمع، كيف يصبح تقرير مستقبلها محصوراً بعد سنوات في هيئة عامة من بضعة أشخاص يضمن بعضهم بعضاً؟ من يراقب في لبنان؟ في لبنان يجب التمييز بين الجمعية الخيرية العادية وبين المؤسسة الحاصلة قانوناً على صفة «المنفعة العامة». فإن وزارة الداخلية والبلديات هي المرجع في إجراءات العلم والخبر للجمعيات، بينما أناط القانون بوزارة الشؤون الاجتماعية، ضمن صلاحياتها، اقتراح منح المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الخيرية صفة المنفعة العامة والسهر على التزامها بها. كما تنشر وزارة الشؤون الاجتماعية لائحة المؤسسات الحاصلة على هذه الصفة، ما يؤكد أن «المنفعة العامة» صفة قانونية خاصة، وليست مجرد تسمية تختارها المؤسسة لنفسها. لكن وجود النصوص لا يكفي. المطلوب رقابة فعلية على الحوكمة، وتضارب المصالح، واستمرار المؤسسة في خدمة الغاية التي جمعت الأموال باسمها. والسؤال هنا: إذا جُمِع المال باسم الدين... فأين الدين عند المحاسبة؟ يكتسب هذا السؤال أهمية أكبر لأن مؤسسات خيرية كثيرة نشأت في بيئات إسلامية أو مسيحية، واستندت في جمع التبرعات إلى قيم الصدقة والزكاة والوقف والمحبة والرحمة وخدمة المحتاج. وهنا يبرز سؤال آخر: إذا حضر الدين عند طلب التبرع، فهل يجوز أن يغيب عند فتح الحسابات؟ في الإسلام، المال الخيري أمانة: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها». والأمانة لا تقتصر على عدم سرقة المال، بل تشمل عدم تحويل النفوذ إلى امتياز شخصي أو عائلي، وعدم توظيف الأقارب على حساب الأكفأ، وعدم التعامل مع المؤسسة كأنها ميراث. وفي المسيحية أيضاً ترتبط إدارة المال المخصص للخير بمبادئ الأمانة والعدالة وحسن إدارة ما وُضع في خدمة الجماعة. والقانون الكنسي الكاثوليكي، بالنسبة إلى الأموال والمؤسسات الخاضعة له، يضع قواعد لإدارة الأموال الكنسية ورقابتها، ولا يعتبرها أملاكاً شخصية لمن يتولى إدارتها. لكن يجب التمييز بين مؤسسة دينية أو وقف خاضع قانوناً لمرجعية دينية وبين جمعية مستقلة ذات توجه إسلامي أو مسيحي. فالمرجعية الدينية لا تملك تلقائياً سلطة قانونية على كل جمعية ترفع شعاراً دينياً. أما إذا كانت المؤسسة وقفاً تابعاً لمرجعية دينية أو جزءاً من بنيتها، فتصبح مسؤولية الرقابة أكثر مباشرة وفق النظام الذي يحكمها. وفي البيئة الإسلامية اللبنانية توجد أطر قانونية ومؤسساتية خاصة بإدارة الأوقاف، ومنها ما يتعلق بالأوقاف السنية والشيعية. لكن حتى عندما لا توجد سلطة قانونية مباشرة، تبقى المسؤولية الأخلاقية قائمة: فلا ينبغي لمرجعية دينية أن تمنح اسمها أو رعايتها أو منابرها لمؤسسة تجمع تبرعات الناس باسم الدين، ثم تعتبر طريقة إدارة تلك الأموال شأناً لا يعنيها. فالبركة المعنوية يجب ألا تُمنح بلا مساءلة. ما المطلوب؟ الحل ليس في التضييق على العمل الخيري الذي يجري ضمن المؤسسات الخيرية، بل في حمايته من التحول إلى ملكية خاصة. ومن أهم الإصلاحات: * منع سيطرة عائلة واحدة على أغلبية مجلس الإدارة، والإفصاح عن صلات القرابة. * فتح الهيئات العامة وفق شروط موضوعية ومنع تحويلها إلى نوادٍ مغلقة. * إجراء انتخابات فعلية مع تحديد مدد الرئاسة والعضوية. * فرض أعضاء مستقلين ولجان مستقلة للتدقيق والحوكمة. * نشر الحسابات السنوية ومصادر التمويل وأوجه الإنفاق والعقود مع الأطراف المرتبطة. * إخضاع المؤسسات الكبرى لتدقيق مالي خارجي مستقل. * اعتماد معايير معلنة للتوظيف، وخصوصاً للمناصب القيادية. * إلزام المؤسسات التي تستخدم رعاية مرجعية دينية بمعايير شفافية واضحة، إلى جانب رقابة الدولة كل بحسب اختصاصه. الخير العام لا يُورَث الاختبار الحقيقي لأي مؤسسة ليس نجاحها في حياة مؤسسها، بل قدرتها على الاستمرار بعده. بالتأكيد، نحفظ للمؤسس فضله واسمه وتاريخه، لكن المؤسسة التي قامت بتبرعات الناس يجب أن تصبح أكبر منه ومن أسرته. فالمدرسة الخيرية ليست ملكاً لأولاد مديرها، والمستشفى ليس إرثاً لأحفاد مؤسسه، والوقف ليس ملكاً لمن يتولى إدارته. فإن مَنْ أسس مشروعاً خيرياً فقد وهبه للمجتمع، لا لعائلته، وإذا أردنا استدامة هذه المؤسسات، فعلينا الانتقال من مفهوم «صاحب المؤسسة» إلى مفهوم «أمين المؤسسة». فالأشخاص يتغيرون، والعائلات تتعاقب، أما الأمانة فيجب أن تبقى. في الوقت أن المال الخيري أمانة، والأمانة لا تُورث. مَنْ يجب أن يتحرك؟ يبقى السؤال الأهم: من عليه أن يبادر إلى تصحيح هذا الخلل؟ لا يجوز ترك الأمر لحسن نية إدارات المؤسسات نفسها، لأن الجهة المستفيدة من الوضع القائم نادراً ما تبادر إلى تغيير القواعد التي تضمن استمرارها. المبادرة الأولى تقع على الدولة .. على مجلس النواب تحديث التشريعات بما يفرض قواعد واضحة للحوكمة وتضارب المصالح وشفافية الحسابات وتداول المسؤولية في المؤسسات التي تجمع أموال الجمهور أو تتمتع بصفة المنفعة العامة أو تستفيد من المال العام والامتيازات. أما ما يمكن تنظيمه ضمن القوانين النافذة، فعلى مجلس الوزراء والوزارات المختصة المبادرة إليه من دون انتظار قانون جديد. ولوزارة الشؤون الاجتماعية مسؤولية خاصة، إذ أناط بها القانون اقتراح منح المؤسسات والجمعيات الخيرية صفة المنفعة العامة و«السهر على التزامها بها». وهذا يبرر المطالبة بأن تصبح الحوكمة والشفافية واستمرار الهدف الخيري جزءاً أساسياً من تقييم هذه المؤسسات ومراقبتها. كما أن لوزارة الداخلية والبلديات دوراً أساسياً بحكم ارتباط تسجيل الجمعيات والعلم والخبر بها، فيما يخضع نظام مؤسسات المنفعة العامة لإطار قانوني خاص يتضمن هيئة للرقابة. لكن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها .. المرجعيات الدينية مطالبة بفرض معايير صارمة على المؤسسات التابعة لها أو التي تستخدم رعايتها واسمها لجمع التبرعات. والمانحون والمحسنون يستطيعون بدورهم إحداث تغيير كبير إذا اشترطوا قبل التمويل حسابات مدققة، ومجالس إدارة مستقلة، وإفصاحاً عن تضارب المصالح. أما المسؤولية الأولى من داخل المؤسسة فتقع على أعضاء الهيئة العامة ومجلس الإدارة أنفسهم. فإن العضوية في المؤسسات الخيرية ليست وجاهة اجتماعية ولا توقيعاً على المحاضر، وإنما أمانة ومسؤولية ومساءلة. ويمكن اختصار الإصلاح في قاعدة بسيطة: لا مال عام أو تبرعات عامة أو صفة منفعة عامة أو رعاية دينية من دون شفافية وحوكمة ومحاسبة. لذلك المطلوب ليس جهازاً رقابياً جديداً بالضرورة، بقدر ما هو قرار سياسي وتشريعي ورقابي يجعل الامتيازات مشروطة: من يريد ثقة الناس وتبرعاتهم وإعفاءاتهم ورعاية المرجعيات، عليه أن يقبل في المقابل أن يفتح حساباته، ويمنع تضارب المصالح، ويجدد إدارته، ويثبت أن المؤسسة لا تزال ملكاً لرسالتها لا لعائلة تديرها. |