العراق.. سؤال الدولة والإنسان | كم إنساناً دمّر هذا الفساد؟


ليس كل فساد يقاس بما سُرِقَ مِنْ خزائن الدولة، بل بما سُرِقَ من أعمار الناس، فكل دينار أو دولار ضاع كان فرحة طفل، وفرصةَ شاب، وطمأنينةَ متقاعد، وأملَ أسرة، وكرامةَ شعب. والسؤال هنا: إذا كانت المسروقات من خزائن الدولة قابلة للاسترداد، فكيف تُسْتَرَد أعمار العراقيين المنهوبة وأحلامهم المهدورة؟!

 

موقع الإمام الشيرازي

13 / صفر / 1448

 

 

حين يتم الكشَف عن ملايين الدولارات المدفونة، أو سبائك الذهب المخبأة، أو شبكات غسل الأموال والاختلاس، ينشغل الناس عادة بحجم المسروقات: كم مليار؟ وأين أُُخفي؟ ومَنْ تورّط؟ لكن السؤال الأجدر بالطرح ليس "كم سُرق؟"، بل "كم إنساناً دمّر هذا الفساد؟". فالمال العام حين يُنهَب، لا يُسرَق من خزينة الدولة فحسب، بل يُسرَق من حياة الناس أنفسهم.

كل مليار دينار أو دولار أُهدر كان بالإمكان أن يتحول إلى مستشفى ينقذ أطفالاً ينتظرون دواء السرطان، أو مدرسة تليق بكرامة التلاميذ، أو طريق لا يحصد الأرواح كل يوم، أو محطة كهرباء تقي العراقيين لهيب صيف تتجاوز حرارته خمسين درجة مئوية. هذه ليست مبالغات بلاغية، بل ترجمة مباشرة لما كان يمكن أن يتحقق لو أن المال العام سار في مساره الطبيعي.

والمفارقة أن العراق يمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم، ومع ذلك لا يزال ملايين العراقيين فيه يعيشون تحت وطأة الفقر والحرمان ومتخلف أنواع الأزمات. في الوقت، تشير تقارير الفقر متعدد الأبعاد الصادرة عن وزارة التخطيط العراقية إلى أن نحو سبعة عشر مليون عراقي يعانون أشكالاً متداخلة من الحرمان في الصحة والتعليم والعمل ومستوى المعيشة. هؤلاء ليسوا أرقاماً في جداول الإحصاء، بل بشر سُرِقَتْ منهم فرص الحياة قبل أن تُسرَق الأموال من الخزينة.

في السياق، ليس الأطفال وحدهم مَنْ دفعوا الثمن؛

فإن المتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة الدولة يجد نفسه اليوم عاجزاً عن تأمين حياة كريمة.

وكبير السن يقضي شيخوخته في القلق بدلاً من الطمأنينة.

والشاب يبحث عن عمل في بلد يطفو على بحر من النفط دون أن يجد فرصته فيه.

والمريض ينتظر علاجاً قد لا يجده أبداً.

واليتيم يكبر في وطن يفيض بالخيرات، لكنه يعجز عن احتضان أضعف أبنائه.

هذه ليست نتائج جانبية عابرة للفساد، بل هي صورته الحقيقية غير المُجمَّلة.

والأشد إيلاماً في هذا المشهد أن معظم القوى التي حكمت العراق بعد عام 2003 لم تقدّم نفسها بوصفها أحزاباً سياسية فحسب، بل قدّمت نفسها بوصفها مشروعاً دينياً وأخلاقياً في آن واحد. رفعت شعارات العدالة، وتحدثت باسم المظلومية التاريخية، واستحضرت سيرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بوصفها مرجعية أخلاقية لحكمها، حتى أصبح الحضور الديني ملازماً لكل تفاصيل المجال العام؛ في المناسبات، والعطل الرسمية، والفضائيات، والخطاب السياسي، وصور رجال الدين التي تملأ جدران المدن. ومع ذلك، لم تصبح الدولة أكثر عدلاً، ولا المواطن أكثر أمناً، ولا الفقير أقل فقراً.

بل إن المفارقة العراقية تكاد تكون من أكثر مفارقات العصر قسوة: حضور ديني كثيف في المجال العام، يقابله انهيار مستمر في مؤسسات الدولة، وتراجع متواصل في الخدمات، واستمرار لمعدلات مرتفعة من الفساد والفقر في آن معاً. إنها مفارقة غريبة، وتناقض مستفز لا يكف عن إثارة الأسئلة.

ولا تكمن قسوة هذه التجربة في حجم الأموال المهدورة وحده، بل في الطريقة التي جرى بها التعامل مع شعب كامل على مدى عقدين من الزمن. فإنه من الصعب على العقل أن يستوعب كيف لطبقة سياسية أن ترى أطفالاً بلا دواء، ومستشفيات عاجزة عن أداء وظيفتها، ومدارس متهالكة، وملايين من الفقراء، ثم تستمر رغم ذلك كله في نهب الثروة العامة بلا أدنى اكتراث. عند هذه النقطة، لا يعود الحديث حديثاً عن مخالفة قانونية بحتة، بل يتحول إلى حديث عن انهيار أخلاقي عميق، وعن ضمير جماعي فقد قدرته على الإحساس بمعاناة الإنسان.

ولهذا، لم يعد الفساد في العراق مجرد ملف مالي أو قضية جنائية تُحال إلى القضاء، بل تحول إلى اعتداء منظم على الإنسان نفسه بكل ما يحمله من معنى. لقد سرق أعمار الناس، وأحلامهم، وصحتهم، وتعليمهم، وثقتهم بدولتهم، وبدد زمناً لا يمكن لأي تعويض مادي أن يستعيده. فإن المال قد يُعوَّض يوماً ما، أما الطفل الذي مات لغياب العلاج، أو الشاب الذي ضاعت سنوات عمره في البطالة، أو الأسرة التي أنهكها الفقر، أو الشيخ الذي قضى شيخوخته في الحاجة والعوز، فهذه خسائر لا يعوضها أي حساب مصرفي مهما بلغ رصيده.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح بعد أكثر من عقدين من حكم الأحزاب الإسلامية، الشيعية منها على وجه الخصوص، سؤالاً قد يختلف العراقيون في الإجابة عليه تبعاً لمواقفهم ومصالحهم، لكنهم يكادون يتفقون جميعاً على حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: أن أكبر ضحايا هذه المرحلة لم تكن خزينة الدولة وحدها، بل كان الإنسان العراقي بكل تفاصيل حياته اليومية.

وفي هذا السياق، يبقى هناك سؤال آخر أكثر إيلاماً يلاحق هذه المرحلة ولا يفارقها:

لماذا سعت الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد عام 2003 إلى إضعاف الدولة، في وقت يملك فيه العراق كل مقومات القوة والنهوض؟

ولماذا تُرِك ملايين العراقيين يغرقون في الفقر والمرض والبطالة، بينما كانت عائدات النفط تكبر عاماً بعد عام دون انقطاع؟

وأين ذهبت تلك الثروات التي كان يُفتَرَض أن تبني وطناً بأكمله، فإذا بها تتحول إلى قصور وحسابات ومصالح شخصية تعود لأحزاب وجماعات مسلحة؟

ثم يبقى السؤال الأخطر من بين كل هذه الأسئلة:

هل كان ما جرى منذ 2003 مجرد فساد بلغ مستويات غير مسبوقة في تاريخ البلاد؟ أم أن الفساد نفسه تحول، عن قصد أو عن تراكم مصالح، إلى أداة ممنهجة لإبقاء الدولة ضعيفة، وإبقاء المجتمع محتاجاً وتابعاً، بحيث تغدو الثروة العامة حبيسة في قبضة قلة تحتكر السلطة والمال، لترسيخ النفوذ والسيطرة لا لبناء الوطن وتنميته، ولتحقيق مآرب أخرى أبعد من مجرد الكسب المادي؟

هذا السؤال الموجع لا يستطيع كاتب واحد ولا مقال واحد أن يقدم له إجابة نهائية وحاسمة، بل سيظل هذا السؤال الموجع سيظل مطروحاً، ومفتوحاً، في وجدان العراقيين، وذاكرة السياسة، وأمام محكمة التاريخ، وما دامت العلاقة بين الدولة والإنسان في العراق لم تُحسم بعد.