![]() |
|
العراق.. سؤال الدولة والإنسان | من الفساد الى توهين الدولة واستنزاف الإنسان ليس كل فساد يقاس بما سُرِقَ مِنْ خزائن الدولة، بل بما سُرِقَ من أعمار الناس، فكل دينار أو دولار ضاع كان فرحة طفل، وفرصةَ شاب، وطمأنينةَ متقاعد، وأملَ أسرة، وكرامةَ شعب. والسؤال هنا: إذا كانت المسروقات من خزائن الدولة قابلة للاسترداد، فكيف تُستَرَد أعمار العراقيين المنهوبة وأحلامهم المهدورة؟!
موقع الإمام الشيرازي 11 / صفر / 1448
إزاء ما تمخض حتى اليوم عن الحملة الموسعة لمكافحة الفساد وحماية المال العام التي شرعت بها الحكومة العراقية؛ برئاسة علي الزيدي، من أرقام صادمة وحقائق مروعة عن هدر المال العام وسوء الإدارة والفساد المالي والسياسي، في الحكومات العراقية بعد 2003، لم يعد الفساد في العراق مجرد تجاوزات مالية أو جرائم اختلاس يمكن قياسها بحجم الأموال المنهوبة، بل أصبح ظاهرة بنيوية أعادت تشكيل الدولة والاقتصاد والمجتمع. بكلمة أخرى، الفساد في العراق منظومة منعت - وما زالت تمنع - قيام دولة مؤسسات حقيقية، وحطمت الاقتصاد، وحرمت المواطن من أبسط حقوقه في الكهرباء، والعلاج، والتعليم، والعمل الكريم؛ حتى أغرقت ملايين العراقيين في دوامة الفقر والحرمان. وما تكشفه بين الحين والآخر الأجهزة الرقابية والأمنية من ضبط ملايين الدولارات المخبأة بطرق غير مألوفة، أو كميات كبيرة من الذهب والأموال المهربة، لا يمثل سوى الجزء الظاهر من منظومة أكثر تعقيداً، نشأت وترسخت خلال أكثر من عقدين. وعلى هذا النحو، المشكلة الحقيقية ليست في الأموال المسروقة وحدها، وإنما في الأثر الوجودي الذي تركه هذا الفساد على حياة العراقيين. فكل دولار أُهدر كان يعني مدرسة لم تُبْنَ، أو مستشفى لم يُجَّهَز، أو طريقاً لم يُصَنْ، أو مشروعاً إنتاجياً لم يرَ النور. وهكذا تحول الفساد من اعتداء على المال العام إلى عملية استنزاف مستمرة لقدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية. ومنذ عام 2003، دخلت إلى العراق عائدات نفطية هائلة تجاوزت، عبر الموازنات السنوية والإيرادات المتراكمة، مئات المليارات من الدولارات. وكان يفترض أن تضع هذه الموارد العراق في مصاف الدول ذات البنية التحتية المتطورة والخدمات الحديثة والرفاهية العالية للشعب. غير أن المؤشرات اليومية تكشف مفارقة صادمة؛ فبلد يُعَد من أكبر الدول النفطية في العالم ما يزال يعاني أزمات مزمنة في الكهرباء، والصحة، والتعليم، والإسكان، والنقل، والمياه، وفرص العمل. هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها بقلة الموارد، بل بطريقة إدارتها، وبمنظومة سياسية واقتصادية جعلت من الفساد جزءاً من آلية الحكم، لا مجرد خلل عارض. بلد نفطي يعيش في الظلام لعل قطاع الطاقة يجسد أكثر صور المفارقة إيلاماً. فالعراق يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، وينتج ملايين البراميل يومياً، كما يملك ثروات كبيرة من الغاز الطبيعي المصاحب. ومع ذلك، لا يزال يعتمد على استيراد الغاز لتشغيل جزء مهم من محطات الكهرباء، في الوقت الذي يُحرَق فيه جزء كبير من الغاز المصاحب في الحقول النفطية، بما يحمله ذلك من خسائر اقتصادية وأضرار بيئية جسيمة. وفي الوقت نفسه، تستمر أزمة الكهرباء عاماً بعد آخر، حتى أصبحت هذه الأزمة القاتلة جزءاً من الحياة اليومية للعراقيين، ولا سيما في أشهر الصيف التي تتجاوز فيها درجات الحرارة خمسين درجة مئوية في عدد من المحافظات. ورغم تخصيص عشرات المليارات من الدولارات لهذا القطاع خلال السنوات الماضية، بقيت ساعات التجهيز محدودة، بينما توسعت سوق المولدات الأهلية لتصبح اقتصاداً موازياً يدر أرباحاً كبيرة، في ظل اتهامات متكررة بوجود مصالح سياسية واقتصادية (داخلية/خارجية) تستفيد من بقاء الأزمة دون حل جذري. المال المنهوب يتحول إلى معاناة يومية لم يبق الفساد رقماً في تقارير الرقابة المالية، بل أصبح واقعاً يعيشه المواطن في تفاصيل حياته. فـ القطاع الصحي يعاني نقصاً مستمراً في الأبنية والتجهيزات والأدوية والكوادر، الأمر الذي يدفع كثيراً من المرضى إلى اللجوء إلى المستشفيات الأهلية أو السفر للعلاج خارج البلاد إذا سمحت ظروفهم المالية، بينما يظل الفقراء أسرى الإمكانات المحدودة. وفي التعليم، ما يزال العراق يواجه عجزاً كبيراً في الأبنية المدرسية والتجهيزات المدرسية كالكتب والقرطاسية، رغم دستورية حق التعليم مجانا لكل العراقيين، الأمر الذي فرض استمرار الدوام الثنائي والثلاثي في آلاف المدارس، فضلاً عن وجود مدارس طينية أو متهالكة في بعض المناطق، وهي صورة يصعب التوفيق بينها وبين حجم الموارد المالية التي امتلكتها الدولة طوال العقدين الماضيين. أما شبكة الطرق، فقد أصبحت شاهداً آخر على تداعيات الفساد على حياة العراقيين. فتهالك البنية التحتية وغياب الصيانة والتطوير أسهما في ارتفاع معدلات الحوادث المرورية، حتى باتت بعض الطرق تُعرَف شعبياً بـ"طرق الموت"، في إشارة إلى العدد الكبير من الأرواح التي تُفقَد عليها سنوياً. اقتصاد الاستيراد لم يقتصر أثر الفساد على الخدمات، بل امتد إلى بنية الاقتصاد نفسه. فـ العراق الذي كان يمتلك قاعدة صناعية وزراعية مهمة قبل عقود، تحول تدريجياً إلى سوق استهلاكية تعتمد على الاستيراد في معظم احتياجاتها، من المواد الغذائية إلى المنتجات الصناعية. وقد أسهمت عوامل متعددة في هذا التحول، منها الإهمال المزمن للقطاعين الزراعي والصناعي، وضعف الحماية للمنتج المحلي، وتراجع الاستثمار الحقيقي، إضافة إلى مشكلات المياه والطاقة والإدارة. وفي المقابل، تضخم نشاط الاستيراد بصورة غير مسبوقة، وارتبطت به ملفات واسعة تتعلق بتهريب العملة، والفواتير الوهمية، والمبالغة في قيم البضائع المستوردة، وهي قضايا تناولتها جهات رقابية عراقية وتقارير رسمية في مناسبات مختلفة. وبذلك أصبح الاقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، ويصدر النفط ليستورد معظم احتياجاته، وهو نموذج يزيد هشاشة الدولة ويعمق تبعيتها للأسواق الخارجية. سياسة بلا أخلاق وراء كل هذه المؤشرات تقف قضية أخلاقية لا تقل أهمية عن الجانب الاقتصادي. فليس من السهل تفسير قبول مسؤول أو سياسي بأن يعيش ملايين المواطنين بلا خدمات أساسية، بينما تُهدَر ثروات بلدهم عاماً بعد عام، إلا إذا غابت المسؤولية الأخلاقية عن ممارسة السلطة. في السياق، يزعم معظم السياسيين والحكوميين العراقيين أنهم متدينون، ويعربون عن حبهم للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ويحثون الناس على التمسك بقيم الدين، في الوقت إن التدين الحقيقي لا يقاس بكثرة الشعارات أو المظاهر أو الخطابات، وإنما بحفظ حقوق الناس وصيانة المال العام وتحقيق العدالة. أما حين يتحول الدين إلى غطاء سياسي، بينما تُنهَب الثروات ويُترَك المواطن يواجه الفقر والمرض والبطالة وانقطاع الكهرباء، فإن المشكلة لا تعود في نقص الموارد، بل في تشوه التدين وغياب الضمير وتلوث القيم. وأقسى ما في التجربة العراقية أن الضحية ليس رقماً في الموازنة، بل إنسان .. طفل يدرس في صف مكتظ أو مدرسة متهالكة، ومريض ينتظر علاجاً لا يجده، وشاب يبحث عن فرصة عمل في بلد يمتلك من الثروات ما يكفي لتوفير حياة كريمة لأبنائه، وأسرة تقضي ليالي الصيف القاسية بلا كهرباء، بينما يقف بلدها بين أغنى الدول النفطية في العالم. الفساد لأكثر من الفساد إن اختزال مكافحة الفساد في استرداد الأموال أو اعتقال بعض المتهمين، رغم أهميته، لا يكفي لمعالجة أصل المشكلة. فإن الفساد في العراق أصبح، في جانب منه، منظومة تنتج نفسها عبر شبكات المصالح، والاقتصاد الريعي، وضعف المؤسسات، وتغليب الولاءات الحزبية على معايير الكفاءة وسيادة القانون. ولذلك، فإن النجاح الحقيقي في مواجهة الفساد يبدأ بإعادة بناء الدولة نفسها: دولة المؤسسات، والقضاء المستقل، والاقتصاد المنتج، والإدارة النزيهة والكفوءة، والرقابة الفاعلة، والمساءلة العادلة والحازمة التي لا تستثني أحداً. فإن الأموال المنهوبة يمكن تعويض جزء منها، أما السنوات الضائعة من عمر الأوطان، والأجيال التي نشأت وسط الحرمان، والثقة التي فقدها المواطن بدولته، فهي خسائر لا تقاس بالأرقام. لقد أثبتت التجربة أن أخطر ما يفعله الفساد ليس سرقة المال، بل تحطيم الإنسان وتشويه القيم وسرقة المستقبل. وعندما يُحرَم شعب يعيش فوق واحدة من أكبر الثروات الطبيعية في العالم من أبسط مقومات الحياة الكريمة، فإن القضية لم تعد قضية مالية، بل قضية وجود دولة، وكرامة إنسان، وضمير سلطة. |