العراق.. سؤال الدولة والإنسان | من النهب إلى تفكيك الوجود


ليس كل فساد يقاس بما سُرِقَ مِنْ خزائن الدولة، بل بما سُرِقَ من أعمار الناس، فكل دينار أو دولار ضاع كان فرحة طفل، وفرصةَ شاب، وطمأنينةَ متقاعد، وأملَ أسرة، وكرامةَ شعب. والسؤال هنا: إذا كانت المسروقات من خزائن الدولة قابلة للاسترداد، فكيف تُستَرَد أعمار العراقيين المنهوبة وأحلامهم المهدورة؟!

 

موقع الإمام الشيرازي

10 / صفر / 1448

 

 

 

تتجاوز المشاهد القادمة من بغداد حول صولة مكافحة الفساد - سواء بمصادرة مليارات الدنانير العراقية وملايين الدولارات المخبأة في قنوات الصرف الصحي أو ضبط سبائك الذهب - حدود المنطق الجنائي التقليدي. فإن الشراهة المفرطة التي تُميِّز هذه السرقات، واللامبالاة المطلقة بمصير ملايين العراقيين، تثبت أن الفساد في العراق بعد عام 2003 لم يعد سلوك محرَّم/إجرامي يبحث عن نسب مئوية أو عمولات؛ بل تحول إلى عملية استنزاف وجودي وتفكيك متعمد لبنية الدولة والمجتمع ... والسؤال هنا:

كيف يمكن لضمير سياسي أو مسؤول أو حزبي؛ خاصة إذا يزعم أنه متدين، أن يستوعب اختفاء مئات مليارات الدولارات في بلد يعيش أطفاله بلا مدارس لائقة، ومرضاه بلا مستشفيات مجهزة، ومواطنوه بلا كهرباء تحت لهيب صيف يتجاوز الـ 50 درجة مئوية؟!!

والجواب يكمن في فك شفرة ثلاث مفارقات عبثية دمرت ركائز الحياة الأساسية في بلاد الرافدين.

(1) مفارقة الطاقة

تجسد أزمة الطاقة في العراق الذروة العبثية لـ "شراهة موت الضمير". كيف يستوعب العقل المؤشرات التالية؟

* استيراد المشتقات في بلد عائم على النفط؛ العراق، الذي يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في منظمة أوبك، يجد نفسه مضطراً لاستيراد البنزين والوقود لتشغيل سياراته ومصانعه المحلية.

* استيراد الغاز وسط الهدر الحارق؛ يمتلك العراق ثروة هائلة من الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط، ومع ذلك يُترَك هذا الغاز للحرق في الهواء مسبباً كارثة بيئية، في حين تستورد الدولة الغاز بمليارات الدولارات سنوياً لتشغيل محطات الكهرباء المتهالكة.

* صيف الـ 50 درجة بلا كهرباء؛ تحولت الكهرباء الوطنية إلى "حلم بعيد المنال" للمواطن العراقي على مدار ستة أشهر من القيظ المستمر سنوياً. ومشكلة الكهرباء انعكست على واقع الصناعة والزراعة وعموم مفاصل العمل والحياة.

(2) تدمير الخدمات الأساسية

إن نهب المال العام انعكس بصورة مباشرة ومروعة على جودة الحياة اليومية للعراقيين، محولاً المؤسسات الخدمية إلى ركام:

*  قطاع صحي متهالك؛ وفقاً لتصريحات وزير الصحة الجديد، تعاني المستشفيات الحكومية من انهيار شبه كامل في التجهيزات والمستلزمات الطبية والدوائية، مما يحول رحلة العلاج للمواطن الفقير إلى مأساة حقيقية.

*  أزمة التعليم والمدارس الطينية والكتب والقرطاسية؛ يواجه العراق نقصاً هائلاً وفادحاً في أعداد الأبنية المدرسية، مما أجبر المدارس على اعتماد الدوام الثنائي والثلاثي، في ظل تجهيزات مدرسية متهالكة لا تليق ببلد يمتلك موازنات انفجارية. في الوقت أن الحكومات العراقية بعد 2003 تنصلت من استحقاق دستوري بمجانية التعليم، فقد أصبحت تجهيزات الطالب من كتب وقرطاسية عبئاًإضافية على الأسرة العراقية.

*  طرق الموت الحاصدة للأرواح؛ بقيت شبكات الطرق قديمة ومتهالكة دون تحديث حقيقي، مما جعلها "طرقاً للموت" تحصد أرواح الآلاف من العراقيين سنوياً في حوادث سير مروعة كان يمكن تفاديها بصيانة بسيطة.

(3) تجفيف الإنتاج

المظهر الأكثر خطورة لهذا الفساد الشره هو تحويل العراق - بلاد الرافدين والخصوبة - من بلد منتج إلى مجرد "سوق استهلاكي مكشوف" يستورد كل شيء من دول الجوار والمحيط الدولي.

*  موت الزراعة والصناعة؛ تم تدمير القطاع الزراعي عبر الإهمال المتعمد لملفات المياه والري، وإغلاق آلاف المصانع والمعامل المحلية لضمان بقاء السوق العراقي معتمداً كلياً على البضائع المستوردة.

*  منظومة غسيل الأموال عبر الاستيراد؛ لم يكن ضرب الإنتاج المحلي عفوياً؛ بل جاء لتسهيل تهريب العملة الصعبة (الدولار) إلى الخارج تحت غطاء "وصولات استيراد وهمية" لبضائع لا يحتاجها السوق أو تدخل بأسعار مبالغ فيها، مما يضمن تدفق الأموال إلى الحسابات الخارجية للفاسدين.

الفساد كأداة لإلغاء الدولة

مئات مليارات الدولارات التي نُهبت من العراقيين، منذ عام 2003 إلى اليوم، لم تكن مجرد أرقام في خزينة الدولة؛ بل كانت عبارة عن مستشفيات لم تُجَهَّز، ومدارس لم تُشيّد، ومحطات كهرباء وماء لم تكتمل، وطرق لم تُعبَّد، فكانت النتيجة أمنيات مهدورة في الوطن بفعل الأزمات، وأعماراً ضائعة في بلاد الغربة تترقب العودة. بالتالي، فإن هذا الجشع المفرط وموت الضمير الإنساني، اللذين اتسمت بهما النخبة الحاكمة، يقودان إلى حقيقة واحدة؛ وهي أن منظومة الفساد في العراق عملت - سواء بقصد أو غير قصد - على تفكيك مفهوم الدولة والمواطنة، وتغليب مصالح الإقطاعيات الحزبية الضيقة على قيم الدين والإنسان والوطن.

لذا، فإن أي حملة لمكافحة الفساد يقودها رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي لن يُكتَب لها النجاح الحقيقي إذا اقتصرت على استرداد الأموال المهربة؛ بل يجب أن تستند الى فرض القانون، وتقوية مؤسسات الدولة، وتمتد لتفكيك "فلسفة الاستيراد والتدمير الذاتي" وإعادة بناء الهوية الإنتاجية والخدمية لبلد يستحق شعبه العيش بكرامة.