![]() |
|
العراق .. عندما يصبح البحث العلمي تهمة!
موقع الإمام الشيرازي 14/ ذو القعدة/ 1447
في تحول دراماتيكي لمفاهيم النزاهة الأكاديمية، تشهد الساحة العلمية في مملكة الجامعات الورقية ظاهرة فريدة من نوعها، حيث انقلبت "القِيَم" وأصبح التزوير هو المنهج المعتمد، وشراء البحوث هو السلوك السوي، بينما يطارد الباحث الحقيقي بنظرات الريبة والازدراء. بدأت القصة عندما قرر المسؤول أن الحصول على الألقاب العلمية لا يحتاج الى مختبرات او سهر الليالي، بل الى "محفظة ممتلئة!!" ومكتب "خدمات جامعية!!". ومنذ ذلك الحين، صدر العرف غير المكتوب: كل من يتعب في بحثه هو شخص يثير الشبهات ويعطل عجلة الترقيات السريعة!!! وأصبحت معايير النجاح الأكاديمي تعتمد على: * سرعة التوصيل: البحث الذي يجهز في 24 ساعة هو البحث المثالي. * الدفع المسبق: القيمة العلمية تقاس بالدولار لا بالنتائج. * الاستنساخ المبدع: فكرة واحدة يعاد تدويرها لمئة باحث مع تغيير اسم المحافظة فقط. وفي وسط هذا الجو المثالي من البحوث الجاهزة والمختومة بختم المكاتب التجارية، ظهر في اروقة الجامعة تدريسي غريب الاطوار. يقال أنه شوهد يفتح كتبا حقيقية، ويقضي ساعات في المختبر، والأدهى من ذلك، أنه يكتب بحثه بيده دون الاستعانة بـخلفية المكتب المجاور! سادت حالة من الضحك والسخرية في نادي الأساتذة عند سماع قصته، وصرح أحد فرسان التزوير وهو يقلِّبْ بحثاً اشتراه للتو: انظروا الى هذا الشاذ، يريد أن يقنعنا بأنه اكتشف نتائج جديدة! لماذا يتعب نفسه ولديه المكاتب؟ يبدو أنه يعاني من نقص في الذكاء الاجتماعي، أو ربما هو جاسوس يريد كشف عبقريتنا في القص واللصق! إن ما يحدث اليوم في دهاليز الجامعات هو استنساخ عصري لقصة الخليفة وطفله صاحب الأذن الواحدة. فكما قرر الخليفة قديما قطع آذان المواليد لكي لا يبدو ابنه المشوه شاذاً بين الناس، قررت المنظومة الأكاديمية قطع لسان النزاهة وتشويه سمعة البحث الرصين لكي لا يبدو المزوِّر قبيحاً بجانب العالم الحقيقي. في العراق، نجحت المنظومة في جعل التزوير هو الشكل الطبيعي والجميل، وأصبح الباحث الذي يتمسك بأذني الأمانة والدقة يبدو في نظرهم مسخاً يثير الضحك. ففي بلد الأذُن الواحدة الأكاديمية، لا مكان لمن يسمع صوت الضمير أو يرى الحقيقة، لأن "القيادات" اتفقوا على أن النقص هو الكمال، وأن الغش هو الواقع الذي يجب أن يتعامل معه الجميع! د. محمد الربيعي (كاتب وأكاديمي عراقي) ------------------- هامش أبرز الإحصائيات والأرقام المعلنة عن الشهادات الجامعية المزوَّرة في العراق شهدت السنوات الأخيرة كشفاً مكثفاً لشبكات تزوير وأعداد كبيرة من الوثائق غير الأصولية: فضيحة الشهادات اللبنانية: كُشف مؤخراً عن حصول طلاب عراقيين على نحو 27 ألف شهادة عليا (ماجستير ودكتوراه) من ثلاث جامعات لبنانية بطرق غير رصينة، مما أدى إلى تعليق الدراسة فيها من قبل وزارة التعليم العالي العراقية. إحصائيات هيئة النزاهة والوزارات: تشير تقارير إلى الكشف عن أكثر من 35 ألف شهادة ووثيقة مزورة لشخصيات في الحكومة، تحمل بعضها أختاماً لجهات إيرانية غير معترف بها، أو جامعات في دول عربية وأجنبية. شهادات "مضروبة" من الهند: رصدت تقارير في أواخر عام 2025 ضبط مئات الشهادات المزورة في تخصصات حساسة مثل الطب والهندسة والتمريض، بأسعار تتراوح بين 3,000 إلى 6,000 ريال (75-150 ألف روبية هندية). |