العراق .. بين فشل الدولة والدولة الفاشلة


 

 

موقع الإمام الشيرازي

10 / ذو القعدة/ 1447

 

 

برز مصطلح "الدولة الفاشلة"، في العقود الأخيرة، كأحد المفاهيم الأساسية في دراسات العلاقات الدولية والعلوم السياسية. ويستخدم هذا المصطلح لوصف الدول التي تعاني من انهيار مؤسساتها الأساسية، مما يؤدي إلى عجزها عن توفير الأمن والخدمات الأساسية لمواطنيها، وفقدان السيطرة على أراضيها. ويُعتَبَر هذا المفهوم محورياً لفهم التحديات التي تواجه النظام الدولي، حيث ترتبط الدول الفاشلة بظواهر مثل النزاعات المسلحة، والهجرة القسرية، والإرهاب.

لا يوجد تعريف موحد للدولة الفاشلة بسبب تعقيد الظاهرة واختلاف السياقات السياسية والاجتماعية. ومع ذلك، يعرِّف صندوق السلام (Fund for Peace) الدولة الفاشلة بأنها "دولة تعاني من ضعف مؤسساتها الحكومية، مما يؤدي إلى فقدان القدرة على تقديم الخدمات العامة، وتآكل الشرعية السياسية، وانتشار العنف". وطبقاً لـ مجلة السياسة الخارجية الأمريكية، ومؤسسة "صندوق السلام" فإن الدولة الفاشلة "هيئة سياسية مُفككة لدرجة فقدان الحكومة قدرتها المركزية على سيطرتها وسيادتها على كافة أراضيها". أما من الناحية النظرية، فإنه يمكن قياس فشل الدولة من خلال مؤشرات كضعف الأمن الداخلي، وانهيار النظام الاقتصادي، وتفشي الفساد، وتدهور البنية التحتية. ويشير ويليام زارتمن، أكاديمي أمريكي بارز متخصص في العلاقات الدولية وحل النزاعات، الى الدولة الفاشلة بتعريف موجز وشامل: "الدولة تبدأ بالفشل حين تفقد احتكار العنف المشروع، ثم تسقط تدريجياً في فوضى لا مركزية."

وتتعدد أسباب فشل الدول، وغالباً ما تكون مترابطة، وتعتبر النزاعات المسلحة من أبرز هذه الأسباب، حيث تفضي إلى انتهاك القانون وانتشار الفوضى والسلاح المنفلت ما يؤدي الى فشل الدولة. أيضاً يشكل الفساد تحدياً كبيراً يقوِّض ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ويؤدي إلى سوء توزيع الموارد. يقول روبرت روتبرغ، في كتابه "الدول الفاشلة: أسباب وعواقب الانهيار": "ما يميز الدولة الفاشلة هو فقدانها للاحتكار المشروع لاستخدام القوة داخل أراضيها، إلى جانب فشلها في تقديم أبسط الخدمات مثل الصحة والتعليم والعدل." كما تسهم التدخلات الأجنبية في زعزعة استقرار الدول. إضافة الى الفقر المدقع والتفاوت في توزيع الثروات من العوامل التي تغذي الاضطرابات الاجتماعية وتضعف تماسك الدولة وتصب في فشلها.

هذا، وتترتب على فشل الدولة تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ومن أبرز هذه النتائج الأزمات الإنسانية، حيث أن فشل الدولة يؤدي على سبيل المثال إلى نزوح ملايين الأشخاص وتدهور الأوضاع الإنسانية. في الوقت نفسه، تشكل الدول الفاشلة بيئة خصبة لنمو التنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة، والمجاميع المسلحة المنفلتة، بالإضافة إلى الجريمة المنظمة مثل تجارة المخدرات وتهريب الأسلحة والاتجار بالبشر. أيضاً، تؤثر الدول الفاشلة على استقرار الدول المجاورة من خلال تدفق المهاجرين غير الشرعيين، وانتشار الأسلحة، والصراعات العابرة للحدود. في كتابه "الدول الفاشلة: إساءة استخدام القوة وتهديد الديمقراطية"، يقول نعوم تشومسكي: "الدول الفاشلة لا تفشل فقط في الداخل، بل تشكّل تهديداً خارجياً بسبب فشلها في احترام القانون الدولي ومبدأ المساءلة."

وهكذا؛ لم يعد توصيف العراق بـ"الدولة الفاشلة" كافياً للإحاطة بعمق أزمته، إذ نحن أمام فشلٍ أوسع يطال فكرة الدولة ذاتها لا مجرد أدائها. فأزمات الكهرباء -وقد أضيف إليها الغاز- وغلاء الأسعار، وطرق الموت، واتساع جيوش الفقراء والعاطلين، وتدهور أوضاع المتقاعدين، وانتشار المخدرات، وفضيحة الشهادات الجامعية المزيفة، ليست إلا تجليات لخلل بنيوي عميق يتمثل في هشاشة القانون، وغياب العدالة، واستشراء الفساد، وانفلات السلاح خارج إطار الدولة، وترسّخ الإفلات من العقاب، حيث ما تزال آلاف الجرائم -من قتل وتعذيب المتظاهرين السلميين، إلى اغتيال المثقفين وخطف الصحفيين وتهجير الناشطين- بلا مساءلة. وفي موازاة ذلك، تقف مؤسسات عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية والتعليمية والبيئية، في بلد تآكلت فيه مقومات الإنتاج حتى بات بلا صناعة تُذكَر ولا زراعة فاعلة ولا رؤية تنموية واضحة. وفي قلب هذا المشهد المختل، تواصل طبقة سياسية تجاوز الدستور وتفريغ القانون من مضمونه، لتكرّس واقعاً تُستنزَف فيه الدولة من الداخل قبل أن تلوح ملامح انهيارها من الخارج.

على هذا، فإن معالجة ظاهرة الدولة الفاشلة تتطلب نهجاً شاملاً يجمع بين الجهود المحلية والدولية. بالتالي، فإن تعزيز المؤسسات الحكومية واستقلال القضاء خطوة أساسية لاستعادة الشرعية السياسية. أيضاً، فإن التركيز على مشاريع التنمية المستدامة للحد من الفقر وتحسين مستوى المعيشة، مما يقلل من التطرف والعنف الذي يسهم في إفشال الدولة. كما ينبغي تشجيع الحوار بين الأحزاب والجماعات والفصائل المختلفة داخل الدولة لتحقيق المصالحة الوطنية وإنهاء الصراعات الداخلية. بالإضافة الى أن المجتمع الدولي يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً من خلال تقديم المساعدات الإنسانية، ودعم عمليات حفظ السلام، وتجنب التدخلات التي تُفاقِم الوضع.

والسؤال الذي يجب أن يُطْرَحْ في كل نقاش حول الدولة الفاشلة هو: هل يمكن استعادة الدولة؟ الجواب ليس بسيطاً، لكنه يبدأ من الاعتراف بأن الدولة ليست مؤسسات فقط، بل قِيَم ومسؤوليات. لا جدوى من بناء جهاز أمني قوي إذا كان فاسداً، ولا من إجراء انتخابات دورية إذا كانت شكلية. استعادة الدولة تعني ترميم الثقة، وإعادة الاعتبار للعدالة، وبناء عقد اجتماعي جديد يعلي كرامة الإنسان. مع ذلك، فإن الدولة الفاشلة ليست قدراً، بل نتيجة. كما أنها ليست نهاية الطريق، بل دعوة للمراجعة والنهوض، حين تدرك المجتمعات أن الصمت ليس حياداً، وأن مقاومة الفشل تبدأ بسؤال جوهري: لأي دولة نريد أن ننتمي؟!