![]() |
|
|
لحظة تفكير .. الشيعة ومستقبل الوجود في العالم الإسلامي
موقع الإمام الشيرازي 17/شهر رمضان/1447
يخطئ التفكير السياسي حين يستبدل قراءة الواقع بأمنيات الهوية، ويزداد الخطأ خطورة عندما تتحول العاطفة المذهبية إلى بديل عن الحساب الاستراتيجي البارد، لأن الجماعات — مثل الدول — لا يحميها صدق النوايا بقدر ما يحميها وعي موازين القوة وتعقيدات البيئة المحيطة. وإذا نظرنا إلى الخريطة الكبرى للعالم الإسلامي بعيون واقعية لا بعيون رغبوية، فإن الحقيقة الديموغرافية الصلبة تقول إن الشيعة يشكلون أقلية في مجموع العالم الإسلامي، وهذه الحقيقة ليست حكماً قيمياً ولا موقفاً مذهبياً، بل معطى بنيوي ينبغي أن يُبنى عليه التفكير السياسي والاجتماعي الرشيد. إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي جماعة أقلوية هو أن تتصرف بعقلية الأكثرية أو بمنطق الغلبة الرمزية، لأن الفجوة بين الموقع الحقيقي والتخيل الذاتي غالباً ما تنتج سياسات عالية الكلفة قليلة العائد، وتفتح أبواب الاستنزاف بدل أن تفتح مسارات التمكين الهادئ. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ فقه البقاء الحضاري، وهو الفقه الذي يوازن بين حفظ الهوية وبناء الجسور، وبين صيانة الخصوصية وتوسيع المشترك، وبين الوعي بالذات والانفتاح على المحيط. إن الدعوة إلى البحث عن خطوط الاشتراك مع الأكثرية الإسلامية ليست تنازلاً مذهبياً كما قد يتوهم بعض المتحمسين، بل هي في جوهرها خيار استراتيجي طويل المدى، لأن المجتمعات المركبة لا تُدار بمنطق التحدي المفتوح بل بمنطق التداخل الذكي الذي يقلل مساحات الاحتكاك ويزيد مساحات التعاون. وتجارب الأقليات الناجحة في التاريخ الحديث تؤكد أن الجماعات التي أتقنت فن العيش المشترك استطاعت أن تحافظ على وجودها وأن تطور حضورها، بينما الجماعات التي استسلمت لمنطق العزلة الصلبة دفعت أثماناً باهظة من استقرارها وطاقتها البشرية. وفي هذا السياق يكتسب ما نُقل عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) من الدعوة إلى قراءة القرآن كما يقرأه الناس دلالة تتجاوز بعدها الفقهي الضيق، إذ تشير إلى وعي مبكر بـ خطورة تحويل الاختلاف الاجتهادي إلى جدار نفسي واجتماعي يفصل الجماعة عن محيطها الإسلامي الأوسع، لأن وحدة المجال الإسلامي — مهما تعددت مدارسه — تظل عاملاً حاسماً في حماية الجميع من الانزلاق إلى صراعات استنزافية لا رابح فيها على المدى البعيد. غير أن هذا الطرح يواجه اعتراضَيْن متوقعَيْن داخل البيئة الشيعية نفسها. الاعتراض الأول يرى في خطاب التعايش مدخلاً للذوبان وفقدان الخصوصية، وهو اعتراض مفهوم نفسياً لكنه غير دقيق منهجياً، لأن التعايش في علم الاجتماع السياسي لا يعني أبداً إلغاء الهوية، بل يعني إدارة الاختلاف ضمن إطار مشترك يحفظ الاستقرار العام، وقد أثبتت التجارب التاريخية أن الهوية القلقة المنغلقة تكون أكثر عرضة للتآكل من الهوية الواثقة المنفتحة. أما الاعتراض الثاني فيستند إلى ذاكرة المظلومية التاريخية، وهي ذاكرة حاضرة بقوة في الوعي الشيعي، غير أن تحويل الذاكرة إلى برنامج سياسي دائم يحمل مخاطر عالية، لأن إدارة الحاضر لا يمكن أن تبقى رهينة جراح الماضي، ولأن المجتمعات التي تبني سياساتها على استدعاء الصراع أكثر مما تبنيها على صناعة المستقبل تجد نفسها غالباً في حلقة توتر مزمنة تستنزف طاقتها دون أن تحقق استقراراً مستداماً. ومع ذلك، فإن الواقعية السياسية تقتضي أيضاً عدم التبسيط، لأن أوضاع الشيعة ليست واحدة في كل البلدان؛ ففي بعض السياقات هم أقلية صريحة، وفي أخرى يشكلون كتلة كبرى أو قوة شريكة في الحكم، وهو ما يعني أن فقه البقاء الحضاري يجب أن يكون فقهاً مرناً يتكيف مع طبيعة كل ساحة، لا وصفة جامدة تُطبَّق على الجميع بلا تمييز. لكن القاعدة العامة تظل صحيحة في الإطار الكلي للعالم الإسلامي: كلما اتسعت دوائر الاشتراك وتراجعت نزعات الاستقطاب الحاد، زادت فرص الاستقرار وتقلصت احتمالات الانفجار. إن المستقبل الآمن للشيعة في العالم الإسلامي لن يصنعه خطاب التوتر المفتوح، ولا الرهان على موازين قوة متقلبة، بل يصنعه مشروع طويل النفس يقوم على تعميق المشترك الإسلامي، وبناء الثقة المتبادلة، وتغليب منطق الدولة والقانون على منطق الجماعة المتحفزة، وهو الطريق الأصعب نفسياً، لكنه في ميزان التاريخ الطريق الأقل كلفة والأكثر قابلية للاستمرار. وفي زمن تتكاثر فيه بؤر التصدع داخل العالم الإسلامي، يصبح الانتقال من وهم الغلبة إلى فقه التعايش الحضاري ليس خياراً تجميلياً، بل ضرورة استراتيجية لحماية الوجود وتحرير الطاقات نحو البناء بدل الاستنزاف، وهو التحول الذي سيحدد إلى حد بعيد شكل الحضور الشيعي في العقود القادمة: حضور قلق محاصر بمنطق الصراع، أم حضور واثق يعمل ضمن أفق حضاري أوسع يتسع للجميع. * (كاتب وباحث عراقي) |