![]() |
|
مؤاخاة النبيّ للوصيّ: شأن إيماني ودرس إنساني وإنجاز سياسي واجتماعي يا علي .. "أنت أخي وأنا أخوك .. أنت أخي ووارثي" (فضائل الصحابة لـ أحمد بن حنبل: ص638)
موقع الإمام الشيرازي 12/شهر رمضان/1447
تعد المؤاخاة بين النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) من الأحداث التاريخية والإسلامية التي تحمل في طياتها دلالات عميقة، سواء من الناحية الإيمانية أو الاجتماعية. وقد وقعت هذه الحادثة في سياق بناء المجتمع الإسلامي الجديد في المدينة المنورة بعد الهجرة، حيث كان النبي (صلى الله عليه وآله) يسعى لتوطيد أواصر الأخوة والتضامن بين أفراد المجتمع، المهاجرين والأنصار، لتجاوز الفوارق الاجتماعية والقبلية التي كانت سائدة في المجتمع العربي آنذاك. تفاصيل الحادثة وقعت حادثة المؤاخاة في الثاني عشر من شهر رمضان في السنة الأولى للهجرة، وذلك في إطار جهود النبي (صلى الله عليه وآله) لتعزيز الروابط بين أفراد المجتمع الإسلامي الناشئ في المدينة المنورة. في هذا السياق، آخى النبي بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، ليكون كل اثنين أخوين في الدين، يتعاونان ويتكافلان في ظل الظروف الصعبة التي كانوا يمرون بها، خاصة المهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم في مكة. يقول الإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "آخى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بين المهاجرين والأنصار من أصحابه، وكانوا تسعين رجلاً، وقيل ثلاثمائة رجل، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على الحق والمواساة، ويتوارثون بعد الموت، إلى وقعة بدر، فلما أنزل اللّه تعالى: (واُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه)(الأنفال: 75) ردّ التوارث إلى الرحم دون عقد الاُخوّة. وقد تمت عملية المؤاخاة مرتين، وفي كل مرة اتّخذ النبي (صلى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) أخاً لنفسه من دون الناس. كما أنه (صلى الله عليه وآله) آخى بين النساء المهاجرات والأنصار أيضاً." ورد في "تذكرة الخواص" عن أحمد بن حنبل في الفضائل، أن النبي (صلى الله عليه وآله) آخى بين الناس، لكنه ترك علياً بن أبي طالب حتى النهاية. فلما رأى علي (عليه السلام) أن النبي لم يؤاخ بينه وبين أحد، قال: "يا رسول الله، آخيت بين أصحابك وتركتني؟" فأجابه النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: "إنما تركتك لنفسي، أنت أخي، وأنا أخوك، فإن ذكرك أحد، فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يدعيها بعدك إلا كذاب، والذي بعثني بالحق، ما أخرتك إلا لنفسي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي". هذه الرواية تُظهر بوضوح المنزلة الخاصة التي كان يتمتع بها علي بن أبي طالب (عليه السلام) عند النبي (صلى الله عليه وآله)، حيث اختاره أخاً له، في دلالة رمزية وإيمانية عميقة على مكانته العالية. كما يُستدل من هذه الرواية أن الهدف من المؤاخاة لم يكن مجرد تقوية العلاقات الاجتماعية فحسب، بل كان أيضاً تعريفاً للمسلمين بمكانة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وفضله، وإشارة إلى دوره المستقبلي في الأمة. ويُشار في كتاب دلائل الصدق (ج2 – ص272) إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يؤاخي بين الرجل ونظيره من حيث القرب الروحي والأخلاقي، مما يعزز التآلف والمحبة، وهو ما يظهر بوضوح في اختياره لـ علي أخاً له. تعدد وتنوع المصادر وعلى الرغم من أن تفاصيل المؤاخاة وردت بشكل أوسع في المصادر الشيعية، فإن هناك مصادر سنية تؤكد وقوع المؤاخاة بين النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام). من أبرز هذه المصادر ما رواه أحمد بن حنبل، في مسنده وفي كتاب فضائل الصحابة، حيث وردت رواية عن قول النبي لـ علي: "أنت أخي، وأنا أخوك" (المستدرك للحاكم: ج3 – ص14). وقد صحح هذه الرواية عدد من العلماء، مما يعزز مصداقيتها في التراث السني. ورغم اختلاف التأويل، تتفق مصادر سنية على وقوع المؤاخاة، منها: * مسند أحمد بن حنبل: يروي الحديث السابق بإسناد صححه بعض العلماء. * كنز العمال للمتقي الهندي (ج6 - ص390): ينقل الرواية ذاتها، مؤكداً تخصيص النبي لـ علي بهذه المنزلة. * ابن الجوزي في "تذكرة الخواص" (ص 23): يذكر الحديث مع الإشارة إلى صحته. * ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" يرى أن المؤاخاة كانت لتعزيز التآلف، وأن تخصيص علي يُظهر فضله، وذكر أنه لما آخى النبي بين أصحابه قال لـ علي: أنت أخي. * النووي في "شرح مسلم" يؤكد أن تشبيه علي بهارون يدل على الشركة في القيادة، لا النبوة. كما نقل ابن الجوزي أيضاً في كتابه بعض الروايات التي تتعلق بمؤاخاة النبي لـ علي، وأشار إلى أن هذه المؤاخاة كانت لها دلالات خاصة، إذ أن النبي (صلى الله عليه وآله) اختار علياً ليكون أخاه دون غيره في هذا السياق. وفي كتاب كنز العمال (ج 6 - ص 390)، وردت إشارات إلى هذه حادثة المؤاخاة، مما يعكس اهتمام العلماء السنة بتدوين هذا الحدث التاريخي. إضافة إلى ذلك، هناك إجماع بين المصادر السنية والشيعية على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد قال لـ علي (عليه السلام) في مناسبات عدة: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" (صحيح مسلم: 2404 / صحيح البخاري: 3706)، وهي عبارة تتكرر في سياقات مختلفة، منها سياق المؤاخاة، مما يعزز من دلالة هذا الحدث وأهميته في التراث الإسلامي. دعوة .. عِبَر ودروس إن حادثة المؤاخاة بين النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) تحمل في طياتها دروساً عظيمة يمكن أن نستفيدها اليوم في بناء الإنسان إنسانياً وفي تشييد مجتمع صالح قائم على القيم النبيلة. ومن أبرز هذه العِبَر: الأخوة الإنسانية والإيمانية .. تبين المؤاخاة أن الأخوة في الإسلام ليست قاصرة على الروابط القبلية أو العائلية، بل تتجاوز ذلك إلى الأخوة الإيمانية التي تجمع بين الناس على أساس التقوى والإيمان. هذا المبدأ يعني أن النظر إلى الإنسان ينبغي أن كون الى قيمته الجوهرية، بعيداً عن الفوارق العرقية أو الاجتماعية أو الثقافية. التكافل الاجتماعي .. كان الهدف الأساسي من المؤاخاة هو تعزيز التكافل بين المسلمين، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي مرَّ بها المهاجرون. هذا الدرس يحث على العمل من أجل بناء مجتمعات مترابطة، يساعد فيها القوي الضعيف، ويتكافل فيها الجميع لتحقيق العدالة الاجتماعية. العدل والمساواة .. من خلال المؤاخاة، ألغى النبي (صلى الله عليه وآله) الفوارق بين الأفراد، وأكد أن المقياس الحقيقي للتفاضل هو التقوى. هذا المبدأ يدعونا إلى نبذ التمييز بكل أشكاله، سواء كان على أساس العرق، أو اللون، أو الجاه، أو المال، والعمل على بناء مجتمع يسوده العدل والمساواة. فلقد آخى النبي (صلى الله عليه وآله)، على سبيل المثال، بين سلمان الفارسي بلال الحبشي. القيم الأخلاقية العالية .. تُظهر المؤاخاة أهمية القيم الأخلاقية مثل المحبة، والتسامح، والصدق، والإخلاص. هذه القيم ينبغي أن تكون أساس التعامل بين الأفراد في المجتمع، بعيداً عن الكراهية والحقد والحسد التي تُفسد العلاقات الإنسانية. بالتالي، فإن مجتمع التقوى يقوم على الكفاءة الأخلاقية، لا على الامتيازات المادية أو الحسب والنسب والجاه والمنصب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(الحجرات:13). إصلاح الذات والتصالح مع النفس: إن اختيار النبي (صلى الله عليه وآله) لـ علي أخاً له يُظهر أهمية القرب الإيماني والأخلاقي بين الأفراد. هذا يعني أنه ينبغي العمل على تهذيب أنفسنا، والسمو بها نحو القيم العليا، مما يؤدي إلى التصالح مع الذات ومحبة الآخرين. بناء الشخصية الإنسانية .. اختيار النبي لعلي – رغم صغر سنه – يُعلّم تقدير القيم الإيمانية والنفسية (كالإخلاص والورع والنزاهة والشجاعة) على السن أو الثروة. وهذا ينبغي ان يحث الأفراد على تنمية الفضائل الداخلية، كالتسامح ونبذ الكراهية، انعكاساً لقول الرسول: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (بحار الأنوار: ج68 – ص382). القيادة بالقدوة .. بإعلاء شأن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قدّم النبي (صلى الله عليه وآله) نموذجاً للقائد الذي يختاره الله بالحكمة، لا بالصوت الجماهيري، وهذا يشير الى ضرورة ارتباط القيادة بالكفاءة الأخلاقية والعلمية، لا بالمصالح الضيقة. بالتالي، إن حادثة المؤاخاة بين النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي درس حي يعلمنا كيف نعيش كمسلمين، أو كبشر، في مجتمع يسوده العدل والمحبة والتكافل. لقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) يهدف من خلال هذه المؤاخاة إلى بناء مجتمع مثالي، يتجاوز الفوارق ويؤسس للعلاقات الإنسانية على أساس التقوى والإيمان والعدل والخير. وفي عصرنا الحالي، حيث تتزايد التحديات الاجتماعية والأخلاقية، فإن حدث وحديث المؤاخاة يبقى مصدر إلهام لبناء المجتمع على القيم النبيلة، قيم الأخوة والتراحم والتعايش والتواصل والتعاون والتكافل، وهي أيضاً قيم تهذب النفوس، وتعزز أواصر الأخوة بين أفراد المجتمع، وتخلق السلام الداخلي عند الفرد وتكرس النزعة الإنسانية في المجتمع. كما أن مؤاخاة النبي لـ علي بن أبي طالب ليست مجرد حدث تاريخي، وليست فقط تحرك سياسي، بل مشروع متجدد لبناء الإنسان الطيب والمجتمع الصالح. فكما أراد الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يُذكِّر الأمة بمنزلة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، يجدر اليوم تذكّر ضرورة وأولوية قيم علي بن أبي طالب؛ قيم العدل والحرية والقسط والتقوى والرحمة والخير والفضيلة والنزاهة ومقارعة الظلم ومكافحة الفساد لنكون "خير أمة أُخرجت للناس". |