![]() |
|
السيدة خديجة بنت خويلد .. أم المؤمنين وأولى المؤمنات في ذكرى وفاة السيدة خديجة بنت خويلد في العاشر من شهر رمضان للعام العاشر من البعثة النبوية المباركة
موقع الإمام الشيرازي 10/شهر رمضان/1447
السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام) واحدة من أعظم الشخصيات في تاريخ الإسلام، فهي ليست فقط زوجة سيد الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، وأم سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بل كانت أول من آمن برسالته، ووقفت إلى جانبه في أصعب الظروف. بالتالي، حظيت السيدة خديجة (عليها السلام) بمكانة عظيمة عند النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وفي قلوب المسلمين، فهي مثال للإيمان الحقيقي والتضحية الكبيرة والصبر الجميل. نسبها ومكانتها قبل الإسلام وُلِدَتْ السيدة خديجة (عليها السلام) في مكة المكرمة، في بيت شريف من بني هاشم، ويلتقي نسبها بنسب النبي (صلى الله عليه وآله) عند جدها الثالث من جهة أبيها، وعند جدها الثامن من جهة أمها، مما يدل على قربها العائلي منه (1). كانت السيدة خديجة (عليها السلام) امرأة ذات حسب ونسب، واشتهرت بين قومها بالطهر والعفة حتى لُقبت بـ"الطاهرة" قبل الإسلام. وكانت تاجرة ناجحة تمتلك ثروة كبيرة وتدير تجارتها بحكمة ودراية، مما جعلها شخصية بارزة في مجتمع قريش. تعرفتْ السيدة خديجة (عليها السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) عندما كان يعمل في تجارتها، فأعجبت بأمانته وصدقه وأخلاقه النبيلة. بعد ذلك، تزوجا وعاشا حياة مليئة بالمودة والاحترام، وأنجبت منه جميع أبنائه باستثناء إبراهيم (عليه السلام). حين زواج السيدة خديجة (عليها السلام) من النبي (صلى الله عليه وآله) كانت بكراً، فإنها (عليها السلام) لم تتزوج قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبداً، وكان عمر السيدة خديجة أصغر من عمر النبي (صلى الله عليه وآله) بخمس سنوات، وقد صرح بذلك البلاذري وغيره، أن عمرها حين زواجها 25 سنة أو ثلاثين سنة. كما يذكر ذلك الحاكم النيسابوري في (المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: ج3، ص182)، والحضرمي الشافعي في (حدائق الأنوار: ج1 - ص155)، والدِّيار بَكْري في (تاريخ الخميس: ج1 - ص263). روايات عديدة تذكر أن السيدة خديجة (عليها السلام) هي التي بادرت وأبدت رغبتها في الزواج من رسول الله (صلى الله عليه وآله)(2). وتفيد رواية اليعقوبي عن عمار بن ياسر، أن السيدة خديجة أرسلت أختها هالة إلى عمار، وكان صديقا للنبي (صلى الله عليه وآله)، وأبدت أمامه رغبة السيدة خديجة في الزواج من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وبعد أن عرض عمار على النبي (صلى الله عليه وآله) هذا الأمر وافق النبي (صلى الله عليه وآله)(تاريخ اليعقوبي: ج2 – ص20). أيضاً، ذكرت كتب التاريخ أن السيدة خديجة (سلام الله عليها) بعد أن رأت أمانة النبي (صلى الله عليه وآله) وصدقه، أبدت عليه فكرة الزواج منها. وقد ورد أنها (عليها السلام) قالت للنبي (صلى الله عليه وآله): "يا ابن عَمِّ، إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِيكَ لِقَرَابَتِكَ، وَوَسِطَتِكَ فِي قَوْمِكَ وَأَمَانَتِكَ، وَحُسْنِ خُلُقِكَ وَصِدْقِ حَدِيثِكَ، فَلَمَّا قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ ذَكَرَ ذَلِكَ لأَعْمَامِهِ، فخرج معه عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، فَخَطَبَهَا إِلَيْهِ فَتَزَوَّجَهَا" (عيون الأثر لإبن سيد الناس: ج1 – ص63). دورها في الدعوة الإسلامية لم تقتصر مساندة السيدة خديجة (عليها السلام) للنبي (صلى الله عليه وآله) على التصديق الروحي فقط، بل قدمتْ كل ما تملك من مال ونفوذ لدعم الدعوة الإسلامية في سنواتها الأولى. عندما بدأت قريش باضطهاد المسلمين، كانت السيدة خديجة درعاً للنبي (صلى الله عليه وآله)، تحميه من الأذى وتخفف عنه أعباء المقاطعة والعداء. وفي السنة السابعة من البعثة، فرضت قريش حصاراً قاسياً على بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب، بهدف الضغط على أبي طالب والمسلمين لتسليم النبي للقتل. استمر الحصار ثلاث سنوات، عانى فيها المسلمون من الجوع والعزلة الاجتماعية والاقتصادية. كان الموقف شديد القسوة، حتى وصل الأمر بالمحاصرين إلى أكل أوراق الشجر لسد جوعهم، وكانت أصوات النساء والأطفال تملأ المكان بالبكاء من شدة المعاناة. في هذه الظروف القاسية، ظلت السيدة خديجة (عليها السلام) صلبة كالجبل، تقاسم النبي (صلى الله عليه وآله) وأتباعه آلامهم وتدعمهم بكل ما تستطيع. لكن الحصار أنهك جسدها الضعيف، فبعد انتهائه بفترة قصيرة، مرضت وتوفيت في سنة 10 من البعثة (619 م)، وكان عمرها اثنتين وخمسين سنة. في نفس العام، توفي عم النبي وكافله أبو طالب (عليه السلام)، فأطلق النبي على ذلك العام اسم "عام الحزن" لشدة ما أصابه من ألم بفقدان اثنين من أعز داعميه. مكانتها عند النبي وبعد وفاتها كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يكّن للسيدة خديجة (عليها السلام) حباً عظيماً وتقديراً لا بالغاً، فلم يتزوج بأخرى في حياتها، وبعد وفاتها كان يذكرها دائماً بخير ويترحم عليها. وقد رُوي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال عن السيدة خديجة: "آمنتْ بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس" (كما أخرجه البخاري في باب غيرة النساء ووجدهن، وهو في أواخر كتاب النكاح: ج3 – ص175). يقول الإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "وُلِدَتْ السيدة خديجة (عليها السلام) لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بنين وبنات، وكل أولاده (صلى الله عليه وآله) من خديجة، ماعدا إبراهيم، فإنه من (مارية القبطية)، فالذكور من ولده: القاسم ـ وبه كان يُكنّى ـ وهو أكبر ولده. والقاسم هذا كان يُدعى بالطاهر، وولد له عبد اللّه وكان يدعى بالطيّب. وأما إبراهيم فولد له بالمدينة وعاش عامين غير شهرين ومات قبل موته (صلى الله عليه وآله). وأما بناته منها، فأربع: زينب: تزوّجها أبوالعاص بن الربيع، وكانت خديجة خالته، وولدت له علياً واُمامة، أما علي فمات مراهقاً، وأما اُمامة فتزوّجها علي بعد فاطمة، وماتت زينب في حياة أبيها رسول اللّه، وذلك لسبب إخافة هبّار لها وإسقاطها جنينها. ورُقَية: وتزوّجها عثمان، فولدت له ابناً مات وله من العمر أربع سنين. وأم كلثوم: وتزوّجها عثمان بعد موت رقية، وماتت عنده أيضاً كما ماتت رقية قبلها عنده. وذهب بعض إلى أن بعضهنّ كنّ متبنيات للنبي (صلى الله عليه وآله)". وقد بشّر جبريل (عليه السلام) السيدة خديجة (عليها السلام) ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. ودُفِنَتْ (عليها السلام) في مقبرة الحجون بمكة المكرّمة، وبقي قبرها شاهداً على عظمة امرأة كانت رمزاً للإيمان والوفاء. وبعد وفاتها أصبح منزلها أحد الأماكن المقدسة التي يؤمّها آلاف الحجاج سنوياً، يقول الرحالة المسلم المشهور ابن بطوطة: "من المشاهد المشرّفة التي تقع على مقربة من المسجد "قبة الوحي" وهو منزل أم المؤمنين خديجة" (سير أعلام النبلاء. الذهبي، ج 1، ص 110). ويقول الشيخ الأنصاري في كتابه مناسك الحج: "إذا نزلت مكة المكرمة، يستحبّ للحاج أن يزور بيت خديجة عليها السلام" (الأنوار الساطعة للسيلاوي: 299 / مناسك الحج للشيخ الأنصاري: ص127). في السياق، يقول المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "كانت السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام) أول امرأة آمنت برسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وأول امرأة صلّت مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وواسته بنفسها ومالها حتى أنفقت كل مالها في سبيل اللّه، ودخلت الشِعْب معه، وكانت هي أول امرأة تزوّجها، وأول امرأة ماتت من نسائه، ولم ينكح عليها في حياتها غيرها. وهي التي أمر جبرائيل النبي أن يقرأ عليها السلام من ربها، كما أمره أن يعطي فدكاً إلى فاطمة (عليها السلام) بدل ما أنفقته اُمها خديجة (عليها السلام) في سبيل اللّه من أموالها، ويقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة التوحيد: "ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوّة" (نهج البلاغة: الخطبة 192)".
------------------------------ (1) هي السيّدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. وعلى هذا فإن السيدة خديجة تلتقي بنسبها مع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)عند الجد الأكبر (قصي). (2) كانت السيدة خديجة (سلام الله عليها) تقدّس عمّها ورقة بن نوفل وتحترم آراءه كثيراً بل ـ وكما في التاريخ ـ أنّها كانت تستشيره في اُمورها الصعبة المهمّة. وكما ورد في التاريخ أنّها (عليها السلام) لمّا رغبت في الزواج من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، اطّلع ورقة على حالها وقد كان مطّلعاً على أحوال نبي آخر الزمان، وكيف أنه يتزوّج بامرأة تسود قومها، فرغّبها في الزواج منه، وأشار عليها بفضائل النبي (صلى الله عليه وآله) والمكانة الكريمة التي ستحظى بها عندما تكون زوجته. فقد نقل العلامة المجلسي في (البحار) أنه: "كان لخديجة عم يقال لـه ورقة، وكان قد قرأ الكتب كلّها وكان عالماً حبراً، وكان يعرف صفات نبي آخر الزمان، وكان عنده أنه يتزوّج بامرأة سيدة من قريش تسود قومها وتنفق عليه مالها وتمكّنه من نفسها وتساعده على كل الاُمور، فعلم ورقة أنه ليس بمكة أكثر مالاً من خديجة، فرجا ورقة أن تكون ابنة أخيه خديجة وكان يقول لها: ياخديجة سوف تتّصلين برجل يكون أشرف أهل الأرض والسماء" (بحار الأنوار: ج16 - ص21). |