![]() |
|
|
لبنان .. معادلة جديدة بين منطق إدارة الانهيار ومنطق بناء الدولة نواف سلام وجوزيف عون.. إدارة دولة على حافة الانهيار في وجه مزايدات بلا بدائل!
موقع الإمام الشيرازي 5 / شهر رمضان / 1447
لم تتسلّم القيادة الحالية بلداً مأزوماً فحسب، بل دولة فقدت توازنها المالي، وانكسرت عملتها، وتبخّر نظامها المصرفي، وتحوّلت حدودها إلى خطوط تماس مفتوحة مع إسرائيل، فيما الخزينة خاوية والثقة معدومة. ما وُضع على الطاولة لم يكن برنامج حكم عادي، بل مهمة إنقاذ في اقتصاد خرج من طور الركود إلى طور التفكك، فمنذ لحظة السقوط الكبير في ٢٠١٩، لم يعد في لبنان ترف القرارات المريحة، كل سياسة هي مفاضلة بين خسارتين، وكل تأخير هو كلفة مركّبة تُدفع من القدرة الشرائية ومن الاستقرار الاجتماعي معاً. الأزمة ليست حادثة مالية عابرة، بل حصيلة نموذج ريعي عاش على تثبيتٍ مصطنع لسعر الصرف، وتمويلٍ بالعجز، وتراكم دينٍ بلا إنتاج وحين جفّت التدفقات الدولارية انهار البناء دفعة واحدة، فسقطت المصارف وظيفياً وتوسّع الاقتصاد النقدي وانكمشت الدولة إلى حدّها الأدنى. في هذا السياق، جاءت زيادات الإيرادات مقرونة بزيادات الرواتب كإجراء قاسٍ في اقتصاد منكمش، لكنه محاولة لتأمين الحد الأدنى من انتظام المرفق العام، قد يكون التوقيت موضع جدل، لكن السؤال الجوهري الذي يتجنّبه المنتقدون يبقى بلا جواب، من أين التمويل البديل إذا أُسقطت هذه الإجراءات؟ وكيف تُصان الخدمات الأساسية بلا موارد؟ وفي الملف السيادي، الانتقال من واقع السلاح المتشظّي إلى احتكار الدولة للقوة ليس بياناً سياسياً بل مساراً تراكميّاً شديد الحساسية ومن يطالب بقرارات فورية وشاملة عليه أن يشرح كيف يتفادى الانفجار الداخلي أو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. الدولة تُبنى بالوقائع لا بالشعارات عبر ضبطٌ تدريجي، إطار قانوني نافذ، وربطٌ عضوي بين الأمن والاقتصاد، لأن الاستثمار لا يقيم في بيئة مضطربة، ولا استقرار بلا مرجعية واحدة للسلاح. الدعوة إلى الاستقالة تبدو، في لحظة الغضب، تعبيراً عن سخط مشروع لكنها لا تقدّم خريطة طريق. الخصخصة الشاملة بلا تنظيم تعني بيع أصولٍ عامة في سوق يائس، الدولرة الكاملة بلا احتياط كافٍ تنقل الأزمة ولا تحلّها. التقشف الصادم في مجتمعٍ مُنهك قد يوسّع رقعة الفقر ولا يرمّم المالية. النقد حق، لكن السياسة إدارة للممكن تحت قيود الواقع، لا سباق في البلاغة. الطريق الواقعي يبدأ بإعادة هيكلة مالية ومصرفية شفافة توزّع الخسائر بعدالة وتُخرج القطاع من موته السريري عبر مصرف جسري يموّل الاقتصاد المنتج، يوازي ذلك إصلاح ضريبي نوعي يوسّع القاعدة ويكافح التهرّب ويحوّل العبء نحو الريوع الكبرى بدل إرهاق العمل المنتج. في الطاقة، تحرير منظّم للإنتاج يوقف النزف التاريخي ويعيد الكهرباء إلى موقعها كرافعة نمو لا كمستنقع عجز. وعلى المستوى الخارجي، اتفاق تمويلي مشروط بإصلاحات قانونية واضحة يحمي الاستثمار ويعيد الثقة. أمنياً، ربط المسار السيادي بخطة اقتصادية اجتماعية تخفّف كلفة الانتقال، لأن احتكار الدولة للقوة يحتاج اقتصاداً يمنح الناس سبباً للدفاع عن الدولة لا الهروب منها. وأخيراً، عقد اجتماعي جديد يربط الأجور بالإنتاجية ويؤسس لشبكة أمان ممولة بشفافية، فيستعيد المواطن ثقته بالمؤسسة. المعادلة اليوم ليست بين سلطة ومعارضة، بل بين منطق إدارة الانهيار ومنطق بناء الدولة ومن يطالب بالاستقالة فليقدّم بديلاً بأرقامه ومهله وكلفته ومخاطره. أمّا الاكتفاء بالهتاف، فترف لا تملكه دولة تقف على حافة التاريخ. بين ركام الانهيار وضجيج المزايدين، الفرصة ضيقة لكنها ممكنة، إما استعادة الدولة بقرارات صعبة متماسكة، وإما استمرار الانحدار تحت وطأة شعارات بلا سياسات. الخيار واضح، والكلفة معروفة، والوقت لا ينتظر.. * (كاتبة وباحثة لبنانية) |