الشيعة في أزمة .. ضرورة مراجعة جريئة وهوية جديدة


 

 

موقع الإمام الشيرازي

16 / شعبان / 1447

 

(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(القصص: 83)

الإمام أمير المؤمنين: "لا تَكُفُّوا عن مقالة بحق أو مشورَةٍ بعَدْل" (نهج البلاغة)

 

مع حلول شهر شعبان المعظم كل عام، يتجدد الأمل في نفوس الشيعة مع ذكرى مولد الإمام المهدي المنتظر (عجل الله ظهوره).. المُخلِّص الموعود الذي وُلِد في منتصف شعبان عام 255 هـ، والذي يعيش في غيبة كبرى بانتظار ظهوره لإنقاذ البشرية من الظلم والاستبداد والخوف والقمع والحرمان .. إنه الأمل في عهد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت جوراً، كما جاء في الروايات؛ دولة تسود فيها الرحمة والأمان، حيث يصبح العالم مكاناً آمناً حتى تمشي المرأة من العراق إلى الشام دون خوف، محاطة بالنبات والسلام(1). هذا الأمل سيظل يتوهج في قلوب المؤمنين، خاصة مع حلول شهر شعبان، حيث يستذكر المؤمنون الإمام الذي الذي سيقيم الناس على شريعة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله).

لكن هذا الأمل المهدوي العظيم يتزامن اليوم مع واقع شيعي مضطرب ومأزوم؛ فقد تعرضت الهوية الشيعية؛ خلال العشرين سنة الماضية الى تشوه عميق. تشوه هو من تداعيات الحاكمية الشيعية السياسية، وتماهي بعض الفاعليات الدينية الشيعية معها، سواء بالمشاركة المباشرة أو بالتبرير أو بالصمت المريب. هذا التماهي حوّل – في كثير من الأحيان – التشيع من مشروع أخلاقي إنساني يقوم على نصرة المظلوم والوقوف ضد الظلم في كل زمان ومكان، إلى أداة سياسية تخدم مصالح سلطوية ضيقة، مما أدى إلى انعكاس هذا التشوه على قطاعات واسعة من المجتمعات الشيعية؛ من تراجع مكارم الأخلاق في السلوك اليومي، إلى انتشار ثقافة التبرير للفساد والعنف والسباب والشتائم والانتهاكات باسم "المقاومة" أو "الدفاع عن المذهب"، إلى فقدان الثقة التدريجي في الخطاب الديني عموماً، وصولاً إلى عزوف أجيال شابة كبيرة عن الالتزام الديني الواعي والمبدئي، مفضلين إما الابتعاد الكلي أو الانجراف وراء أشكال سطحية من التدين لا تمس الجوهر.

من هنا بات إنتاج هوية شيعية متجددة – تقوم على العقل ومكارم الأخلاق والقيم الإنسانية الكونية – ليس خياراً فكرياً أو ترفاً، بل ضرورة وجودية وحاجة ماسة لاستعادة المعنى الأصيل للتشيع، ولإنقاذ الهوية من التشوهات التي أصابتها، ولإعادة بناء علاقة الشيعة بالعالم والدول والشعوب على أسس سليمة ومنفتحة، بعيداً عن العزلة الطائفية والاستقطاب السياسي المدمر.

اليوم، يعيش عموم الشيعة وضعاً مأزوماً؛ حيث تظهر الأزمة الشيعية في مجال الحكم والعدالة والحريات والكرامة الإنسانية والحقوق والحياة، وأيضاً في مجال الإيمان والقيم والأخلاق. في الوقت الذي تجاوزت فيه هذه الأزمة "الشيعية السياسية" أو الطبقة السياسية الشيعية، وتسللت ثم نخرت الأفكار والطبائع والسلوكيات لعموم المجتمعات الشيعية حتى انزوت القيم الدينية الأساسية عن كثير من "المتدينين"، وإذا وُجدت فتكون "رسماً أو شكلاً"، بل تفاقمت لدرجة أن العراق – على سبيل المثال – ما زال يتصدر دول العالم بالفساد المالي والإداري والقانوني والتعليمي منذ عقدين، إلى جانب تردي الواقع الصحي والخدمي والحياتي، وانتشار تجارة وتعاطي المخدرات، وتزايد حالات الانتحار، وتفشي الطلاق، وتفاقم الفقر والبطالة والأمية. ولا تختلف الأوضاع في إيران ولبنان إن لم تكن أسوأ. بالتالي، الشيعة عموماً يعيشون اليوم أزمة مع العالم، كما يعيشون أزمة داخلية – وربما ذاتية – وهنا تكمن الخطورة ويكمن التحدي، فـ هذا الوضع أكثر ما يحتاج إلى القدرة على النقد والمراجعة الشجاعة، وإلى الإجابة عن الأسئلة المتراكمة بلا أجوبة، وصولاً إلى إنجاز التغيير والإصلاح المنشود.

الفشل السياسي والتراجع القيمي

يجب أن يبدأ الإصلاح بوصف الواقع الشيعي خلال العشرين سنة الماضية كما هو، دون تجميل أو تبرير، فإن التجميل لا ينفع، والتبرير يطعن في الدين نفسه ويفتح الباب للمزيد من الأخطاء .. وهذا الواقع يتجلى في جوانب إيمانية وسياسية واجتماعية متعددة.

أولاً، على المستوى الإيماني، يفتقر كثير من الشيعة إلى جوهر التقوى والتزكية النفسية. فإن القرب من الله سبحانه لا يكون بالاعتقاد وحده، بل بتزكية مستمرة ومتواصلة للنفس، كما قال الله تعالى: "قد أفلح من زكاها" (سورة الشمس: 9). وقد رُوي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر: "لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه" (مكارم الأخلاق: ص375). كذلك، الانتماء إلى أهل البيت (عليهم السلام) يتطلب التزاماً صارماً بمكارم الأخلاق، كما قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): "ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه"، مشيراً إلى التواضع والأمانة وكثرة الذكر والبر بالوالدين والجيران(2). أما رضا الإمام المهدي (عجَّل الله ظهوره)، فيتحقق بالتورع عن المحارم والعمل الصالح، لا بالمحبة الشكلية، كما أكد سماحة المرجع الديني، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)(3). مع ذلك، تفتقد قطاعات واسعة من النخب والمجتمعات الشيعية هذه الصفات، مما يجعل التكليف بالإصلاح مستمراً حتى في غَيْبَة الإمام، كما شدد المرجع الديني المجدِّد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "لا يسقط التكليف في زمن الغَيْبَة"، داعياً إلى السعي لإصلاح المجتمع(4). فإن الإنسان/المؤمن مطالب بالسعي على الدوام الى إصلاح ما فسد من أمور الدولة والمجتمع، وهذا السعي سيكون حتى في عهد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، كما أوضح السيد محمد رضا الشيرازي (رحمه الله)(5).

ثانياً، على المستوى السياسي والاجتماعي، فشلت الشيعية السياسية في إنتاج دولة تحترم الإنسان. فقد أظهرت الحاكمية الشيعية علاقة قلقة مع الدولة، تبدو كأنها بالضد من المؤسسات الدستورية الرصينة، مما أدى إلى إنتاج دول ضعيفة وانتهاكات لحقوق الإنسان، كما في العراق. بينما صلاح الدولة يقاس بتوفير الحياة الكريمة، لا بالشعارات، كما قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "إنما عماد الدين وجماع المسلمين العامة من الأمة" (نهج البلاغة). ويؤكد السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده) أن الدولة الصالحة تعمل بالعقل والقانون، وتؤمن بحقوق الإنسان كأصل(6). كذلك، انخرط الشيعة في الدفاع عن أنظمة مستبدة، كدعم نظام بشار الأسد في سوريا، رغم جرائمه، مما شوه الهوية الشيعية وجلب الدمار. هذا التدخل كان خطيئة تاريخية، مخالفاً لتاريخ الشيعة في نصرة المظلوم، خاصة أن النظام كان يدعم الإرهابيين ضد الشيعة في العراق سابقاً(7).

ثالثاً، تراجعت الأخلاق في المجتمعات الشيعية رغم التدين الشكلي. فإنه ليست كل أشكال التدين دليلاً على الصحة الأخلاقية؛ فالدين جوهره مكارم الأخلاق، كما قال النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (كنز العمال: ح43542). فإن غياب العقل في التدين عادة يحوله إلى مجرد طقوس جوفاء، تبرر الظلم والفساد، مما يفسر تدهور الأخلاق في مجتمعات تؤدي العبادات لكنها تغش وتظلم. يؤكد السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده) أن العبادات غايتها إتمام الأخلاق، و"من لا فضيلة له لا دين له" (8).

رابعاً، تحول الإعلام الشيعي عموماً الى أداة تبرير للسلطة، متراجعاً عن دوره الرقابي. فقد حضر عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر سابقاً كمعيار أخلاقي؛ عندما كان الشيعة خارج إطار الحكم/معارضة، لكن بعد أن وصل الشيعة الى مواقع الحكم والسلطة تراجع حضور ذلك العهد العلوي، على الرغم من أن هذا العهد لا يقتصر على كونه توجيهاً إدارياً من والٍ إلى عامله، بل يُعَد وثيقة تأسيسية فريدة في الفكر السياسي والأخلاقي، تؤسس لفكرة إنسانية الدولة، ويمكن النظر إليه بوصفه أحد أقدم النماذج لما يشبه الدستور المكتوب القائم على كرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية. ومن المفارقة، أن الإعلام الشيعي يصمت عن ظلم الشيعي داخل بلاد الشيعة، بينما ينتقد وينتفض إذا وقع ظلم على في بلدان الحاكمية فيها ليست شيعية، وهو مخالفة فجّة لآخر وصايا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لولديه الإمامين السِبطَيْن الحسن والحسين (عليهم السلام): "كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً" (بحار الأنوار: ج42 - ص256). وهنا يفرض السؤال نفسه: هل الإعلام الشيعي يعمل بهذه الوصية العلوية الإنسانية، أم إنه يدين الظلم فقط إذا صدر من "الآخر"، ويصمت أو يبرر إذا جاء من سلطة "من داخل الطائفة؟"

خامساً، دأب عدد من المثقفين العراقيين الشيعة على وضع فصل حاد وواضح بين شيعة السلطة (أو الطبقة السياسية الشيعية الحاكمة) وبين شيعة العراق (أو المجتمع الشيعي الوطني العريض)(9). فإن شيعة السلطة هم أولئك الذين وصلوا إلى الحكم بعد 2003 باسم المظلومية الشيعية التاريخية، لكنهم استخدموا الطائفة كرأسمال سياسي انتخابي وتعبئوي، لا كمكون اجتماعي حقيقي يبنى عليه وطن مشترك. بدلاً من بناء دولة وطنية عادلة أو حتى دولة شيعية نموذجية تحترم قيم أهل البيت (عليهم السلام)، أعادوا إنتاج الاستبداد نفسه – هذه المرة بغطاء مذهبي بدلاً من "الخوذة" البعثية – من خلال شبكة مصالح مغلقة تقوم على المحاصصة الطائفية، والفساد المستشري، وتخويف الجمهور الشيعي باستمرار من "الضياع المذهبي" أو "التهديد السني/الخارجي"، ليضمنوا استمرار سيطرتهم. هؤلاء، في نظر هؤلاء المثقفين، لم يكونوا امتداداً طبيعياً لتاريخ التشيع الأصيل – الذي قام على رفض الظلم، ونصرة المظلوم، والعدل الاجتماعي – بل شكلوا قطيعة معه، حيث حولوا المذهب إلى أداة سلطوية تخدم النخبة السياسية والمالية المغلقة، لا تخدم الشعب. أما شيعة العراق فهم الناس العاديون؛ الفقراء، والعمال، والفلاحون، والمثقفون المستقلون، والنساء، والشباب، والضحايا اليوميون للسياسات الفاشلة. هؤلاء لم يدخلوا القصور ولم يستفيدوا من السلطة، بل دفعوا – وما زالوا يدفعون – الثمن الباهظ؛ الفقر، والبطالة، وانهيار الخدمات، والتهميش، والاستغلال الانتخابي والأمني والعقائدي. يُستَخدَمون كـ"وقود" في الحملات الانتخابية أو التعبئة الطائفية أو الصراعات الإقليمية، دون أن يحصلوا على حياة كريمة أو دولة تحميهم وتحترم كرامتهم. هذا التمييز ليس رفضاً للهوية الشيعية، بل هو دفاع عنها؛ فإن النقد الشجاع لشيعة السلطة هو في الوقت نفسه محاولة لتحرير شيعة العراق – والشيعة عموماً – من الاستغلال السياسي، واستعادة المذهب كقيمة دينية وأخلاقية وإنسانية، لا كغطاء للفساد والاستبداد.

سادساً، رواية الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) مع المأمون تذكِّر بأولوية العدالة على الفتوحات؛ فعندما ابتهج المأمون بفتح قرية، سأله الإمام: "وسرك فتح قرية من قرى الشرك؟"، مشدداً على رعاية الشعب أولاً (10). وهذا ينطبق على الصراعات والحروب التي أقحم الشيعة أنفسهم فيها، والتي جلبت الموت والدمار والخراب والفقر والتهجير والحرمان، ودون أية مصلحة.

سابعاً؛ تواجه أي فرصة حقيقية للإصلاح والتغيير في الواقع الشيعي المعاصر – سواء في المجال السياسي أو الديني أو الاجتماعي – قمعاً شديداً ومنهجياً من قبل قوتين مترابطتين: الشيعية السياسية الحاكمة (الطبقة السياسية، الأحزاب، المجاميع المسلحة، والشبكات المالية والعشائرية التي تسيطر على مفاصل الدولة) وبعض الفاعليات الدينية التي تماهت معها أو سكتت عنها أو بررتها. هاتان القوتان لا تريان في أي محاولة إصلاحية – مهما كانت محدودة أو سلمية – سوى تهديد وجودي لنفوذهما ومصالحهما. ومن أخطر أساليب هذا القمع؛ التستر بـ "المقدَّس"، وهو أسلوب خداعي ماكر يُستَخْدَم لتضليل الرأي العام، وتخدير الضمائر، وإسكات الأصوات الناقدة. فإنه مجرد أن يفكر إنسان في نقد السلطة، أو يسأل عن مصير المال العام، أو يدعو إلى إصلاح حقيقي، يُتهم فوراً بأنه "يتحدى الله وحاكمية الإسلام والمذهب"، أو "يخرج عن الدين"، أو "يسيء إلى رموز التاريخ والمقدسات". وهكذا يتحول النقد الشرعي إلى "كفر" أو "خروج عن الملة" في أعين الكثيرين.

لقد مارست السلطات الغاشمة عبر التاريخ هذا الأسلوب بكفاءة مرعبة، وأبرز أدواته نظريتان فاسدتان شرعنتا الاستبداد؛ نظرية "التقميص" التي انتشرت في عهد عثمان بن عفان وتطورت لاحقاً، والتي تقول إن الخلافة أو السلطة "قميص" يقمصه الله من يشاء، فالحاكم ظل الله في الأرض ووكيله المطلق، ومن يحاول إزاحته يحارب الله نفسه. ولتبريرها روى السلطويون أحاديث مكذوبة أو مشوهة، وتجذرت النظرية في الفكر السياسي الإسلامي حتى صارت تقاس على كل مستبد فاسق لتكريس فكرة "ظل السلطان كظل الله". والأخرى، نظرية الجبر والتفويض الإلهي التي ابتدعها معاوية بن أبي سفيان ليحول الخلافة إلى ملك عضوض، ثم أدّلجها الفلاسفة والفقهاء لاحقاً، فأصبحت تقول الحاكم مفوَّض من الله، والأمة مجبورة على طاعته مهما فعل، وليس لها حق محاسبته أو تغييره.

أما الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقد نسف هاتين النظريتين وكل ما يشبههما نسفاً كاملاً، ليس بالكلام فقط، بل بممارساته اليومية وسلوكه الرسالي منذ توليه الخلافة. فقد رفض تأليه الحاكم، وأعلن المساواة بينه وبين رعيته في الحقوق إلا في حمل المسؤولية، وقال كلمته الشهيرة التي تظل دستوراً أخلاقياً وسياسياً: "فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة .. فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره..." (نهج البلاغة). وعندما هدد فاسداً سرق بيت المال أكد مبدأ "القانون فوق الجميع" بقوله: "والله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة..."، مؤكداً (عليه السلام) أن لا محسوبية ولا استثناء حتى لأقرب الناس إليه.

والفرق بين الأمم المتحضرة والمجتمعات المتخلفة يكمن أساساً في احترام النظام والقانون والالتزام به. فإن الأمم المتقدمة تتواصى وتتعاون على تطبيق القانون والدفاع عنه، بينما المجتمعات المتخلفة تتسابق على كسره والتجاوز عليه، فتسود الفوضى في كل شيء. وهذا الأمر لا علاقة له بدينية الدولة أو علمانيتها؛ فالنظام والقانون حاجة إنسانية أساسية، والبديل عنهما هو الفوضى المدمرة.  ولذلك فإن النبي يوسف (عليه السلام) وضع خطته للحفاظ على شقيقه ضمن إطار "دين الملك" (أي قانون الدولة التي يحكمها فرعون)، دون أن يتجاوز الأخلاق أو الأعراف أو يخرق النظام بذريعة شرعيته الإلهية. فإن الأنبياء والأوصياء لا يتجاوزون على النظام والقانون بحجة الوحي أو الشرعية السماوية.

تأسيساً على ذلك كله، فإن أي مجتمع تعم فيه الفوضى – في الفتاوى أو المنابر أو الدولة أو السياسة أو الإعلام أو التعليم أو السوق أو التجارة أو المرور أو الأسرة أو المحلة أو العشيرة – فهو أبعد ما يكون عن جوهر الإمامة ومعناها الحقيقي، حتى لو رفع شعاراتها وتغنى بالغدير وافتخر بلافتاتها. فإن الإمامة ليست شعارات فارغة ولا رموزاً شكلية، بل جوهر أخلاقي وقانوني يقدس النظام والعدل والمساواة.  فإذا رأيت القوي يفلت من القانون، والمتنفذ يتحايل على النظام، بينما يصطاد القانون الضعيف غير المدعوم، فاعلم أن هذا المجتمع لم يفهم شيئاً من روح الإمامة. الشيعي الحقيقي – أو المؤمن الحقيقي – ليس فوضوياً، بل يحب النظام، يدعو إلى احترام القانون، يتمسك بشرفه الوطني ولا يبيعه لأحد. وإذا رأيت مجتمعاً يحترم النظام ويقدس القانون، فتأكد أنه مجتمع شيعي في جوهره، حتى لو لم يفهم من الإمامة تفاصيل كثيرة؛ لأن احترام النظام والقانون هو احترام لروح الإمامة وجوهرها الحقيقي.، ولا شك في أن هذه القيم الشيعية الأساسية بات حضورها محصوراً في فئة قليلة جداً.

المؤسسة الشيعية .. في أزمة

أزمة المؤسسة الدينية الشيعية ليست في نقص النصوص، بل في غياب العمل المؤسسي، والخلط بين المنصب والمعنى، والسيطرة والهداية. وفقاً لرؤى السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده) فإن المؤسسة الشيعية، بموقعها الإيماني والأخلاقي، يجب أن تواكب تحولات العقل الإنساني وتطور المعرفة، ولا تخشى التفكير ولا أن تنظر إلى العلوم الجديدة بريبة. لكن، إذا تحولت إلى مؤسسة بعيدة عن واقع الناس، فإنها تعزل نفسها عن العصر وتربك علاقتها بالمجتمع. بالتالي، الأزمة الحالية ليست بسبب كثرة النقد، بل ندرته؛ فغلق باب الإصغاء يفتح أبواب الانفصال. استعادة النقد كممارسة أخلاقية تعيد المؤسسة إلى دورها من خلال خدمة الإنسان لا إخضاعه، وقيادة الوعي لا تجميده، وحفظ الهوية الشيعية وإدارة الشؤون الشرعية (11). في الوقت أن هناك من يرى أن "مشكلة المؤسسة الشيعية اليوم أنها تريد تغيير المجتمع دون نموذج يحتذى به" (12).

إن العالِم/رجل الدين يحتل موقعاً محورياً في حياة المجتمع، فهو في أوقات الرخاء يقوم بدور المنذر والكاشف، يبيّن للناس ما ينبغي عليهم فعله للحفاظ على استقامتهم وتقدمهم، وهذا ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122). أما في أوقات الشدة والأزمات، فيتحول إلى ناصح ومصلح ومكافح يلهم الناس وينصحهم نحو سبل النجاة والخلاص من المحن والابتلاءات؛ على أساس تقوى الله سبحانه.

ومع ذلك، يؤسف أن بعض علماء الدين لا يدركون تماماً عظمة هذا الدور في حالتي الرخاء والشدة(13)، فيتخلون عنه لأسباب متعددة مثل: أولاً: قوة الانحراف والتردي الذي يجتاح المجتمع، مما يعرضهم لضغوط سياسية واجتماعية شديدة من قوى لا ترى في قيام العالم بدوره مصلحة لها. ثانياً: تعلق بعضهم بالامتيازات والمصالح التي توفرها إغراءات السلطة والنفوذ، فيسكتون عن قول الحق خشية فقدان ما هم فيه من مكاسب. ثالثاً: انسحابهم من الحياة العامة نتيجة بيئة لا تحترم دورهم ولا تأخذ بمشورتهم وآرائهم. رابعاً: تطرف بعضهم في التركيز على الذات، وعدم إيمانهم بأن العلوم تتقدم بالتلاقح والحوار، وبأن البحث عن الحقيقة يتطلب مشاركة جماعية وتبادل رأي مفتوح. خامساً: ظاهرة "التخندق داخل التخصص"، حيث يحصر بعض العلماء أنفسهم في تخصصهم الدقيق وعملهم الوظيفي المباشر، معتقدين أن ذلك يعفيهم من مسؤوليتهم تجاه المجتمع، فيجعلون أبحاثهم وطموحاتهم الشخصية أولوية مطلقة، ولا يخرجون من "خنادقهم" إلا إذا شعروا بتهديد مباشر لها.

لكن؛ مهما تعددت هذه الأسباب، تبقى الحقيقة الثابتة أن العلماء/رجال الدين هم رعاة الوعي والضمير والحق في المجتمع. وإن تراجعهم عن دورهم يكبد الأفراد والمجتمع والمؤسسات أضراراً كارثية تمتد آثارها إلى الحاضر والمستقبل. ومن المهم أن يدرك العلماء أنفسهم أن المجتمع، حين يُطالَب باحترام دورهم وتقديرهم، فإنه ينتظر منهم في المقابل أن يكافحوا لأداء ما هو متوقع منهم بإخلاص وشجاعة. فهم قوى البناء والتغيير والنهوض، ولا يجوز أن يتحولوا – بصمتهم أو انكفائهم – إلى جزء من قوى التهديم والجمود والانتكاس الحضاري. وإن التاريخ لن يرحم مَنْ تخلى عن أمانته في أوقات الانحراف والأزمات الكبرى (14).

الأزمة في المؤسسة الدينية لا تقتصر على مشكلاتها الداخلية، بل تنعكس بوضوح على واقع المجتمع الشيعي المعاصر، وخاصة على علاقة الأجيال الشابة بالدين. دراسات ميدانية حديثة أظهرت أن عزوف شريحة واسعة من النشء الجديد عن الالتزام الديني يعود – في جزء كبير منه – إلى شعورهم بغياب تفسيرات عقلانية مقنعة للنصوص والظواهر المعاصرة، إضافة إلى تضييق الخناق على طرح الأسئلة الجريئة والنقدية، التي غالباً ما تُقابَل باتهامات حادة وجارحة بدلاً من نقاش علمي هادئ ومنهجي. في الوقت نفسه، تكشف وسائل التواصل الاجتماعي عن حجم الإشكالات العقائدية والفقهية والتاريخية التي يطرحها الشباب والمثقفون (شيعة وغير شيعة)، والتي تبقى – في أغلب الأحيان – دون ردود علمية شاملة ومنهجية من المؤسسة الدينية، أو تُقابَل بإجابات سطحية أو دفاعية لا ترقى إلى مستوى التحدي الفكري.

أما المنبر الحسيني – الذي يُفترَض أن يمثل امتداداً حياً لثورة عاشوراء الأخلاقية والإنسانية – فقد شهد في بعض جوانبه انحداراً ملحوظاً في المستوى العلمي والفكري، بل وانخراط بعض المنابر في الدفاع عن سلطات فاسدة أو أنظمة ظالمة، مما أضعف مصداقيته كصوت حر وناقد. هذا السلوك يمتد الى بعض رجال الدين الذين يظهرون عبر وسائل الإعلام فقط ليُجَمِّل مسؤولاً فاشلاً أو يلمع حكومياً أو حزبياً فاسداً(15). يقول السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده): "من اللازم أن يقوم رجل الدين بتوسعة العلاقات مع مختلف طبقات المجتمع؛ بما فيهم نواب الشعب، كما ينبغي عليه أن يوظف الصداقات والعلاقات لرفع الظلم وإحقاق الحق وقضاء حوائج المحتاجين؛ في الوقت، عليه أن يتجنّب استغلال هذه الصداقات والعلاقات؛ خاصة إذا كانت مع السياسيين، في سبيل تحقيق رغبات شخصية أو حاجات فئوية، فإن ذلك يلوِّث سمعته، ويقلِّل من قيمته، ويحجِّم تأثيره فيما يطالب به من أهداف وقضايا دينية، هذا إذا لم يؤد؛ لا سمح اللّه، إلى أن ينحشر في ركاب الظالمين بالتدريج ومن حيث لا يشعر." هنا، السيد الشيرازي(قده) يرسم خارطة طريق لرجل الدين ليكون "صوت من لا صوت لهم" من المظلومين والمحرومين والمحتاجين، من خلال قربه من الناس، واستثمار مكانته المعنوية في مراكز القرار، دون أن يذوب في أروقة السياسة. ويبيّن(قده) أن قوة رجل الدين تكمن في كونه صِلة وصل لا أداة سياسية؛ يستثمر علاقاته لانتزاع الحقوق، فإذا طلب لنفسه شيئاً، فَقَدَ هيبته وأصبح شريكاً في منظومة المصالح بدل أن يكون حارساً للقيم.

وتزداد المفارقة وضوحاً في الواقع الشيعي العليل حين نلاحظ أن عدد المساجد والحسينيات والحوزات قد ازداد بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة، بينما تراجع بشكل مقلق الإنتاج الفكري النوعي المنهجي، كما قلّ عدد العلماء الأعلام أو المجددين أو القادرين على مواجهة تحديات العصر، وتضاءل – نسبياً – عدد المتدينين الملتزمين التزاماً واعياً وعقلانياً.  كل هذه الظواهر تؤكد أن المشكلة ليست في نقص البنية التحتية الدينية، بل في غياب القدرة على تجديد الخطاب ومواكبة أسئلة الإنسان المعاصر، وهو ما يجعل المؤسسة الدينية – في صورتها الحالية – غير قادرة على قيادة المجتمع نحو الإصلاح المنشود.

هوية جديدة .. العقل والأخلاق والتعايش

وهكذا؛ يتضح أن السبب الجوهري في الحاجة إلى هوية شيعية متجددة يكمن في التشوه الذي أصاب هذه الهوية؛ خاصة خلال العقدين الماضيين، نتيجة فساد وفشل الحاكمية الشيعية السياسية وتماهي بعض الفاعليات الدينية الشيعية معها، مما أدى إلى تشوه صورة التشيع – في نظر قطاعات واسعة – من منظومة تقوم على تقوى الله والعدل واحترام الكرامة الإنسانية إلى غطاء للفساد والاستبداد، وانعكس ذلك سلباً على الأخلاق والسلوك والثقة في داخل المجتمعات الشيعية بل حتى في فاعليات دينية شيعية.

في السياق، ونظراً لتداخل الشكلي بالحقيقي، ولحدوث لَبْس في القيم لدى كثير من الشيعة، أصبح إنتاج هوية شيعية جديدة حاجة ماسة. هوية تقوم على العقل ومكارم الأخلاق والقيم الإنسانية، تؤسس للتعايش والتعاون مع الآخر، فالناس صنفان: "إما أخ في الدين وإما نظير في الخلق" (نهج البلاغة: خطبة 52). نخب شيعية تدعو إلى الاندماج في الدول والشعوب، بعيداً عن التعصب والاستفزاز والعزلة.

وفي ضوء هذا الواقع الشيعي المأزوم، ومع تراكم التحديات الداخلية والخارجية، يصبح إنتاج هوية شيعية جديدة ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية وحاجة ماسة للبقاء والتجدد. هوية لا تقوم على الشكليات والطقوس الخارجية وحدها، ولا على الولاء السياسي المشروط، بل على ثالوث مقدس: العقل الذي يسأل ويبحث ويجدد، ومكارم الأخلاق التي تجعل الإيمان سلوكاً يومياً لا مجرد اعتقاد قلبي، والقيم الإنسانية التي ترى في كل إنسان – مسلماً كان أو غيره – "أخاً في الدين أو نظيراً في الخلق"، كما علّمنا أمير المؤمنين (عليه السلام). هذه الهوية الجديدة تتطلب منا، نحن الشيعة في كل مكان، خطوات عملية واضحة: أولاً: فتح أبواب النقد الذاتي بشجاعة وحرية، لا خوفاً من الاتهامات، بل إيماناً بأن النقد هو أمانة سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) الذي رفض الصمت على الظلم حتى لو كان من "داخل الأمة". ثانياً: إعادة بناء المؤسسة الدينية على أسس العقل المؤسسي والاستقلالية الحقيقية، بعيداً عن التأثيرات السياسية والامتيازات، لتعود هداية لا سلطة، خدمة لا إخضاع، تجديداً لا تجميداً. ثالثاً: الاندماج الإيجابي في مجتمعاتنا الوطنية، كمواطنين يحملون هوية شيعية واعية ومنفتحة، يساهمون في بناء دول عادلة ومتعايشة، لا يعزلون أنفسهم ولا يُستَغلون كأداة في صراعات إقليمية. رابعاً: استثمار الطاقات الشابة والمثقفين والمبدعين، ليصبحوا شركاء في إنتاج فكر شيعي معاصر يجيب على أسئلة العصر في التكنولوجيا، والحقوق، والعدالة الاجتماعية، دون خوف أو إقصاء(16).

وهكذا؛ فإن الأمل المهدوي الذي يتجدد في قلوبنا كل شعبان ليس انتظاراً سلبياً لمُخَلّص يأتي من الخارج، بل دعوة لنبدأ من أنفسنا، ومن بيوتنا، ومن منابرنا، ومن كتاباتنا، ومن نقاشاتنا. بالتالي، المولد المهدوي المبارك دعوة لإحياء روح الرفض للظلم، ونصرة المظلوم، والإصرار على العدل، ونفع الناس فإن "خير الناس مَنْ انتفع به الناس" (بحار الأنوار: ج72 – ص23). لنثبت - بالكلمة الطيبة والعمل الصالح - أن التشيع الحقيقي ليس عبئاً على الأمة، بل نوراً يضيء طريق الإنسانية جمعاء. بالتالي؛ فإنها لحظة تاريخية؛ فإما أن نستمر في التبرير والانكفاء، فنخسر أجيالاً ونفقد المعنى، وإما أن نختار طريق الإصلاح الشجاع، فنعيد لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) مجده الحقيقي العظيم. الخيار بين أيدينا، والتأخر ليس في صالح مبدأ الانتظار .. عندها نكون من المنتَظِرين حقيقة.

-------------------------------------------

المصادر

(1) ورد في كتاب الخصال (ص626): قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث: "ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، ولأخرجت الأرض نباتها، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد، واصطلحت السباع والبهائم، حتى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلا على النبات، وعلى رأسها زينتها لا يهيجها سبع ولا تخافه" (كتاب الإمام المهدي (عليه السلام) للسيد محمد الحسيني الشيرازي(قده): ص-2524).

(2) قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام) لجابر بن عبد الله الأنصاري: "فَوَاللهِ، مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالْأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلاةِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَالْغَارِمِينَ، وَالأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ" (الكافي: ج2 - ص74).

ورُوي أنه بعد أن يجمع الله أصحاب الإمام المهدي فيحضرون عنده، يبيّن لهم الإمام أنه لن يقطع أمرًا حتى يبايعوه على خصال. هذه الخصال التي يريدها الإمام من أصحابه، بعد ظهوره، هي نفسها التي يريدها من شيعته وهو في غيبته. يقول الإمام المهدي: "..ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا محرماً، ولا تأتوا فاحشة.. ولا تأكلوا مال اليتيم، ولا تشهدوا بغير ما تعلمون.. ولا تسفكوا دماً حراماً، وليعمل كل امرئ منكم بما يقرب به من محبّتنا، ويتجنّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة فجأة، حين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة" (عقد الدرر للسلمي الشافعي: ص 96).

(3) يقول المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): "يجدر بالمؤمنين والمؤمنات العلم بأن محبة الإمام المهدي تقتضي التورع عن محارم الله والعمل الصالح، كما أن إظهار الإنسان محبته للإمام، ليس دليلاً قاطعاً على محبة اﻹمام لذلك الإنسان، أو أنه يوجب محبة اﻹمام، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم وتحدث عنه اﻹمام، بل إن الامتثال لسيرة اﻹمام والالتزام بها، هو الذي يوجب محبة اﻹمام المهدي. أيضاً، يجدر بالمؤمنين والمؤمنات معاهدة الله على أن يكونوا عند مرور ذكرى مولد الإمام المهدي  في كل سنة أحسن من السنة السابقة، وفي هذه الذكرى العظيمة لكل مؤمن أن يسعى لإصلاح نفسه، فلو أصلح المؤمنون والمؤمنات أنفسهم فإن الإمام المهدي هو الذي سيأتي إليهم قبل أن يذهبون إليه (عجل الله فرجه)".

(4)

يقول المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله): "لا يسقط التكليف في زمن غَيْبَة الإمام المهدي، بذريعة أن الإمام سيظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً. فلا شك في ظهوره، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): "لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملأها عدلاً وقسطا كما ملئت جوراً وظلماً". لكن الكلام في أنه هل يجوز للإنسان عقلاً وشرعاً أن يترك ما ندب الله إليه، في مختلف شؤون الحياة، إلى ذلك اليوم، أم يلزم العمل بالتكليف الذي أمر به الله (عزّ وجلّ)؟ لا شك في لزوم السعي لإصلاح المجتمع، ونشر الخير والفضيلة".

(5) يقول الفقيه السيد محمد رضا الشيرازي (رحمه الله): "إن حركة الإمام المهدي تشبه حركة النبي (صلى الله عليه وآله)، فهي حركة طبيعية – غيبية في آن واحد، وكما أن النبي كان يستند إلى الإمداد الغيبي، لكن حركته كانت تعتمد على منطق المعادلات الطبيعية أيضاً.". ويقول (قدس سره): "إن الروايات تنفي التصور الموجود لدى بعضنا بأن الإمام المهدي سيأتي ومن دون أية مقدمات أو مؤنة، وتصبح الكرة الأرضية كلها خاضعة له، فهنالك جبابرة وطغاة يحكمون في هذا العالم، وهنالك أفراد ستتعرض مصالحهم للخطر. وهناك جماعة تخرج إلى الإمام (عجل الله فرجه) وتقول له: "لا حاجة لنا بك، فارجع من حيث أتيت، وفقاً للروايات."

(6) يرى السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده) أن الدولة الصالحة هي التي تعمل وفق العقل والمنطق، فتمنع الاستبداد والتعسف، وتخضع للقانون دون تمييز. وهو تصور ينسجم مع ما عبّرت عنه حنّة أرنت (منظرة سياسية أميركية) حين فرّقت بين السلطة والعنف، معتبرة أن "السلطة تنبع من اجتماع الناس، أما العنف فيظهر حين تفشل السلطة". فإن الدولة التي تحتاج إلى القمع الدائم هي، في حقيقتها، دولة فاقدة للشرعية. كما يؤكد الإمام الشيرازي أن الدولة لا تُختَزَل في حفظ الأمن، بل تُلزَم بتأمين شروط الحياة الكريمة؛ مثل العمل، والسكن، والرعاية الصحية، والتعليم، والأمن من الخوف والقلق. وهذا الفهم يقترب من روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ربط الكرامة الإنسانية بالحقوق الاجتماعية، لا بالحريات الشكلية وحدها. وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب عن هذا البعد الاجتماعي للسلطة بقوله (عليه السلام): "الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم" (نهج البلاغة: عهد الإمام للأشتر). جاعلاً معيار الحكم هو حال الأضعف، لا امتياز الأقوى.

(7) يمثل الانخراط العسكري والسياسي لبعض القوى الشيعية في الدفاع عن نظام بشار الأسد تحولاً دراماتيكياً أحدث شروخاً عميقة في الصورة الذهنية والوجدانية للتشيع المعاصر، حيث وضع المذهب أمام مفارقة أخلاقية كبرى. فبينما يرتكز المذهب الاثني عشري تاريخياً على قيم مقارعة الظلم ونصرة المظلوم، جاء القتال بجانب نظام واجه حراكاً شعبياً بالحديد والنار ليشكل ما وصفه مراقبون ومفكرون شيعة بـ "الخطيئة التاريخية" التي خرقت القيم الجوهرية للإنسانية وللمذهب على حد سواء. إن هذا التدخل لم يكن مجرد خطوة دفاعية، بل كان انزلاقاً بالطائفة نحو صراع مسلح ابتلع لغة العقل وجعل الهوية رهينة للسلاح، رغم التحذيرات المبكرة من أن هذا التورط سيكون شرارة البداية لانهيار المكانة الأخلاقية والروحية التي تميز بها التشيع عبر العصور.

وفي هذا السياق، تبرز ذريعة "حماية المقدسات" كغطاء عاطفي أثار الكثير من الجدل؛ فإن مرقد السيدة زينب (عليها السلام) في سوريا ظل قائماً وعامراً بالسلام والزوار لمئات السنين قبل الأزمة، مما يجعل التضحية بآلاف الشباب الشيعة في أتون حرب طاحنة تساؤلاً ملحاً حول الأهداف الحقيقية لهذا الاستنزاف البشري. غير أن المفارقة الأكثر ذهولاً تكمن في الذاكرة السياسية القريبة، حيث كان نظام الأسد نفسه متهماً بكونه الممر الأول للإرهاب الذي فتك بالشيعة في العراق لسنوات طويلة. ففي عام 2009، وعقب تفجيرات "الأربعاء الدامي" التي استهدفت قلب بغداد، وجه رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي اتهامات صريحة وموثقة لنظام الأسد بإيواء الإرهابيين وتدريبهم وتسهيل عبور الانتحاريين والمفخخات التي كانت تحصد أرواح المدنيين الشيعة في الأسواق والمساجد. ولم يتوقف الموقف العراقي حينها عند التصريحات الإعلامية، بل ذهبت حكومة المالكي إلى تدويل القضية عبر رفع شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، مطالبة بتشكيل لجنة تحقيق دولية لمحاسبة دمشق على دعمها للإرهاب العابر للحدود.

إن هذا التناقض الصارخ، الذي تحول فيه نظام بشار من "مصدر للمفخخات" ضد الشيعة في العراق الى "حليف للشيعة تجب حمايته بتضحيات بشباب الشيعة"، يكشف عن حجم الارتباك في بوصلة الشيعية السياسية، ويؤكد أن الانخراط الشيعي في سوريا كان خروجاً عن السياق الطبيعي للمذهب الذي يرفض الظلم بكل أشكاله، لاسيما عندما يصدر من نظام كان بالأمس القريب سبباً في نزيف الدماء العراقية.

(8) يؤكد السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده) أن الغاية من العبادات هي "إتمام مكارم الأخلاق"، كما جاء في الحديث النبوي، مما يجعل الأخلاق محوراً لصلاح الدنيا والآخرة. ويوضح: "إن الإسلام منذ أن أعلن نبيه (صلى الله عليه وآله) أنه إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق، أبدى شيئاً لم يكن من قبل، وهو الارتباط الوثيق بين الدين والخلق، حتى أن كل شعيرة من شعائر الإسلام متلاحمة مع فضيلة من الفضائل، فلا الدين وحده، ولا الأخلاق وحدها، بل دين وأخلاق. وهكذا؛ فمَنْ لا فضيلة له، لا دين له، وإنْ صلّى وصام وزكّى وحج، ومَنْ لا دين له، لا فضيلة له، وإنْ جاد وأعطى، وواسى ووفى." ويؤكد أن "مجرد العلم بالأخلاق دون الاتصاف بها غير مجدٍ ومثالها مثال الجسد بلا روح."

(9) هذا التمييز شائع نسبياً في كتابات بعض المثقفين العراقيين الشيعة (مثل حسن العلوي في كتابه "شيعة السلطة وشيعة العراق"، وغيره من النقاد والإعلاميين الذين يرون في الطبقة الحاكمة قطيعة مع التراث الشيعي الأصيل).

(10) "... جاء المأمون ومعه كتاب طويل، فأراد الإمام علي الرضا (عليه السلام) أن يقوم، فأقسم عليه المأمون بحقّ النبي (صلى الله عليه وآله) أن لا يقوم إليه، ثمّ جاء حتّى انكبّ على الإمام الرضا وقبّل وجهه، وقعد بين يديه على وسادة، فقرأ ذلك الكتاب عليه، فإذا هو فتح لبعض قرى كابل، فيه: إنّا فتحنا قرية كذا وكذا. فلمّا فرغ قال له الإمام: "وسرّك فتح قرية من قرى الشرك؟"

فقال له المأمون: أَ وَليس في ذلك سرور؟ فقال الإمام الرضا (عليه السلام): "يا أمير المؤمنين، اتّق الله في أمّة محمّد، وما ولّاك الله من هذا الأمر وخصّك به، فإنّك قد ضيّعتَ أمور المسلمين، وفوّضتَ ذلك إلى غيرك، يحكم فيهم بغير حكم الله، وقعدتَ في هذه البلاد، وتركتَ بيت الهجرة ومهبط الوحي، وإنّ المهاجرين والأنصار يُظلَمون دونك، ولا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمّة، ويأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه ويعجز عن نفقته، فلا يجد مَنْ يشكو إليه حاله، ولا يصل إليك، فاتّق الله يا أمير المؤمنين في أمور المسلمين، وارجع إلى بيت النبوّة، ومعدن المهاجرين والأنصار، أَ ما علمتَ يا أمير المؤمنين أنّ والي المسلمين مثل العمود في وسط الفسطاط من أراده أخذه."

فقال المأمون: "يا سيّدي فما ترى؟" قال الإمام الرضا: "أرى أن تخرج من هذه البلاد، وتتحوّل إلى موضع آبائك وأجدادك، وتنظر في أمور المسلمين، ولا تكلهم إلى غيرك، فإنّ الله عزّ وجلّ سائلك عمّا ولّاك. فقام المأمون فقال: نِعْمَ ما قلتَ يا سيّدي، هذا هو الرأي، وخرج وأمر أن تقدّم النوائب ..." (بحار الأنوار: ج49 - ص165).

يُقدّم هذا النص الرضويّ، أو الحوار بين الإمام علي الرضا (عليه السلام) والخليفة العباسي المأمون، خليفة الدولة العباسية، درسًا عميقاً في الأولويات الأخلاقية والإنسانية والسياسية التي ينبغي أن يحكم بها الحاكم. يحاور الإمام الرضا المأمون الذي يبتهج بانتصار جيشه وفتح "قرية من قرى الشرك" أو مدينة أو حتى دولة، ليعيد توجيه بوصلة الحاكم من الافتخار بالتوسع العسكري إلى جوهر المسؤولية الحقيقية والقيم الدينية والإنسانية؛ وهي تحقيق العدالة ورعاية الشعب. هذا النص ليس مجرد حوار تاريخي، بل هو تأمل مبدئي وديني وإنساني في طبيعة القيادة، وهو أيضاً صراع القِيَم بين المجد الزائل والعدالة الدائمة، وهو يحمل صدىً عميقًا يتردد في واقعنا المعاصر.

(11) في كتابه (المرجعية الإسلامية)، يقول المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده): "المرجع الديني الذي يستمع إلى النقد سيرتفع عن صفة الاستبداد بالرأي وعدم الاعتناء بآراء الآخرين, وسيتصف بصفة أخلاقية هي من صميم الإسلام، وهي احترام آراء الآخرين والاعتناء بما يقولون عندما يكون ذلك بناء .. المرجع الديني الذي يستمع إلى النقد سيرتفع عن صفة الاستبداد بالرأي وعدم الاعتناء بآراء الآخرين, وسيتصف بصفة أخلاقية هي من صميم الإسلام، وهي احترام آراء الآخرين والاعتناء بما يقولون عندما يكون ذلك بناءً" (ص38). ويقول(قده): "إذا افتقر المرجع الديني للرؤية المعاصرة للأحداث، فإن طبقة من الناس وهم المثقفون سيتركون المرجع ويتبعون من له موقف ورؤية في هذه الأمور" (ص61).

(12) مقال "المؤسسة الدينية بين مسؤولية التغيير وضرورة التجديد" لـ نزار حيدر (مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن).

(13) يقول السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده): "على رجل الدين أن يهتم بحل مشاكل الناس، ويُنصِّب من نفسه قائماً بمهامهم، فإن عالم الدين إنما هو للدين والدنيا، والناس يلتفون حول الحلاّل للمشاكل بما لا يلتفون حول سواه، ولذا ورد في متواتر الأحاديث الحث على قضاء حوائج الناس .. رجل الدين بما أوتي من قوة ومنعة ونفوذ كلمة ـ ببركة الدين ـ يجب عليه أن يقابل ذلك بالشكر، ومن شكر هذه النعم القيام بحوائج الناس وحل مشكلاتهم وانقاذهم من المعاضل والنكبات، فقد قال الله سبحانه: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا)(السبأ 13). وإذا قام العالم بحل مشاكل الناس سيلتف الناس حول الإسلام، وسيكون ذلك من أسباب خدمته لهدفه الذي هو ترويج الدين، ونشر الشريعة، وترسيخ الإسلام في القلوب."

ويقول(قده): "من اللازم أن يقوم عالِم الدين بتوسعة العلاقات مع مختلف طبقات المجتمع؛ بما فيهم نواب الشعب، كما ينبغي عليه أن يوظف الصداقات والعلاقات لرفع الظلم وإحقاق الحق؛ في الوقت، عليه أن يتجنّب استغلال هذه الصداقات والعلاقات؛ خاصة إذا كانت مع السياسيين،  في سبيل تحقيق رغبات أو حاجات شخصية، فإن ذلك يلوِّث سمعته، ويقلِّل من قيمته، ويحجِّم تأثيره فيما يطالب به من أهداف وقضايا دينية، هذا إذا لم يؤد؛ لا سمح اللّه، إلى أن ينحشر في ركاب الظالمين بالتدريج ومن حيث لا يشعر".

(14) مقال "مخاطر الفهم الخاطئ للدين على الأمن والسلام" لـ د. خالد عليوي العرداوي (مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية).

(15) يقول السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده): "لم يكن سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) مخالفاً ورافضاً ليزيد بن معاوية فقط، بل كان مخالفاً ورافضاً لجميع الظلمة الفاسدين والمفسدين في كل زمان ومكان، كما أراد (عليه السلام) للإنسان بما هو إنسان أن يحصل بكامل حقوقه، وفي كل زمان ومكان، وسواء أكان مؤمناً أم كافراً. وهكذا؛ يجدر بالخطباء الأفاضل نشر الوعي بأن استقرار حال العباد والبلاد ليس بالخطب والكلمات التي تلقى من على منابر الإعلام فقط، بل أيضاً بتأمين العدالة للناس، وتسييد القانون على الجميع، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية والحياتية، والحفاظ على حقوق الناس وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلا مصادرات ولا إعدامات، ولا قمع تظاهرات ولا كمّ الأفواه، ولا تهديد مثقفين ولا تخويف صحفيين، فيجب ألاّ يخاف الناس من أن يتكلموا أو أن يكتبوا، فالحرية أساس تقدم الشعوب والأمم".

(16) يقول السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده): "الإسلام بمعناه القرآني؛ الذي طبقه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وسار على نهجه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، يهدف الى إنقاذ الإنسان من براثن العبودية والظلم والجهل والاستغلال والفقر والمرض والجشع والفوضى. بالتالي، إذا أردتم انتشال الأمة من السقوط وجعلها في مقدمة الأمم؛ علماً وحضارةً واخلاقاً وقوة ورفاه وازدهاراً، ينبغي عليكم أن تتخذوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) خير أسوة في كل أعمالكم. فإن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بفضل خلقه الكريم لم يرض أن يُقابِل الإساءة بالإساءة، بل قابلها بالإحسان، ليعطي درساً تطبيقياً رائعاً ومدهشاً للعاملين على إصلاح المجتمع من خلال تفعيل وتكريس النظرة الإنسانية للإسلام؛ وهذا هو الأقرب للإيمان والتقوى، كما أنه الأكثر تأثيراً في الناس. وفي السياق، كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إذا لم يتمكن من قضاء حاجة محتاج في وقت الطلب والسؤال، كان يجعل قضاءها ديناً على نفسه".