أسئلة الانتظار في زمن الغَيْبَة .. بين العدد والمعنى


قراءة في معنى الانتظار ومسؤولية المؤمنين والمؤمنات في زمن الغَيْبَة الكبرى

 

موقع الإمام الشيرازي

13 / شعبان / 1447

 

شعبان هو شهر الإصلاح حيث يعبق بذكرى مولد المصلح الموعود والمهديّ المُنتَظَر (عجل الله ظهوره)

محبتكم لأهل البيت (عليهم السلام) وإظهارها هو أمر حسن وفاضل، ولكن نيل مقام القرب منهم يتطلب العمل باﻹسلام والالتزام به، وليس إظهار المحبة لهم فقط

 

في كل عام، ومع اقتراب الخامس عشر من شعبان، تتجه أنظار ملايين الشيعة إلى مدينة كربلاء المقدسة، حيث الاحتفاء بذكرى ولادة الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله ظهوره)، في واحدة من أكبر التجمعات الدينية في العالم. غير أن ضخامة الحدث وعدد الزائرين لا ينبغي أن تحجب السؤال الجوهري: ما معنى هذا الانتظار؟ وما هي مسؤولية المؤمنين والمؤمنات في زمن الغَيْبَة؟

تتأكد أهمية هذا السؤال في عالم يموج بالظلم والفوضى؛ شعوب تُستَنزَف بالفقر، وأوطان تدار بأنظمة فاسدة، وصراعات عبثية تسحق الإنسان والكرامة معاً. وفي خضم هذا الواقع المضطرب، تتزاحم الشعارات، وتكثر الادعاءات، وتضيع البوصلة بين التدين الشكلي والالتزام الحقيقي. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى استعادة المعنى العميق للتشيع (والعقيدة المهدوية)، بعيداً عن السلوكيات والطقوس المنفصلة عن الوعي والمسؤولية.

استحضار المعنى العقدي

إن إحياء ذكرى ولادة الإمام المهدي لا يكتمل من دون استحضار المضامين العقدية للإمامة، بوصفها ركناً أساسياً في الفكر الشيعي. فإن العقيدة السليمة ليست مجرد قناعة ذهنية، بل قوة أخلاقية وتربوية، تنقّي الفكر، وتسمو بالسلوك، وتحصّن الإنسان من مشاريع التضليل والانحراف.

وتعني الإمامة عند الشيعة أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد عيّن خلفاءه من بعده بنصٍّ واضح، محدداً عددهم وخصائصهم، وأنهم اثنا عشر إماماً، خاتمهم الإمام المهدي بن الحسن (عليهما السلام). وقد ورد هذا المعنى في مصادر إسلامية معتبرة، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة، أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قال: "لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة .. كلهم من قريش" (صحيح مسلم بشرح النووي: ج12 - ص202). كما ورد في ينابيع المودة أن هؤلاء الخلفاء "كلهم من بني هاشم" (ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: ج3 - ص445).

والإمام المهدي، بوصفه الإمام الخاتم، يعيش غَيْبَةً بإرادة إلهية، وسيظهر حين يأذن الله، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً. وقد بيّن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أن غَيْبَتِه ليست لغزاً أو خيالاً أو عبثاً، بل سرٌّ إلهي، لا تنكشف حكمته الكاملة إلا بعد الظهور، كما لم تتكشف حكمة أفعال الخضر لنبي الله موسى (عليه السلام) إلا في وقتها.

عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: "إن لصاحب هذا الأمر غَيْبَة لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل." قلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: "الأمر لا يُؤذن لي في كشفه لكم".

قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟

قال (عليه السلام): "وجه الحكمة في غيبته، وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى إلى وقت افتراقهما. يا ابن الفضل، إن هذا الأمر أمر من الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنه (عز وجل) حكيم صدّقنا بأن أفعاله كلها حكمة، وإنْ كان وجهها غير منكشف" (علل الشرائع. ج1 - ص246).

أما قيم ومبادئ وأخلاق التشيع فقد دأب الأئمة (عليهم السلام) على الإعلان عنها وتوضيحها وتأكيدها:

من كتاب أبي القاسم بن قولويه، عن محمد بن عمر بن حنظلة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتبع آثارنا وعمل بأعمالنا، أولئك شيعتنا" (بحار الأنوار: ج65 – ص164).

وعن أبي زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: "ليس من شيعتنا مَنْ يكون في مِصر يكون فيه آلاف، ويكون في المصر أورع منه" (بحار الأنوار: ج65 – ص164).

وعن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) أنه قال لخيثمة لما دخل عليه ليودعه: "أبلغ موالينا السلام عنّا، وأوصهم بتقوى الله العظيم، وأعلمهم .. أنّا لا نغني عنهم من الله شيئاً إلا بعمل، ولن ينالوا ولايتنا إلا بورع" (بحار الأنوار: ج70 – ص309).

ومما قاله الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في وصيته لـ عبدالله بن جندب: "بلّغ شيعتنا .. فوالله لا تُنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا، ومواساة الإخوان… وليس من شيعتنا من يظلم الناس" (بحار الأنوار: ج75 - ص279).

الانتظار بوصفه فعلاً

من الأخطاء الشائعة اختزال "انتظار الفرج" في حالة وجدانية أو عاطفية، بينما تؤكد الروايات أن الانتظار من أعظم العبادات لأنه فعل ومسؤولية، لا مجرد ترقّب. فإن المُنْتَظِر الحقيقي هو من يعمل على طريق الإمام، ويُهيّئ نفسه ومحيطه لزمن العدل، عبر إصلاح النفس، وبناء الأسرة، والمساهمة في إصلاح المجتمع، وتنظيم شؤونه، وتحسين أحواله.

بهذا المعنى، يصبح الانتظار مشروعاً أخلاقياً واجتماعياً، لا حالة سكون أو تبرير للعجز، ويغدو السؤال الحقيقي: ماذا قدمنا من قيم العدل، والصدق، والنزاهة، ونصرة المظلوم، ونجدة المحروم، في واقع يفيض بالظلم والفساد واللامبالاة؟

معيار المحبة

إن إظهار المحبة للإمام المهدي (عجل الله ظهوره)، أو الإكثار من الشعارات باسمه، لا يشكل دليلاً قاطعاً على صدق هذه المحبة. فإن المحبة، كما يؤكد القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام)، تُقاس بالامتثال والسلوك القائم على مكارم الأخلاق، لا بالادعاء. بالتالي، فإن الالتزام بسيرة الإمام ونهج أهل البيت (عليهم السلام) هو الميزان الحقيقي لصدق الولاء.

من هنا، فإن بوصلة المنتظِر للإمام المهدي هي موالاة آل محمد والسير بسيرتهم، لا الاكتفاء بالانتماء العاطفي أو الطقسي. وفي هذا السياق، يقول المرجع الديني سماحة السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): "إظهار اﻹنسان محبته للإمام المهدي (عليه السلام) - مهما كان مستوى المحبة ـ ليس دليلاً قاطعاً على محبة اﻹمام لذلك الشخص أو أنه يوجب محبة اﻹمام، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم واﻹمام (عجل الله فرجه)، بل إن الامتثال لسيرة اﻹمام والالتزام بها هو الذي يوجب محبة اﻹمام (عجل الله فرجه)"

ويقول سماحته (دام ظله): "لنعاهد الله على أن نكون عند مرور ذكرى مولد الإمام المهدي (عليه السلام) في كل سنة أحسن من السنة السابقة .. فلو أصلحنا أنفسنا فإن صاحب الزمان هو الذي سيأتي إلينا قبل أن نذهب إليه".

ويؤكد المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) أن "مِنْ أهم التكاليف، في أيام غَيْبَة الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، الثبات على موالاة آل محمد، ففي الحديث عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): "من ثَبَتَ على موالاتنا، في غيبة قائمنا، أعطاه الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر وأحد" (بحار الأنوار: ج52 - ص125)".

ويقول (قدس سره): "لا يكون التكليف ساقطاً في زمن الغَيْبَة، بحجة أن الإمام سيظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلما وجوراً. فإنه لا شك في ظهوره (عليه السلام)، لكن الكلام في أنه هل يجوز للإنسان عقلاً وشرعاً أن يترك ما ندب الله إليه، في مختلف شؤون الحياة، إلى ذلك اليوم، أم يلزم العمل بالتكليف الذي أمر به (عزّ وجلّ)؟ لا شك في لزوم السعي لإصلاح المجتمع ونشر الخير والفضيلة".

وهكذا؛ فإنه قبل أن تكون الزيارة الشعبانية المليونية المباركة مسيرة أقدام نحو كربلاء المقدسة، ينبغي أن تكون مسيرة وعي نحو المعنى الحقيقي للانتظار. فإن الإمام المهدي (عجل الله ظهوره) لا يُنْتَظَر بالعدد ولا بالأقوال فحسب، بل بإنسانٍ أكثر عدلاً، ومجتمعٍ أكثر وعياً، وإيمانٍ أكثر التزاماً .. حينها فقط، يصبح الانتظار فعلاً يغيّر الحاضر، ويمهد – كما ينبغي – لمستقبل موعود بالقسط والعدل والمحبة والحرية والسلام والخيرات والبركات.

﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون﴾ (التوبة: 105)