الغَيْبَة الكبرى .. مرحلة تحمل المسؤولية واختيار الأصلح


 

شعبان هو شهر الإصلاح لاقترانه بذكرى مولد المصلح الموعود والمهديّ المُنتَظَر (عجل الله ظهوره)

 

موقع الإمام الشيرازي

11 / شعبان / 1447

 

 

لم تكن إمامة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) مقتصرة على نموذج واحد تطرحه الإرادة الإلهية العليا للقائد المكلف بخلافة الأنبياء والرسل (عليهم السلام) وتمثيل رسالات الله (عز وجل)، وإنما اشتملت الإمامة على تنوع كبير في الأشكال والأنماط، والتي عكست تحديات المرحلة التاريخية وحلولها المطروحة، لتكون الإمامة طيفاً شاملاً يقدم للناس دروساً تقود المكلف إلى معرفة واجباته بحسب تفاعل الإمام المعصوم مع مجريات الواقع.

فمنذ البدء كان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قائداً مُنَصَّباً من الله والناس، ثم تلاه ولداه: الإمام الحسن (عليه السلام) قائداً أراده الله وتركه الناس، والإمام الحسين (عليه السلام) ثائراً على سلطة الغاصبين وخانه الناس. فإنه في هذه النماذج الثلاثة كان المعصوم يتبوأ مراتب متنوعة في هرم التكوين السياسي والاجتماعي، دون أن يؤثر ذلك على منصبه الإلهي كإمام معصوم مُفْتَرَض الطاعة، أما الناس (المُكَلَفون) فكانوا يدورون في فلك التغيرات التي تتنازعها الأهواء والرغبات. فالبوصلة تشير دوماً إلى اتجاه واحد؛ شاء من شاء وأبى من أبى، سواء أكان شخصاً بمفرده، أو جماعة متحكمة أو جماهير غفيرة.

وتتوالى النماذج لنجد في بعضها تفاوتاً شديداً يقدم مثالاً رائعاً على قدرة الإمام على إدارة شؤون مسؤولياته الإلهية من كافة المواقع، حيث نجد أن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) يمارس من سجنه تلك المسؤوليات، ثم تنتقل الإمامة إلى ابنه الإمام علي الرضا (عليه السلام) ليمارسها من منصب ولاية عهد المأمون العباسي، مع ما تخلل ذلك من ضغوط وصلاحيات محددة، لكن الثابت الوحيد في المعادلة كان "منصب الإمامة" الذي لم تتوقف أعماله نتيجة سجن أو مضايقة من جهة، أو بزيادة المسؤوليات والتحديات من جهة أخرى.

وبالوصول إلى الإمام المهدي (عليه السلام)، نجد أن إمامته امتد تأثيرها في العديد من الأبعاد منها:

(1) مكانة الإمام الخاتَم، وبهذا يمتد التأثير منذ إخبار النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بإمامته.

(2) مكانة الإمام المُخَلِّص، وبهذا يلخِص آمال البشرية منذ بداية تداول مفهوم (المُخَلِّص)، وانتهاء بظهوره المبارك (عليه السلام).

(3) مكانة الإمام كغيره من الأئمة؛ وهي ذات مراحل أربع: قبل الغَيْبَة، الغَيْبَة الصغرى، الغَيْبَة الكبرى، الظهور.

إن المكانة الأخيرة هي التي يقع واجب المكلف ضمن دائرتها، ولا يتحقق التزامه بأداء واجباته تجاه الإمام إلا بملاحقة أحداثها لمعرفة ما يترتب عليه منها، وذلك بحسب حيثيات كل مرحلة:

(1) قبل الغَيْبَة: ما يصدر لفظاً عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وبه تتحدد تفاصيل التعيين والواجبات المترتبة على ذلك من إمام غير غائب.

(2) الغَيْبَة الصغرى: ما يصدر عن النائب المُعَيَّن من الإمام (عجل الله فرجه).

(3) الغَيْبَة الكبرى: وفيها يتخير المكلَّف مَنْ يراه خليقاً بأن يكون النائب عن الإمام (عجل الله فرجه) وفق شروط معينة.

(4) الظهور: وفي هذه المرحلة يمارس الإمام (عجل الله فرجه) دوره الطبيعي؛ كما فعل آباؤه (عليهم السلام).

ولا شك في أن المرحلتين الأولى والأخيرة واضحتان لا يتردد فيهما المكلف عن الالتزام بواجبه، لأنه قادر على معرفة الحقيقة من مصدرها، أما المرحلتان الأخريان ففيهما مسؤولية كبيرة تقع على عاتقه لأول مرة منذ بداية تاريخ التكليف، وهي: تحديد مصدر القيادة (نائب الإمام الذي يمارس مهام الإمام).

امتدت الغَيْبَة الصغرى قرابة سبعين عاماً (260 – 329هـ) اقتصر فيها واجب المُكًلَّف على إتباع النائب المُعَيَّن من قبل الإمام (عجل الله فرجه)، وكان النواب يلي أحدهم الآخر بحسب توصية الإمام بذلك من خلال النائب نفسه، وهذا يعني أن تعيين النائب كان يستلزم ثقة المُكَلَّف بالنائب الذي سبقه، وهذا أمر يسير انطلاقاً من ثقة الإمام (عجل الله فرجه) بالنائب الأول، ثم يكون الأمر بعدها تلقائياً، لكن الأمور لم تستمر على ذلك المنوال، وانتقل المكلف إلى مرحلة جديدة ذات مسؤولية أكبر.

وبعد أن سرى الخبر باشتداد المرض على النائب الرابع (علي بن محمد السمري)، قيل له: "مَنْ وصيك مِنْ بعدك؟". فقال: "لله أمر هو بالغه" (إكمال الدين: ج2 - ص467).

كانت هذه الجملة إيذاناً ببداية عصر جديد (الغَيبَة الكبرى) .. إذ كيف للمكلَّف أن يعلم بأمر الله الذي لم يصرِّح به النائب الرابع، لكن تلك الجملة حملت في ثناياها معنى لم تؤده كلماتها، وذلك أن الأمة انتقلت إلى مرحلة تحمل المسؤولية واختيار الأصلح، وأن الثقة بقدرة الناس على معرفة الطريق توثقت بما خبروه من تجارب عاشتها الأجيال قرناً بعد قرن، وترسخ ذلك بفضل الأحاديث الواردة في تحريم توقيت نهاية الغيبة الكبرى بظهور الإمام، ومن ذلك الحديث التالي:

رُوِيَ أنّ الفُضيل سَأل الإمام محمد الباقر (عليه السلام): لهذا الأمر وقت؟

فقال (عليه السلام): "كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون". (الكافي. الشيخ الكليني، ج 1 – ص 368).