![]() |
|
الإمام زين العابدين .. إصلاح المجتمع المشوَّه والمشوِّه شعبان هو شهر الإصلاح لاقترانه بذكرى مولد المصلح الموعود والمهديّ المُنتَظَر (عجل الله ظهوره)
موقع الإمام الشيرازي 7 / شعبان / 1447
في كل مناسبة دينية، يجدر بالمؤمنين والمؤمنات أن يعزموا على إصلاح أنفسهم، وأن يكونوا في قادم الأيام أكثر ورعاً، وأطيب كلاماً، وأحسن عملاً، وأكرم خلقاً، وأكثر إحساناً
في مواجهة الأزمات العاصفة بإيمان الناس، والطاردة لقيم العدل والفضيلة من وعي المجتمع وطباعه، تعددت محاور خطة الإمام علي زين العابدين (عليه السلام) الإصلاحية، إذ بالإضافة الى ما كان يجود به من دروس فقهية وأخلاقية، رسمت الصحيفة السجّادية خارطة طريق لتقويم المجتمع واستنهاضه والارتقاء به إيمانياً وفكرياً وأخلاقياً، بعد أن تشوهت قيمه وأفكاره وسلوكياته ومفاهيمه بتداعيات استبداد السلطة وجاهليتها واسقاطات انحراف المؤسسة الدينية وفسادها. يقول الإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "تشتمل الصحيفة السجادية على أصول الدين، والأخلاق، وعلم الاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، وعلم النفس، وأهم المسائل الفكرية والثقافية، كل ذلك في إطار الدعاء والمناجاة مع الباري عزّ وجلّ. وإن للصحيفة السجادية دوراً مهماً جداً في بيان المسائل العقائدية ومعرفة الأصول الإسلامية، وما يوجب سعادة الإنسان في كافة أبعاد الحياة. وبالطبع فإن أدعية الإمام زين العابدين هي أكثر بكثير مما في الصحيفة المذكورة، فإنها لا تشمل جميع الأدعية." وبموازاة محور التعليم والموعظة، كانت سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام) تجسيداً عملياً صادقاً لقيم الإسلام. حيث يقول (عليه السلام): "أربع من كن فيه كمل إسلامه، ومحّصت عنه ذنوبه، ولقي ربه وهو عنه راض: من وفى لله بما يجعل على نفسه للناس، وصدق لسانه مع الناس، واستحيى من كل قبيح عند الله وعند الناس، وحسن خلقه مع أهله" (الخصال. الشيخ الصدوق، ص 222). لقد واجه الإمام زين العابدين (عليه السلام) في طريقه الإصلاحي سلطة تتستر بالدين، وتنسب أعمالها الظالمة والمنحرفة الى الله، فحينما أُدْخِلَ الإمام السجاد (عليه السلام) إلى قصر الإمارة، أخذ طاغية الكوفة بالنظر إليه فسأله: مَنْ أنت؟ قال: "عليّ بن الحسين". فقال: أوَ لم يقتل الله عليّ بن الحسين؟! (مقاتل الطالبيين. أبو الفرج الأصفهاني، ص 80). أيضاً، واجه الإمامُ "المتدينين بلا تدبر" حيث سمع (عليه السلام) رجلاً في طوافه بالكعبة، وهو يسأل الله الصبر، فالتفت الإمام إليه قائلاً: "سألتَ البلاء، ولكن قل: اللهم إني أسألك العافية، والشكر على العافية". كما واجه الإمامُ "المتدينين على جهل"، فلما اُدْخِلَتْ سبايا آل النبي (صلى الله عليه وآله) الى الشام، حيث المدينة مبتهجة بقتل آخر ابن بنت نبي على وجه الأرض، انبرى شيخ شامي قارئ للقرآن وقد رفع عقيرته قائلاً: "الحمد لله الذي أهلككم، وأمكن الأمير منكم" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي، ج 45 – ص 129). يقول الإمام الشيرازي (رحمه الله): "كان أحد أهداف بني أمية هو محو وطمس حقيقة الإسلام وآثار النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وقد صرف معاوية بن أبي سفيان أموالاً طائلة للسيطرة على الحكم الإسلامي والأمة الإسلامية، ومحاربة الإمام أمير المؤمنين وشيعته. كان معاوية يريد ألا يبقى من الإسلام إلا الاسم الظاهري، وذلك ضمن الإطار الذي يخدم سلطته وملكه واستمرارية ذلك في عائلته، وقد أقسم مراراً بأن يطمس ذِكْر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويُدفَن اسمه الشريف، ويقتل ذريته ويجعلهم نسياً منسيا،. وقد سار يزيد بن معاوية على تحقيق هذا الهدف أيضاً." لكن مع كل ذلك القمع والقهر والبطش، ومع كل التزييف والانحراف والتشويه، كان الإمام السجاد (عليه السلام) يمضي بخطته الإصلاحية، دون كلل أو ملل، ودون رضوخ أو مساومة، رغم أنه كان في وسط أمة فقدت رشدها، حتى أنها تناقضت مع ذاتها، وتشوهت هويتها، وانحرف إيمانها، وجدفت بسنة نبيها، وقد وصف الإمام زين العابدين (عليه السلام) ذلك قائلاً: "أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمداً منها، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمداً منها، وأمسينا معشر أهل بيته مقتولين مشردين" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي، ج 45 - الصفحة 143). وهكذا؛ فإن سيرة الإمام علي زين العابدين (عليه السلام) ثرية بالعِبَر السامية والمواقف النبيلة والمحطات السامية، ومن رسائل هذه السيرة الكريمة والمباركة للمحتفين بالولادات الشعبانية المباركة تقول أن الإصلاح واجب، وأن التقاعس عنه لا ينم إلا عن رأي خاطئ أو فساد مستَتِر أو خنوع مُضمَر، في الوقت، أن مَنْ يزعم أنه يمثل الدين أو يحمي الدين أو إنه متدين، قد يكون ألد أعداء الدين .. فإن الإمام زين العابدين ظل يمارس عملية الإصلاح رغم الظروف الصعبة والسلطة الغاشمة وفي وسط مجتمع مشوَّه فكراً وسلوكاً، ومشوّه للدين والقيم. بالتالي، فإن الانفصام بين الإيمان وبين الواقع (من خلال عدم ممارسة القيم الإيمانية في الواقع) هو السبب الأبرز في صناعة واقعنا المأزوم؛ فإن المجتمع الذي يحتفي بالمصلح الموعود لكنه لا يرفض الظلم الذي يملأ الواقع، ويتقاعس عن نصرة المظلوم، ويهادن خيانة الأمانة، أو التهاون في المسؤولية .. هذا المجتمع هو مجتمع يعيش تناقضاً يعيق حركة الإصلاح الكبرى التي سيقودها الإمام المهدي (المصلح الموعود). إن الإمام المهدي هو التجسيد النهائي لوعد الله: "ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلما". فإن كل قيمة تعلمناها من قائد كربلاء الحسين وبطل كربلاء العباس وحامل كربلاء السجاد، هي حجر زاوية في بناء مجتمع "الانتظار الإيجابي" .. المجتمع الذي لا ينتظر العدل فحسب، بل يمارسه في سوقه وجامعته ومسجده وحوزته ومؤسسته وإدارته وسياسته .. وصولاً الى الظهور الموعود. |