![]() |
|
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان .. تغير الاتجاه وصراع السلطة
موقع الإمام الشيرازي 6 / شعبان / 1447
عاد المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان إلى واجهة الجدل السياسي والديني، بعد سنوات من الفراغ والشلل المؤسسي، وسط صراع مفتوح بين حركة أمل وحزب الله على رئاسته، في معركة تعكس عمق التداخل بين الديني والسياسي داخل الطائفة الشيعية اللبنانية، وتطرح أسئلة أوسع حول مستقبل المرجعيات الدينية الرسمية في المجتمعات المنقسمة. وبحسب تقارير إعلامية لبنانية، خرج الخلاف هذه المرة من إطار الكواليس إلى العلن، بعد فشل كل محاولات التوفيق بين الطرفين. يتمسك حزب الله بترشيح الشيخ علي الخطيب، في مقابل إصرار حركة أمل على الشيخ علي بحسون، في مواجهة توصف داخل الأوساط الشيعية بأنها «صفرية»، لا مكان فيها لتسويات وسطية أو شراكات تعويضية. مؤسسة لضبط التوازن .. ولكن! تأسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام 1969 بجهد مباشر من الإمام موسى الصدر، في سياق سعيه لتنظيم الشأن الديني والاجتماعي للطائفة الشيعية، ومنحها إطاراً مؤسسياً رسمياً داخل الدولة اللبنانية، أسوة ببقية الطوائف. وقد شكّل المجلس، منذ نشأته، مساحة توازن دقيقة بين الدور الديني والتمثيل الاجتماعي، بعيداً – نظرياً – عن الاستقطاب الحزبي المباشر. تعكس نشأة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى تحوّلاً بنيوياً في موقع الطائفة الشيعية، إذ مثّل انتقالاً من التهميش إلى الفعل المؤسّسي، وتعبيراً عن تطوّر الفكر الديني الشيعي نحو الانخراط في الشأن العامّ، ومحاولة للتوفيق بين الانتماء الطائفي والالتزام بالوحدة الوطنية اللبنانية (رضوان السيّد، الجماعات الإسلامية والدولة). في مراحل لاحقة، ولا سيما بعد غياب الإمام الصدر عام 1978، تحوّل المجلس تدريجياً إلى ساحة تجاذب سياسي، متأثراً بالحرب الأهلية اللبنانية، ثم بصعود القوى الشيعية المسلحة والحزبية، وصولاً إلى الثنائية السياسية التي تكرّست بعد اتفاق الطائف. وفي ظلّ الانهيار الاقتصادي الذي يشهده لبنان، برزت محدودية دور المجلس في تقديم حلول بنيوية، واقتصر حضوره غالباً على الخطاب الوعظي والمساعدات الاجتماعية الظرفية (أحمد بيضون، الطوائف في دولة ما بعد الطائف). ووفقاً للكاتب اللبناني ياسر إبراهيم، تسجّل تجربة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إشكاليّات عدّة، من أبرزها؛ تسييس الدين وربط المؤسّسة بصراعات السلطة، وتراجع الدور النقدي لصالح الدور التبريري، والانحصار الطائفي وضعف الانفتاح الوطني، وتراجع الثقة المجتمعية بالمؤسّسة الدينية. في هذا السياق، يرى رضوان السيّد في كتابه (الجماعة والمجتمع في لبنان) أن أزمة المؤسّسات الدينية تكمن في فقدانها وظيفتها الأخلاقية النقدية في المجال العامّ؛. معركة بلا خاسر… أم مجلس بلا دور؟ على مدى العقود الماضية، تراجع الدور الديني المستقل للمجلس، لصالح أدوار سياسية وتنظيمية متشابكة، خصوصاً مع توسّع نفوذ الأحزاب داخل مؤسسات الطائفة. ومع غياب انتظام الانتخابات وتعطّل آليات التداول الداخلي، تراكم الفراغ الإداري والدستوري، ما أفقد المجلس جزءاً كبيراً من قدرته على أداء دوره كمرجعية جامعة. اليوم، يعكس الصراع الحالي على رئاسة المجلس محاولة لإعادة رسم خريطة النفوذ داخل المؤسسة، لا فقط لملء الشغور، بل لإعادة تركيب السلطة الدينية بما ينسجم مع موازين القوى السياسية القائمة. في هذا السياق، برز اقتراح قانون استثنائي أمام البرلمان اللبناني، يهدف إلى تنظيم انتخاب الهيئة الشرعية ورئيس المجلس وتعيين الهيئة التنفيذية، مع تعديل مواد أساسية من النظام الداخلي. وينص الاقتراح، ولمرة واحدة، على حصر الهيئة الناخبة بعلماء دين تجاوزوا سن الخمسين، وهو ما يضيّق القاعدة الانتخابية ويقلّص فرص المفاجآت خارج حسابات القوى النافذة. كما يتيح الاقتراح تجميد بعض المواد التي كانت تفرض انتخاب الهيئة التنفيذية، ما يفتح الباب أمام تعيينها مباشرة، في خطوة يراها منتقدون محاولة لـ«تفصيل» المؤسسة على قياس الرئيس المقبل، وضمان انسجام داخلي كامل، ولو على حساب التعددية. تفيد مصادر مطلعة بأن المعركة باتت صفرية بالكامل؛ فإنه مَنْ يخسر رئاسة المجلس يخرج نهائياً من المؤسسة، من دون منصب نائب رئيس أو أي صيغة شراكة. هذا المنطق، وإن أنهى الفراغ، يحمل في طياته مخاطر تتعلق بتحويل المجلس إلى مؤسسة أحادية الاتجاه، فاقدة لدورها التمثيلي الجامع. وتحذر أوساط دينية من أن حسم الصراع بهذه الطريقة قد يضعِف ما تبقى من الثقة الشعبية بالمجلس، ويكرّس صورته كمؤسسة سياسية بغطاء ديني، في وقت تواجه فيه المجتمعات الشيعية في المنطقة تحديات كبرى تتعلق بالفقر، والهجرة، وتراجع العدالة الاجتماعية، وتسييس الدين. انعكاسات وتداعيات لا يمكن فصل ما يجري داخل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عن ظاهرة أوسع في المنطقة، تتمثل في تآكل استقلال المؤسسات الدينية الرسمية، وتحولها إلى امتداد لصراعات السلطة. وهي ظاهرة مألوفة في دول تعاني من الفساد، وضعف الدولة، وهيمنة السلاح أو الحزب على المجال العام. من هنا، لا يقتصر الصراع على اسم رئيس أو مادة قانونية، بل يعكس سؤالاً أعمق: هل تبقى المؤسسات الدينية فضاءً أخلاقياً جامعاً، أم تتحول نهائياً إلى أدوات في معارك النفوذ؟ وهكذا؛ فإن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مثّل في مراحل معيّنة، رافعة اجتماعية وسياسية للطائفة الشيعية، لكنّه واجه تحدّيات بنيوية حدّت من قدرته على لعب دور وطني جامع في إدارة الأزمات، فقدرة المؤسّسة الدينية على الإسهام في الحلّ مرهونة باستقلاليّتها، وبمدى التزامها بوظيفتها الأخلاقية النقدية في خدمة المجتمع والدولة. واليوم، يقف المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أمام خيارين أحلاهما مرّ؛ فإما حسم سياسي ينهي الفراغ لكنه يكرس الهيمنة، أو استمرار الانقسام بما يهدد ما تبقى من دوره الرمزي والتاريخي. وفي الحالتين، يبدو أن الأزمة أعمق من خلاف على أسماء أو آليات انتخاب أو مواد قانونية، وتمسّ في جوهرها طبيعة العلاقة الملتبسة بين الدين والسلطة، حين تتحوّل المؤسسات الدينية من فضاءات جامعة ومرجعية أخلاقية إلى ساحات نفوذ وصراع سياسي. فالدين، حين يستدعى ليكون أداة في معارك القوة، يفقد تدريجياً قدرته على أداء دوره القيمي والتوحيدي، وتتحوّل الرمزية الدينية إلى غطاء للصراع بدل أن تكون مظلة جامعة للمجتمع. |