من كربلاء الشهادة الى الظهور الموعود بالعدالة


 

 

موقع الإمام الشيرازي

5 / شعبان / 1447

مَنْ سرّه أنْ يكون مِنْ أصحاب القائم فـ ليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق

مَنْ أراد أن يكون منتَظِراً حقيقياً، فليكن حسينيّاً في ورعه وشموخه ونبله وعطائه، وكالعبّاس في وفائه وثباته وشهامته، وسجادياً في سموه وشممه وأخلاقه، فإن الانتظار هو صناعة مجتمع يستحق الظهور الموعود الذي وعد الله به الأمم

 

شهر شعبان يحمل في طياته أنواراً مترابطة، تبدأ بولادة الإمام الحسين في اليوم الثالث، ثم أبي الفضل العباس في الرابع، ثم الإمام زين العابدين في الخامس، لتكتمل في الخامس عشر بمولد الإمام المهدي المنتظر. هذه ليست مجرد تواريخ متتالية في التقويم، بل هي مراحل في مسار إلهي واحد، يبدأ بإشعال نار الثورة الأخلاقية ضد الظلم في كربلاء، ويمتد عبر الزمن ليصل إلى وعد الخلاص الشامل عند ظهور القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت جوراً وظلماً.

الإمام الحسين (عليه السلام) هو نقطة البداية الحاسمة في هذا المسار. حيث إن ثورته لم تكن مجرد مواجهة قتالية أو سياسية، بل كانت إعلاناً جذرياً بأن الحياة مع الظالمين لا تستحق أن تُدعى حياة. يقول أبو عبد الله الحسين (عليه السلام): «إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما» (بحار الأنوار: ج44 – ص381). هذا الرفض القاطع للظلم لم يكن نهاية، بل كان زرع بذرة لا تموت. ففي الوقت الذي استشهد فيه هو وأهل بيته وأصحابه، ترك وراءه إرثاً يقول إن الثورة على الطغيان ليست حدثاً عابراً، بل هي مشروع مستمر ينتظر من يُكمله. وهو نفسه أشار إلى ذلك حين قال: «منا اثنا عشر مهدياً… وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحق، يحيي الله به الأرض بعد موتها» (عيون أخبار الرضا: ج2 – ص69). بهذه الكلمات فإن عاشوراء مقدمة استثنائية وضرورية للإصلاح العالمي الذي سيأتي به الإمام المهدي الموعود (عجل الله ظهوره).

ثم يأتي أبو الفضل العباس (عليه السلام) ليُجسد الجانب الثاني من هذا المشروع؛ حيث الوفاء المطلق والتضحية الكاملة في سبيل الحق. أبو الفضل كان حامل لواء في كربلاء، وكان رمزاً للذي يقف مع الإمام/المبدأ حتى النهاية، مهما كانت التضحيات. عندما قُطِعَت يمينه، ارتجز قائلاً: «والله إن قطعتم يميني .. إني أحامي أبداً عن ديني .. وعن إمام صادق اليقين» (مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: ج4 – ص108). هذا الثبات ليس فردياً، بل هو نموذج لكل من سيحمل راية الحق في آخر الزمان مع صاحب العصر والزمان. وقد وصف الإمام المهدي عمه أبي الفضل العباس؛ في زيارة الناحية المقدسة، بأنه «المواسي أخاه بنفسه، الفادي له، الواقي، الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه» (إقبال الأعمال لابن طاووس: ج3 – ص74). هذا الوصف ليس تكريماً تاريخياً فقط، بل هو إعلان بأن أنصار الإمام القائم يجب أن يحملوا نفس الروح؛ روح الإيثار التام، والدفاع عن الإمام/المبدأ بكل ما أوتوا، والاستعداد لتقديم كل شيء في سبيل إقامة العدل.

أما الإمام زين العابدين فيأتي ليُكمل الدورة من خلال حفظ الرسالة وبناء الإنسان الصالح الذي يستحق أن يعيش في دولة العدل. بعد كربلاء، لم يكن دوره القتال، بل كان نقل المعاني والقيم، وتوثيق المأساة، وتربية جيل يفهم قيمة التضحية ويحافظ على جذوة الثورة حية في القلوب. مما يظهر من هذا الدور قوله (عليه السلام): «صدقة السر تطفئ غضب الرب» (بحار الأنوار: ج46 - ص88)، وكان يحمل الخبز على ظهره ليلاً ليتصدق به سراً. هذا السلوك ليس زهداً فردياً فحسب، بل هو بناء لمجتمع يقوم على الإخلاص والرحمة والعدل الداخلي قبل الخارجي. وهو نفسه أشار إلى الإمام المهدي المنتَظَر بقوله: «القائم منا تخفى ولادته على الناس… ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة» (كمال الدين: ص 302). بهذا الكلام وضع الإمام زين العابدين أساساً فكرياً وروحياً؛ أساس يؤكد أن الانتظار ليس سلوكاً أو انكفاء أو انعزالا سلبياً، بل إعداد داخلي، وتربية على القيم التي ستكون أرضية صلبة لدولة الإمام المُنتَظَر (عجّل الله ظهوره).

هكذا تتكامل الشخصيات الثلاث في مسار واحد .. سيد الشهداء الحسين يُشعل الثورة ويعلن رفض الظلم إلى الأبد، والعباس يُجسِّد الوفاء والتضحية التي لا تتزعزع، وعليّ زين العابدين يحفظ الرسالة ويبني الإنسان الذي يصلح للعيش في عصر العدل القادم. كل واحد منهم يُمهِد بطريقته للمشروع الكبير الذي سيكمله الإمام المهدي. فإن ثورة سيد الشهداء الحسين ليست منفصلة عن ظهور المخلَِص الموعود، بل هي أصلها وأساسها، وإن وفاء أبي الفضل العباس ليس حدثاً تاريخياً مغلقاً، بل هو نموذج لأنصاره في آخر الزمان، كما أن حِفْظ الإمام زين العابدين للمعاني ليس مجرد توثيق، بل هو إعداد لقلوب تشتاق إلى العدل وتستعد له.

وهكذا؛ فإن احتفائنا بهذه الشخصيات النبوية الأربعة في شهر شعبان، إنما نحن نحيي ذكرى ماضٍ مجيد، ونجدد العهد بأن نهتدي بسيَر أنوار شعبان .. فـ نرفض الظلم بكل صوره وأياً كان مصدره، ونجسد الوفاء والإيثار في تعاملاتنا، ونُعِد أنفسنا روحياً وأخلاقياً لنكون من الذين يُمهدون ليوم يملأ فيه الله الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً. فإن الطريق من كربلاء إلى الظهور ليس طريقاً طويلاً زمنياً فحسب، بل هو طريق قيمي وروحي، وكل واحد منا مدعو ليضيء فيه بقدر ما يستطيع.