الإمام موسى الكاظم .. تَصوّر أخلاقي للمسؤولية في زمن الاستبداد


موسى بن جعفر .. نموذج الدولة الأخلاقية خارج السلطة

 

موقع الإمام الشيرازي

24/ رجب / 1447

 

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(القصص: 83)

 

لا تقاس قيمة القادة والمصلحين بمدى اقترابهم من السلطة، بل بقدرتهم على صون المسؤولية حين تتحول السلطة إلى أداة استبداد. ففي الأزمنة التي تُفرَّغ فيها الدولة من بعدها الأخلاقي، وتُختزَل الوظيفة العامة في الامتياز والنفوذ، يبرز سؤال المسؤولية بوصفه جوهر الإصلاح لا ملحقه. ضمن هذا السياق التاريخي والسياسي المعقّد، قدّم الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) نموذجاً فريداً للمسؤولية الأخلاقية، لا يقوم على الحكم أو السيطرة، بل على الرعاية، وخدمة الإنسان، وتحمّل تبعات الولاية بوصفها تكليفاً اجتماعياً. هكذا تشكّلت تجربته في قلب الاستبداد العباسي، لا باعتبارها انسحاباً من الشأن العام، بل إعادة تعريف لمعناه من خارج السلطة.

الإمام

ورث الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عن أبيه، الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، خصال العلم والحلم والشجاعة والكرم والإباء وعزّة النفس ومساعدة المحتاج والصبر على الأذى، فكانت الدار التي وُلِدَ ونشأ بها في المدينة المنورة جامعة كبيرة تموج بالحكماء وأهل العلم، إذ يجيب والده عن أسئلتهم واشكالاتهم، دون التفات الى نِحَلِهم وأهوائهم، ومذاهبهم العلمية أو الفقهية، وكان بينهم كبار التابعين، الذين لم يدركوا الرسول الأكرم (عليه السلام)، لكنهم أدركوا أصحابه أو تابعي التابعين، أو الفقهاء المجتهدين، حتى تشرَّب الإمام العلم والمعرفة، من أصولها وأركانها.

وقد كانت الأمصار وقبائل العرب، ترسل أفضل أبنائها، للدراسة في جامعة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، التي أنشأها كأول مدرسة علمية في تاريخ المسلمين، حتى بلغوا الآلاف، ممن جمع دروسه في أربعمائة مجلد، سموها بالأصول الأربعمائة، حتى وصفه أبو حنيفة بـ"إمام الحق"، وأنه "أعلم الناس لأنه الأعلم باختلافهم"، إذ كان يدير الحوارات والنقاشات، الفقهية والفكرية والفلسفية باقتدار عجيب، ومن هذه الجامعة العلمية، خرجت المدارس الفقهية الإسلامية، وهي مدرسة "الحديث والسنة" لـ"مالك - إمام المالكية"، وهي مدرسة أهل المدينة، ومدرسة "القياس والرأي"، لـ"أبي حنيفة – إمام الحنفية"، وهي مدرسة أهل العراق.

وفي تلك الفترة، أخذت المدارس الفلسفية اليونانية تدخل ثقافة المسلمين، فوضع الإمام الصادق (عليه السلام) منهجاً لمواجهتها، وشملت اهتماماته أيضاً سائر العلوم، في الكيمياء والطب والصيدلة والفلك والرياضيات وسواها، ومن تلامذتها، العالم الشهير جابر بن حيان الكوفي، الذي كان رائداً في علم الكيمياء، وهو ما تثبته كبريات الجامعات والمتاحف الأوربية، في آثاره الشاخصة فيها، وفي جميعها يقول: "حدثني أستاذي ومولاي جعفر بن محمد".

ثم انتقل الإمام الصادق (عليه السلام) الى الكوفة، فيشيع فيها إشعاع العلم والمعارف، حتى يروي عنه فيها، مئات العلماء والفقهاء والمحدّثون، في تسعمائة حلقة درس، جميعهم يذكر "حدثني الإمام جعفر بن محمد"، وكانت تلك الجامعة العلمية الأولى في الإسلام، التي تواصلت الى يومنا هذا، من خلال الحوزات العلمية في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة وقم المقدسة، وقد قال مالك (إمام المالكية) في الإمام الصادق (عليه السلام): "ما رأت عين ولا سمعت اذن، ولا خطر على قلب بشر، أفضل من جعفر بن محمد، علماً وأدباً وعبادة وورعاً" (المناقب. ابن شهرآشوب، ج3، ص372)، حتى دُعِي بإمام الأئمة والفقهاء واستاذهم.

كان الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) أحسن الناس صوتاً في تلاوة القرآن الكريم، يبكي من خشية الله حتى تبتل لحيته بالدموع، وكان يطيل في سجوده تعبداً، حتى لُقِّبَ بالعبد الصالح، فكان بهذه الخصال الكريمة والفائقة، أهلاً للإمامة بعد أبيه، الذي أولاه رعاية خاصة، رغم أنه لم يكن أكبر أنجاله، فالأكبر كان "إسماعيل"، الذي شاءت حكمة الله أن يتوفاه في حياة والده، كي لا يحصل الاختلاف بين الناس في تعيين الإمامة، فقد نصَّ الإمام الصادق عليه لبعض خاصته، ربما لأسباب أمنية، فضلاً عن مقولته أنهم سيهتدون إليه، فمن المنطق أن لا تنتقل الإمامة الى اللاحق إلّا بعد وفاة السابق، ومع ذلك فقد تبع إسماعيل، بعض الناس، وهم الفرقة الإسماعيلية، التي لم تنقطع الإمامة فيهم، وقد تفرقت الى عدة فرق، قائمة الى يومنا هذا، وخاصة النزارية والبهرة والفاطمية، في بعض البلاد، كالهند والشام.

كان الظرف الأمني والسياسي، صعباً للغاية في فترة إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام)، بخلاف جل فترة إمامة أبيه الصادق (عليه السلام)، التي شهدت فترة انحلال الدولة الأموية واضمحلالها، ثم قيام الدولة العباسية، فالدول كحال دورة الإنسان في الطبيعة، تنشأ ضعيفة ثم يشتد عودها وتقوى، وتستقر لفترة، ثم يدب فيها الضعف، حتى زوالها.

استلم الإمام الكاظم (عليه السلام) مهام إمامته، في أقوى مراحل الدولة العباسية، والتي يعبر عنها التأريخ بـ"الفترة الذهبية"، إذ عاصر في إمامته، خلافة "المنصور والمهدي والهادي والرشيد"، فالدولة العباسية التي بدأت حركتها، في راياتها السوداء والدعوة الى الرضا من آل محمد، بمعنى الى إمام واجب الطاعة من آل البيت (عليهم السلام)، دون إشهار لتنظيماتهم وزعاماتهم، وقد بات الحكام العباسيون بدعم "وعاظ السلاطين"، وما ينشره إعلامهم المضلل، متزامناً مع سياسة قمع وترهيب، وكأنهم الأحق بالخلافة والحكم، دون سائر قريش وبني هاشم.

بهذه التركة الأمنية والسياسية الثقيلة، باشر الإمام الكاظم (عليه السلام) مهام إمامته، وقد تصدى لمهمته بكل شجاعة وكفاءة واقتدار، واضعاً استراتيجية عمل تتماهى مع متطلبات المرحلة وحاجاتها وضروراتها، لمهمة عليا ورسالة سامية، كان عنوانها الإصلاح المجتمعي والرعاية الاجتماعية، هدفها وغايتها، الفرد والإنسان والمجتمع، من خلال الاهتمام بأمور المسلمين، وقضاء حاجاتهم، والأخذ بيد الضعيف فـ "ليس منا من بات ليلته ولم يهتم بأمور المسلمين" (وسائل الشيعة: ج16 - ص337).

فالدولة في تلك المرحلة، كانت بعيدة عن هموم المجتمع، ومنشغلة عنه في السياسة، ورجالاتها منشغلون بامتيازاتهم الوظيفية، فكانت الفجوة قد توسعت بينهم وبين بسطاء الناس، وبذلك قد تحددت معالم مسؤولية الإمام الكاظم (عليه السلام)، وذلك يبين أن أدوار الأئمة الهداة، ليست منجمدة ضمن أهداف محددة، بل هي كحركة الحياة، تتنفس حاجات المرحلة ومتطلباتها، وتشترك وتتكامل مع بعضها، لتقدم نظرية متكاملة للعمل، ومنهج للحياة، وتلك هي الغاية العليا، لرسالة الإسلام وعقيدته.

المصلح

كان الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، قد اشترى ضيعة هي "اليسيرية"، وجعلها مركزاً لقضاء حاجات الناس، فكان يخاطب صاحبه هشام: "إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه ولا يعد ما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه" (الكافي: ج1 – ص20)، وبذلك تميزت حركة الإمام الاجتماعية، فكان (عليه السلام) يسعى إلى التأثير بالحكم وترشيده، من خلال وعظه ولاة المسلمين، وتوجيهم إلى جادة الصواب، ضمن مناظرات جريئة، لتصويب الأخطاء، إنْ في السياسة أو الفقه أو في القضاء.

الإمام الكاظم (عليه السلام)، بهذه المنهجية الإصلاحية، نشر ثقافة البر والإحسان، والتكامل الاجتماعي، والنفع العام والدعم الإنساني، ومسؤوليات الوظيفة العامة، كونها تكليف للخدمة، ووكالة عن المجتمع، وليست نافذة للإثراء غير المشروع، مترجماً بهذه الثقافة النبيلة، المعنى الحقيقي، للإنتماء لمدرسة أهل البيت (سلام الله عليهم)، والدخول بولايتهم، فليس كافيا لإظهار ذلك، حب آل البيت والتودد العاطفي لهم، الذي قد يدخل في باب الرياء المرفوض، "الذي أقلّه كفر"، كما يقول سيد الشهداء (عليه السلام)، فالآية الكريمة التي فرضت التودد لآل البيت ومحبتهم (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)(الشورى: 23)، لا تقبل ذلك بالعاطفة المجردة وحدها، وإنما بإقتران العمل والعاطفة والأفعال والسلوك، الفردي والمجتمعي. يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): "يقول مولانا اﻹمام بقيّة الله (عجل الله فرجه): "فليعمل كل امرئ منكم بما يقرّب به من محبّتنا." ومضمون كلام اﻹمام هو: إن محبّتكم لنا وإظهارها هو أمر حسن وفاضل، ولكن نيل مقام القرب منّا يتطلب العمل والالتزام باﻹسلام، وليس بإظهار المحبّة لنا فقط، فكما أن اﻹمام هو في طليعة الملتزمين باﻹسلام، فإن أساس وملاك نيل القرب منه (عجل الله فرجه) هو الالتزام بالعقائد واﻷحكام واﻷخلاق الإسلامية".

الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بهذا السلوك المجتمعي، الذي به يقترن الإيمان بالعمل الإنساني، يتحقق من خلال قبول الآخر، واحترام الاختلاف وثقافة اللاعنف، التي كانت شعار النهضة الحسينية، في سائر صفحاتها، من خلال الدعوة للإصلاح، ثم تولّى الإمام زين العابدين (عليه السلام)، مهمة الإعلام لهذا الفكر، ونشره والتثقيف عليه، خاصة من خلال موسوعته الفكرية والفقهية والعقدية الشاملة، في صحيفته المعروفة بالسجادية، التي اتخذ فيها من الدعاء، وسيلة ناجعة للتأثير والانتشار، عابرة لقيود السلطة وإجراءات القمع، ثم تبعها دور الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، في جوانب نشر العلوم الفقهية والصرفة والتطبيقية، وتأسيس الجامعة الفكرية والعلمية.

ثم تولّى الإمام الكاظم المهمة، والتي من مضمونها، أن مَنْ لا يحسن لإخوانه، ولا يسعى لقضاء حاجاتهم ومعونتهم، فهو ليس من أتباعه، ليكون الجميع، إزاء مسؤولياتهم المجتمعية والإنسانية، تحت عنوان "وقفوهم إنهم مسؤولون" (الصافات: 24).

رُوي عنه (عليه السلام): "من أتاهُ أخوهُ المؤمن في حاجةٍ، فإنما هي رحمة من الله ساقها إليه، فإن قَبِلَ ذلك فقد وصله بولايتنا، وهو موصول بولاية الله، وإن ردّه عن حاجته، وهو يقدر على قضائها، سلّط الله عليه شجاعاً من نارٍ ينهشه في قبرهِ إلى يوم القيامةِ، مغفوراً له أو معذّباً، فإن عذره الطالب كان أسوأ حالاً" (الكافي: ج2 - ص196).

باب الله

كان الإمام الكاظم (عليه السلام) يدفع الناس إلى التعلّم والتدبّر، والتحصيل في علوم الحياة، فيقول أن "الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد بالدرجات، على قدر عقولهم" (تحف العقول: ص54). فينشر الوصايا بذلك، إلى أتباعه المكلفين بالدعوة، من طبقة هشام بن الحكم، ليحضّ الناس إلى التحصيل العلمي، فيروي عن جدّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، أنه قد ذُكر عنده رجل كثير التعبّد، وفيه خصال الخير، فقال: "وماذا عن عقله". بمعنى هل يسعى للعلم، لتبيان أن السعي للعلم، في أعلى مراتب العبادة، وهي الوسيلة لعمل الخيرات، والانفتاح الواعي على المجتمع وحاجاته.

كما نشط الإمام الكاظم في قضاء حاجات الناس، من خلال مؤسسته الاجتماعية، فضلاً عن إشاعته ثقافة التكامل الاجتماعي، ليكون مثالاً ونموذجاً، فيوصي أتباعه: "إن لله تعالى تحت عرشه ظلّا، لا يسكنه إلّا من أسدى إلى أخيه معروفاً، أو نفّس عن كربته، أو أدخل على قلبه سروراً" (بحار الأنوار: ج71 – ص313). بذلك، تكون المسؤولية الاجتماعية، تكليفاً بحسب الكفاءة والمقدرة، فليس الغني كالمعسر، وليس القوي كالضعيف، فكانت مؤسسته ناشطة، في معونة طلاب العلم، ومعالجة المرضى، ومساعدة المحتاجين، والإنفاق على اليتامى والأرامل، ومساعدة المعسر، ورفع الحيف عن المظلومين.

وكان كل طالب حاجة، يدخل اليسيرية (ضيعة اشتراها الإمام الكاظم وجعلها مركزاً لقضاء حاجات الناس) فيخرج منها وقد قضيت حاجته، فكانت بحق أول مؤسسة للنفع الإجتماعي العام، في التاريخ الإسلامي، أو ما يصطلح عليه في الأدبيات المعاصرة، بمنظمات المجتمع المدني، وهي التي تتميز بها المجتمعات المتحضرة التي تحرص على تقديم الخدمة الاجتماعية، وهي مؤسسات غير ربحية، تنشط في توعية المجتمع وتأهيله، للحياة الأفضل، بتمويل وموارد تبرعية، ولا تسعى للسلطة، لكنها تشكل مجموعات ضغط، للتأثير في إصلاح الحكم وترشيده، ومواجهة انحراف الحاكم وفساد مؤسسات الدولة، وفي ذلك كان الإمام الكاظم يؤكد أنّ "أفضل الجهاد، كلمة حق عند إمام جائر" (كنز العمال: 5576).

كان الإمام الكاظم (عليه السلام) يتفقد الناس ليلاً، ليوصل لهم حاجاتهم، دون اضطرارهم لذلّ المسألة، ولا حتى معرفة المصدر، ولا يستثني في ذلك، خصومه ومَنْ يناصبه العداء والأذى، فيثبت أنه الكاظم للغيظ، وأنه العاف عن الناس، وفي ذلك معنى تلقيبه بالكاظم، وهذه السمات الكاظمية السامية والسامقة، حاضر بعضها في نظم المجتمعات المعاصرة المتحضرة، التي تضمن الحقوق، وتلبي الحاجات الإنسانية والمجتمعية، بلا تمييز أو استثناء، ودون أن يتحمل المحتاج، عناء الطلب والمسألة، والدولة أخيراً، تكون ضامنة للإنسان رعايته، في تلبية جميع احتياجاته، ومتطلباته في الحياة، وفي ذلك تقدم البلاد وازدهارها.

وعندما كانت الناس تسأل الإمام، كيف ينزل إلى الرجل الضعيف والدميم بنفسه، ليسأله حاجته، فيجيب (عليه السلام): "عبدٌ من عبيد الله، وأخ في كتاب الله، وجار في بلاد الله، يجمعنا وإياه خير الآباء آدم، وأفضل الأديان" (بحار الأنوار: ج75 - ص325). فهذه وليس غيرها، معنى الولاية للبيت المحمدي، فإن زكاة العلم نشره، وجميع ذوي القدرة والاقتدار، مكلفين برعاية إخوانهم، بتكليف شرعي، فالاكتفاء بالولاء العاطفي، وذرف الدموع، والمشاركة بمجالس العزاء الحسيني فقط، لا تكفي شرف الانتماء، لهذا البيت المحمدي الشريف والكريم.

كان الإمام موسى الكاظم في حياته ملجأ لعموم الناس، وبعد استشهاده كان ومازال وسيبقى "باب الله" الذي يؤتى لقضاء الحوائج، فإن "باب الحوائج" من أشهر ألقابه ذكراً، وأكثره شيوعاً، وانتشر بين العام والخاص.

فهذا الفقيه كمال الدين الشافعي، يقول بحق الإمام الكاظم: "لكثرة عبادته يسمى بالعبد الصالح، ويُعرَف في العراق بـ باب الحوائج إلى الله، تعالى، كراماته تحار منها العقول، وتفضي بأن له عند الله قدم صدق، لا يزال ولا تزول" (مطالب السؤول: ص83).

وإلى ذلك يذكر العلامة أحمد بن يوسف الدمشقي: "المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج، لأنه ما خاب المتوسل به في قضاء حاجاته، كراماته ظاهرة ومناقبه باهرة" (أخبار الدول: ص 112).

وكذا شيخ الحنابلة، الفقيه أبو علي الخلال، الذي يذكر أنه: "ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر، فتوسلت به، إلّا وسهّل الله لي تعالى ما أحببت" (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج1 - ص20).

ويذكر العلامة محمود البغدادي الحنفي: "سُمّي بالكاظم، لكظمه الغيظ، وكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل العراق، بباب قضاء الحوائج إلى الله، وكان أعبد أهل زمانه، وأعلمهم وأسخاهم"، كما ورد في (جوهرة الكلام، ص 139).

قال ابن شهر آشوب عند ذكره لألقابه: "الزاهر"، و"سمّي بذلك لأنّه زهر بأخلاقه الشريفة وكرمه المضيء التام" (المناقب: ج2 - ص212).

وكذا، المؤرخ النسابة، محمد أمين السويدي، في كتابه المعتبر، "سبائك الذهب في أنساب وقبائل العرب"، الذي يذكر أنه: "سمي كاظماً، لفرط تجاوزه عن المعتدين، له كرامات ظاهرة، ومناقب كثيرة".

وهكذا؛ تكشف تجربة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) أن المسؤولية لا تستمد مشروعيتها من الدولة، بل من الالتزام الأخلاقي تجاه الإنسان. ففي زمن الاستبداد، حين تنفصل السلطة عن العدالة، تتحول المسؤولية إلى فعل مقاومة هادئة، وإلى بناء بديل أخلاقي يحفظ المجتمع من الانهيار. لقد قدّم الإمام، من خارج الحكم، تصوراً عملياً للمسؤولية بوصفها رعاية، وعدلاً اجتماعياً، وتكافلاً إنسانياً، مؤكداً أن أخطر أزمات السياسة هو غياب الضمير عنها. ومن هنا، لا تبدو التجربة الكاظمية إرثاً تاريخياً فحسب، بل معياراً أخلاقياً صالحاً لقراءة الحاضر، واستعادة معنى المسؤولية في عالم تتضخم فيه السلطة وتضمر القيم.