![]() |
|
الإمام أمير المؤمنين .. الحقيقة دين والبحث عنها مسؤولية
موقع الإمام الشيرازي 23/ رجب / 1447
"فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" (الزمر: 17-18)
يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "لا تنظر إلى مَنْ قال، وانظر إلى ما قال" (غرر الحكم: 10189). هذا القول العَلَويّ من الحِكَمِ البليغة التي تجيب عن سؤال مهم: كيف يجب أن نفَكِّر؟! تحمل هذه الحكمة في طياتها دعوة عميقة إلى التفكير النقدي، وتقييم الأقوال بناء على مضمونها وصدقها، لا على هوية القائل أو انتمائه. عليه، هذه الحكمة العَلَويّة هي منهج فكري يسعى إلى تحرير العقل من قيود التحيز والتعصب، ودعوة لتوخي العدل والموضوعية في الحُكْم على الأفكار والآراء. وهكذا؛ فإن في هذه الحكمة، الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يلفت الأنظار الى ضرورة فصل المضمون عن الشخصية، أي تقييم الكلام بناء على معايير الحق والمنطق، لا على خلفية القائل. هذا المنهج يعكس رؤية عميقة تؤمن بأن الحقيقة قيمة مطلقة، لا تتغير بتغير الأشخاص أو الانتماءات. إنها دعوة لتحرير العقل من العوامل الخارجية التي قد تشوه الحكم، مثل العاطفة، أو الولاء القبلي، أو الانتماء الديني والمذهبي. رفض الحقيقة من الظواهر الإنسانية الشائعة أن يرفض بعض الحقيقة إذا صدرت من شخص لا يشاركهم في الدين أو المذهب أو القومية أو الجماعة. هذا الرفض ينبع غالباً من التحيز العاطفي أو الخوف من الاعتراف بصواب الآخر، مما قد يهزّ اليقين الذي يتمسكون به. على سبيل المثال؛ قد يرفض شخص مسلم نصيحة حكيمة من مسيحي أو يهودي أو صابئي أو بوذي، لمجرد أن القائل ليس من دينه، حتى لو كانت النصيحة متفقة مع القيم الإسلامية. وهذا يتناقض مع نهج القرآن الكريم الذي يدعو إلى أخذ الحكمة من أي مصدر، كما في قوله تعالى: "فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" (الزمر: 17-18). أو قد يرفض شخص عربي رأياً منطقياً من شخص غير عربي، أو يرفض مواطن من دولة معينة فكرة من مواطن دولة أخرى بسبب الخلافات السياسية. هذا السلوك يعكس ضعفاً في التفكير النقدي، واعتماداً على الانتماء كمعيار للحكم بدلاً من المنطق والحقيقة. إنه نوع من "التعصب الأعمى" الذي يحجب الرؤية ويمنع الإنسان من الاستفادة من الحكمة والمعرفة. تصديق الباطل في المقابل، نجد أن بعضاً يميل إلى تصديق أي قول – حتى لو كان باطلاً – إذا صدر عن شخص من دينهم أو مذهبهم أو قوميتهم، أو جماعتهم. هذه الظاهرة تنبع من الولاء العاطفي أو الخوف من الانتقاد داخل الجماعة. على سبيل المثال؛ قد يتبنى شخص فتوى أو رأياً دينياً غير صحيح فقط لأنه صادر عن عالم من طائفته، حتى لو كان يتعارض مع النصوص الدينية أو المنطق. أو يدافع أنصار حزب سياسي عن قرارات خاطئة أو فاسدة فقط لأنها صادرة عن قائدهم، متجاهلين الأدلة على خطأ هذه القرارات. أو يصدّق أفراد قبيلة أو عائلة إشاعة كاذبة فقط لأنها صدرت من أحد أفرادها، دون التحقق من صحتها. هذا السلوك يعكس غياب الموضوعية وانحيازاً يقوم على "نحن" مقابل "هم"، مما يؤدي إلى تعزيز الانقسامات وانتشار المعلومات المغلوطة. إنه يتناقض مع دعوة الإمام (عليه السلام) إلى التركيز على المضمون بدلاً من الهوية. وهكذا، فإن رفض الحقيقة بسبب انتماء القائل الى غير ما ننتمي له، أو قبول الباطل لمجرد أنه صادر عن "واحد منا"، يعكس ضعفاً في التفكير وانحيازاً يضر بالفرد والمجتمع. بالتالي، في عالم يعاني من الاستقطاب والتعصب، بموازاة سيل من الأحداث والمعلومات تتدفق على مدار الساعة، تبقى كلمات (ومنهج) الإمام أمير المؤمنين منارة تهدي إلى طريق الحق والحكمة، داعية الى بناء مجتمع يقوم على المنطق والعدل، لا على العصبية والانقسام، وكل ذلك يستند الى العقل؛ فإنه "مَنْ لا عقل له لا دين له" (بحار الأنوار: ج1 – ص94). |