مرة أخرى .. احتجاجات في إيران


 

 

موقع الإمام الشيرازي

22 / رجب / 1447

 

برج آزادي – نصب الحرية شُيِّد في العام 1971 في العاصمة طهران بارتفاع يبلغ نحو 45 متراً

 

تدخل الاحتجاجات الشعبية في إيران أسبوعها الثالث، حيث بدأت في 28 ديسمبر 2025 كرد فعل على انهيار قيمة الريال الإيراني وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية بلغت 42%، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسبة 60-70%. ما كان في البداية احتجاجات اقتصادية محدودة في أسواق طهران، تحول تدريجياً إلى حركة احتجاجية واسعة النطاق تشمل مطالب تغيير سياسية جذرية. هذه الاحتجاجات، التي امتدت إلى أكثر من 340 موقعاً في 27 محافظة أو أكثر، تذكر بموجات سابقة مثل حركة "المرأة، الحياة، الحرية" في 2022، لكنها تتميز بسياق اقتصادي أكثر حدة وتأثير خارجي متزايد، خاصة مع تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل العسكري إذا استمر القمع.

بداية الاحتجاجات وانتشارها

اندلعت الشرارة الأولى في أسواق طهران، حيث أبدى التجار غضبهم من انهيار العملة، قبل أن تمتد إلى الطلاب والنساء والعمال في مدن مثل مشهد، وتبريز، وأصفهان، وشيراز، وكرج، وكرمانشاه، وأهواز، وغيرها. بحسب تقارير منظمة هرانا لحقوق الإنسان، سجلت الاحتجاجات في مئات المواقع، مع مشاركة طبقات اجتماعية متنوعة، بما في ذلك الأذريين والكرد والعرب والبلوش. في 8 يناير، أغلق بازار تبريز، وهو مركز اقتصادي رئيسي، تضامناً مع الإضرابات، مما يشير إلى توسع الحراك إلى مناطق الأقليات العرقية التي تعاني من تهميش تاريخي.

الكاتب العراقي جعفر عريان يصف هذا التحرك كانعكاس لفجوة جيلية عميقة: الجيل الأول، الذي ولد مع الثورة الإسلامية عام 1979، يرى فيها مشروعاً مقدساً يستحق التضحية، بينما الجيل الجديد، المتأثر بالعولمة والإنترنت، يطالب بحياة طبيعية: فرص عمل، وحرية سفر، وكرامة فردية. هذا الجيل "لا يهتف بل ينسحب، لا يواجه بل يتجاهل"، مما يسحب شرعية النظام تدريجياً. أما الكاتب اللبناني مصطفى فحص، في مقالته "إيران: الحذر المحسوب"، يرى أن الحراك لم يصل بعد إلى مستوى "الانتفاضة" الشعبية الكبرى، لكنه الأخطر على النظام منذ تأسيسه، بسبب الظروف الداخلية والحذر الذي يمارسه الأطراف المعارضة داخل وخارج النظام، خاصة الجماعات العرقية مثل الأذريين الذين يخشون أن يصبحوا أداة في صراع فارسي-فارسي.

قتلى ومعتقلون

حتى اليوم، 11 يناير 2026، أفادت منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة حقوق الإنسان الإيرانية (مقرها النرويج) بمقتل ما لا يقل عن 538 شخصاً، بينهم 490 متظاهراً و48 عنصراً أمنياً، مع إصابة آلاف آخرين. هذا الرقم يمثل ارتفاعاً حاداً عن التقديرات الأولية التي كانت تتحدث عن 28-51 قتيلاً في الأسبوعين الأولين، ويشمل أطفالاً ومارة أبرياء. منظمة العفو الدولية تحذر من أن القيود على الإنترنت تحول دون التحقق الكامل، لكن شهادات العائلات ومقاطع الفيديو المهربة تؤكد استخدام الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي.

كما أفادت وكالة هرانا باعتقال أكثر من 2277 شخصاً، مع تقارير عن اقتحام المستشفيات لاعتقال الجرحى، مما يعقد الرعاية الطبية. في 10 يناير، أعلن القاضي الأعلى غلام حسين محسني إجهي عدم التساهل مع مَنْ أسماهم بـ "المخربين"، محذراً من عقوبات قاسية. هذا التصعيد يذكر بـ"الجمعة الدامية" في 2022، حيث قتل أكثر من 550 شخصاً.

انعكاسات وتداعيات

منذ مساء 8 يناير، فرضت السلطات انقطاعاً شبه كامل للإنترنت في جميع أنحاء البلاد، يستمر لأكثر من 60 ساعة حتى الآن، وفقاً لمنظمات مثل نت بلوكس وكلاود فلير. هذا الإجراء، الذي يعتبر الأوسع منذ احتجاجات 2022، يهدف إلى منع توثيق الأحداث وتنسيق المتظاهرين، مما أدى إلى انخفاض تدفق المعلومات بشكل كبير. رغم ذلك، تسربت مقاطع فيديو عبر الأقمار الصناعية تظهر حرائق في مبان حكومية ومواجهات عنيفة. محمود أميري مقدم، مدير منظمة حقوق الإنسان الإيرانية، حذر من أن "خطر تصاعد العنف بعد قطع الإنترنت أمر جدي للغاية".

على الصعيد الدولي، أعربت دول غربية مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وألمانيا، وفرنسا عن "قلق عميق" من العنف، مطالبة باحترام حق التظاهر السلمي. الرئيس الأمريكي ترامب هدد بالتدخل العسكري إذا حدثت "مجزرة"، ومن المقرر أن يتلقى إحاطة يوم الثلاثاء حول خيارات الرد. من جهتها، منظمة الأمم المتحدة أكدت حق الشعوب في التظاهر، محذرة من تأثير الإغلاق على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

المجلة الأمريكية "ذا أتلانتيك" ترى في تحليل أن هذه الاحتجاجات فرصة نادرة للتغيير. وجاء في التحليل أن إيران شهدت خلال العقدين الماضيين موجات احتجاج واسعة، من الحركة الخضراء عام 2009، إلى احتجاجات البنزين عام 2019، وصولاً إلى انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022. ورغم أن جميع هذه الموجات قوبلت بقمع شديد، فإن محللي "ذا أتلانتيك" يرون أن ما يميّز احتجاجات اليوم هو سياقها: فإن النظام لا يواجه أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة فحسب، بل يتعرض في الوقت نفسه إلى ضغط خارجي غير مسبوق.

أما "واشنطن بوست"، فقد حذرت في مقال من أن كل موجة قمع تزرع بذور الاحتجاج التالي. وأشار الى أن ما يجري انتفاضة جديدة قد عادت بعد ثلاث سنوات على الرغم من السحق العنيف للتمرد السابق، وهي انتفاضة بلا قيادة واضحة، وربما بلا بوصلة، لكنها قوية التأثير. وأضاف أن الثورات لا يمكن التنبؤ بها، وأن الانقسامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية العميقة في إيران بلغت حدًا بات فيه "من الواضح أن شيئاً ما، في مكان ما، سينهار بالكامل في نهاية المطاف".

في السياق، قارنت صحيفة "الإندبندنت" يجري في إيران بالثورة الفرنسية، محذرة من تداعيات إقليمية إذا انهار النظام. يرى الكاتب إن ملامح الاضطراب تبدو واضحة على النظام الإيراني، بعد أن شهدت الأسابيع الأخيرة خروج مئات الآلاف من المحتجين إلى الشوارع، تعبيراً عن استياء من حالة تدهور حاد للأوضاع الاقتصادية، بسبب العقوبات الدولية التي أدت إلى انهيار سعر العملة الوطنية وارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية.

وهكذا، فإن إيران اليوم على حافة تحول لا تتضح معالمه، حيث يريد الشعب حياة طبيعية بعيداً عن الفقر والبطالة وغلاء المعيشة وانهيار العملة والأزمات مع دول المنطقة وأجزاء أخرى من العالم.