![]() |
|
|
عهد الإمام أمير المؤمنين إلى مالك الأشتر .. خارطة طريق لبناء دولة مدنية عادلة
موقع الإمام الشيرازي 21/ رجب/ 1447
يشكّل عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر واحدة من أعظم الوثائق السياسية في التاريخ الإسلامي، لما يتضمنه من رؤية شاملة للحكم العادل وتنظيم شؤون الدولة والمجتمع. هذه الوثيقة لا تقدّم نصائح أخلاقية مجردة، بل ترسم نموذجًا متكاملاً للحكم الصالح، يمكن لأي دولة تطمح للنهوض أن تستلهم منه مبادئ ثابتة وعملية. العهد يطرح تصورًا عمليًا لدولة مدنية تقوم على العدالة وسيادة القانون، وتوازن بين السلطة والمسؤولية، وتربط الشرعية السياسية بخدمة الناس لا بالهيمنة عليهم. ومن خلال قراءته، يمكن استخلاص خمسة مرتكزات أساسية لبناء نظام حديث يسعى إلى الاستقرار والتنمية. المبدأ الأول: العدالة وسيادة القانون أساس الدولة العدل هو الركيزة الأولى في مشروع الإمام للحكم، وهو شرط بقاء الدولة واستقرار المجتمع. يبدأ العهد بتأسيس علاقة رحيمة وعادلة بين الحاكم والرعية: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق». ويؤكد على إقامة الحكم على أساس الحق: «فإن الناس إنما يصلحون بعمل ولاتهم، ويقيمون لهم ما أقاموا عليهم». ويحذّر من الظلم الذي يهدم الدول: «وإيّاك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شيء أدنى لنقمة، ولا أعظم لتبعة، ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حق». بهذا يضع الإمام قاعدة الدولة المدنية: لا شرعية بلا عدل، ولا حكم بلا رحمة، ولا دولة مع ظلم. وهذا المبدأ يوازي اليوم سيادة القانون والمساءلة والتزام الحاكم بالحقوق العامة. المبدأ الثاني: الكفاءة والنزاهة معيار تولي المسؤوليات يحدّد الإمام معايير صارمة لاختيار المسؤولين، تقوم على الخبرة والنزاهة لا الولاء أو المحاباة: «ثم انظر في أمور عمالك، فاستعملهم اختبارًا، ولا تولِّهم محاباةً وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة». ويشدد على الصفات المطلوبة: «واخترهم من أهل التجربة والحكمة والحياء، من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام». كما يشدد على الرقابة المؤسسية: «ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية». هذه المعايير تترجم اليوم إلى إدارة عامة مهنية، وشفافية، ومساءلة المسؤولين، حيث لا مكان للمحاباة أو المحاصصة السياسية. المبدأ الثالث: محاربة الفساد وحماية المال العام كان الإمام شديد الحزم في مواجهة الفساد المالي والإداري، وجعل حماية المال العام واجبًا شرعيًا وسياسيًا: «وإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة، اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدًا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله». ويؤكد أهمية المال العام في استقرار الدولة: «ثم أشبع القوم من المال، فإنه دعامة للدين، وقوة للعامة، ولا غنى بالناس عنه». ويرفض التهاون مع الفاسدين: «ولا تشفعن في حد، ولا تطلبن إعفاء أحد مما أوجبه الله عليه، فإن في ذلك إضاعة للحقوق وإفسادًا للدولة». هذا المبدأ يوازي اليوم مكافحة الفساد، حماية الموارد العامة، والمساواة أمام القانون. المبدأ الرابع: وحدة القرار وقوة المؤسسات ينبّه الإمام (عليه السلام) إلى ضرورة وحدة القيادة واتساق القرار، لأن تشتت القرار يؤدي إلى ضعف الدولة وانهيار مؤسساتها: «إياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابن فيما لهم فيه حق، فخذ الحق منهم، وأعطه لهم، وأمضه على ما يكون لله رضًا، فإن ذلك من أعظم ما يعمر به الدول». ويؤكد أهمية التنظيم وعدم تراكم الفوضى: «وأمض لكل يوم عمله، فإن لكل يوم ما فيه، ولا تؤخرن عمل يوم لغده». ويحذر من الاستعانة بالمستشارين أصحاب الأهواء: «ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ولا جبانًا يضعفك عن الأمور، ولا حريصًا يزيّن لك الشره». هذه النصوص تشكّل أساس الدولة المؤسسية الحديثة التي تقوم على وضوح الصلاحيات واتساق القرار، بعيدًا عن الأهواء الفردية. المبدأ الخامس: اقتصاد منتج وعدالة اجتماعية يرى الإمام (عليه السلام) أن قوة الدولة تقوم على الإنتاج ورعاية الطبقات المنتجة والضعيفة: «وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحًا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم». ويصف الفلاحين والعمال بأنهم: «عماد الدين وجماع المسلمين، ولا شيء أحرى من عمارة الأرض». كما يؤكد على العدالة الاجتماعية وحماية الضعفاء: «الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم… واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد». «فإذا شَكَوْا ثِقلاً أو علةً أو انقطاعاً من عمل، فخفف عنهم بما ترجو أن يصلح أمرهم». هذا تصور متقدم لدولة توازن بين الاقتصاد المنتج والتنمية الاجتماعية والعدالة الاقتصادية. خاتمة يكشف عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر عن منظومة حكم متكاملة تقوم على العدالة، والكفاءة، ومحاربة الفساد، ووحدة القرار، والتنمية العادلة. إن هذه المبادئ ليست مجرد نصائح تاريخية، بل أسس صالحة لبناء أي دولة حديثة مستقرة وعادلة. ويطرح العهد سؤالًا سياسيًا معاصرًا لا يمكن تجاهله: إذا كان هذا التصور موجودًا في تراثنا السياسي منذ قرون، فلماذا فشلت أنظمتنا الحديثة في تجسيده؟ إن قراءة هذا العهد اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل محاولة جادة لإعادة التفكير في مستقبل الدولة، على أسس أخلاقية ومؤسسية قادرة على إنتاج حكم عادل ومستقر. |