![]() |
|
الطغاة .. تشابه في الممارسات والنهايات
موقع الإمام الشيرازي 18/ رجب / 1447
(فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) (النازعات: 37-39)
الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "بئس الاستعداد الاستبداد" (غرر الحكم: ص346)
لا يُفهَم الاستبداد بوصفه انحرافاً فردياً معزولاً، بل كنظام حكم متكامل يقوم على احتكار السلطة، وتدمير المجال العام، وإلغاء التعدد، وتحويل الدولة إلى أداة لإدامة السيطرة. هذا الفهم البنيوي للاستبداد هو ما يفسر تشابه الطغاة عبر التاريخ، رغم اختلاف الأيديولوجيات والسياقات الثقافية، كما يفسر في الوقت ذاته حتمية سقوطهم، ولو بعد حين. في هذا السياق، تلتقي تحليلات مفكرين غربيين مثل هانا أرنت ونوربيرتو بوبّيو وفرانسيس فوكوياما مع النقد الأخلاقي–السياسي الذي قدّمه المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، رغم اختلاف المنطلقات الفكرية. فجميعهم، بطرق مختلفة، ينظرون إلى الاستبداد باعتباره نظاماً مضاداً للإنسان، ومعادياً للعقل الجمعي، وغير قابل للاستمرار التاريخي. إدارة الخوف ترى هانا أرنت، في عملها المرجعي "أصول الشمولية"، أن جوهر الأنظمة التسلطية لا يكمن فقط في القمع المادي، بل في تدمير قدرة الأفراد على الفعل السياسي المستقل، أي تحويلهم إلى كتل معزولة خائفة، فاقدة للثقة ببعضها البعض. هذا ما وصفته أرنت بتدمير "المجال العام"، حيث يُلغى الفضاء الذي يمكن فيه للناس أن يفكروا ويتحاوروا ويعارضوا. هذا التحليل يلتقي بوضوح مع تشخيص الإمام الشيرازي(قده)، حين يقول إن "من أساليب الدكتاتورية تحطيم إرادة أولئك الذين يحاولون المقاومة بإلصاق التهم بهم وقتلهم وسجنهم وإبعادهم ومصادرة أموالهم وزرع الفرقة بينهم". فإن الهدف هنا ليس إسكات المعارض فحسب، بل تفكيك أي إمكانية لتشكل وعي جماعي قادر على تحدي السلطة. ويذهب المستبد أبعد من ذلك، عبر خلق شعور عام باليأس السياسي. وكما يلاحظ الإمام الشيرازي، يسعى الدكتاتوريون إلى إقناع الناس بأنهم "جاؤوا ليبقوا"، وأن زوالهم مستحيل. هذا الوهم، الذي حلّلته أرنت بوصفه إلغاءً لفكرة البديل التاريخي، هو شرط أساسي لاستمرار الطغيان، لأنه يفرغ المعارضة من معناها قبل أن تبدأ. يشير نوربيرتو بوبّيو، أحد أبرز منظّري الديمقراطية في القرن العشرين، إلى أن الفرق الجوهري بين الحكم الديمقراطي والاستبدادي يكمن في الاعتراف بتعدد العقول والآراء. فإن الديمقراطية، في نظره، ليست مجرد آلية انتخابية، بل نظام يقوم على قبول الاختلاف، وعلى الاعتراف بأن الحقيقة السياسية لا يمكن أن تُحتكر من قبل فرد أو حزب واحد. من هنا تكتسب مقولة الإمام الشيرازي أهمية خاصة حين يؤكد أن "مجموع العقول خير من العقل الواحد"، وأن "الحق للناس"، متسائلاً: "بأي حق يسلبهم الدكتاتور حقهم؟". فإن الاستبداد، وفق هذا المنظور، ليس فقط مصادرة للسلطة، بل اغتصاب حق المجتمع في التفكير والمشاركة وصناعة القرار. ولكي ينجح هذا الاغتصاب، يعمد الدكتاتور إلى إحاطة نفسه بما يسميهم الإمام الشيرازي بـ "الإمعات"، أي أولئك الذين يُقدَّمون بوصفهم ممثلي الشعب، بينما يتم إقصاء النخب الفكرية والسياسية المستقلة إلى السجون أو المنافي أو العزلة القسرية. هذه الظاهرة تتقاطع مع ما يسميه بوبّيو "تزييف التمثيل السياسي"، حيث تتحول المؤسسات إلى واجهات شكلية بلا مضمون ديمقراطي. تدمير الدولة من الأخطاء الشائعة في تبرير الطغيان الاعتقاد بأن الاستبداد، رغم قسوته، قادر على تحقيق الاستقرار أو التنمية. غير أن التجربة التاريخية، كما يبيّن فرانسيس فوكوياما في أعماله حول بناء الدولة والحوكمة، تشير إلى العكس تماماً. فإن الدولة القوية ليست تلك التي تملك أجهزة قمع فعّالة، بل تلك التي تخضع فيها السلطة للمساءلة، وتعمل المؤسسات وفق قواعد عامة لا أهواء شخصية. هنا يبرز قول الإمام الشيرازي(قده) إن "الاستبداد لا يولد إلا التأخر والحرمان، والمستبد يهلك نفسه وغيره معاً". فإن الاستبداد، حتى حين يبدو صلباً، يُضعِف الدولة على المدى الطويل، لأنه يدمر الثقة، ويشجع الفساد، ويقضي على الكفاءة. بالتالي، ليس مصادفة أن الأنظمة الاستبدادية غالباً ما تفشل في تحقيق رفاه مستدام لشعوبها، حتى حين تمتلك موارد ضخمة. ويذهب الإمام الشيرازي إلى ملاحظة أكثر عمقاً حين يقول إن "من طبيعة الاستبداد اضطهاد كل الطبقات حتى الطبقة الحاكمة باستثناء فرد الحكم". وهذه الفكرة تتوافق مع ما يسميه فوكوياما "الدولة الزبائنية"، حيث يصبح الجميع، بمن فيهم المقرّبون من السلطة، رهائن لمنطق الخوف والولاء القسري. وفي السياقات التي يُستخدم فيها الدين لتبرير الاستبداد، تتضاعف خطورة الطغيان. فإنه حين يُقدَّم القمع بوصفه واجباً شرعياً أو ضرورة لحماية "الدين أو الفكرة أو المشروع أو الدولة"، يصبح الاعتراض عليه فعلاً لا سياسياً فقط، بل أخلاقياً محرّماً. من هنا تأتي أهمية موقف الإمام الشيرازي الذي يصرّح بوضوح أن "أي نوع من الاستبداد والفردية وديكتاتورية الحزب الواحد" محرّم شرعاً، لأنه تضييع لحقوق الناس. هذا الموقف ينسجم مع نقد فوكوياما للأنظمة التي تخلط بين الشرعية الأيديولوجية واحتكار السلطة، إذ يرى أن غياب التعدد والمساءلة يقود حتماً إلى الفشل، مهما كانت الشعارات المرفوعة. سقوط الطغاة رغم قدرة الأنظمة الاستبدادية على البقاء لفترات طويلة، إلا أنها تحمل في داخلها بذور فنائها. فإن الحكم القائم على القمع والتخويف والإرهاب، كما يقول الإمام الشيرازي، "لا يمكن أن يبقى"، وهي فكرة تجد صداها عند أرنت، التي رأت أن الأنظمة الشمولية تنهار حين تعجز عن مواصلة تعبئة الخوف بالكفاءة ذاتها، أو حين تفقد قدرتها على التحكم الكامل بالمجتمع. السقوط، في هذا المعنى، ليس حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة تراكمية لعزلة النظام، وتآكل شرعيته، وانفصاله المتزايد عن المجتمع. وهكذا؛ فإن تبرير الاستبداد، مهما تنوّعت ذرائعه، ليس سوى محاولة لتأجيل مواجهة الحقيقة؛ فإن الطغيان نظام ضد الإنسان، وضد العقل، وضد التاريخ، وما تشابه الطغاة في ممارساتهم، إلا دليل على تشابه نهاياتهم. وهكذا؛ فإن الدرس الذي يتكرر، من الشرق إلى الغرب، هو أن الشعوب قد تُهزَم مؤقتاً، لكنها لا تُلغى. أما الدكتاتوريات، فمهما ادّعت القوة والسطوة والخلود، تبقى ظواهر عابرة في مسار التاريخ. ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(القصص: 83) |