![]() |
|
سقوط طاغية .. انتصار للحرية وتوبيخ لبقية الطغاة
موقع الإمام الشيرازي 17/ رجب/ 1447
سقوط الطاغية يؤكد أهمية حقوق الشعوب، وإن الحرية ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على الكرامة الإنسانية، كما يؤكد أن الطغيان يحمل في داخله بذور فنائه
لحظة إسقاط تمثال صدام ببغداد في 9 أبريل (نيسان) 2003
ليس سقوط الطغاة حدثاً لحظياً يقاس فقط بإعلان تنحٍّ أو مشهد اعتقال، بل هو قبل ذلك عملية تاريخية طويلة تبدأ بانهيار الشرعية، وتآكل الخوف، وانكشاف الكذب، وانفضاض الناس عن الوهم. بهذا المعنى العميق، فإن نيكولاس مادورو قد سقط منذ زمن، حتى لو ظل جالساً على كرسي الحكم بقوة القمع والتحالفات والإنهاك الاجتماعي. إن حق الشعوب في الحرية والعدالة والكرامة ليس منحة من حاكم، ولا امتيازاً ظرفياً تمنحه موازين القوى، بل هو حق أصيل سابق على الدولة والسلطة والقانون. وكل نظام يقوم على نفي هذا الحق، مهما تلحف بشعارات الثورة أو مقاومة الاحتلال أو الدفاع عن السيادة، إنما يعلن – عملياً – خروجه من التاريخ الأخلاقي للإنسان. الطغيان .. آليات البقاء والسقوط تبدو الأنظمة الاستبدادية، في ظاهرها، عصية على الانهيار. فهي تسيطر على الجيش، وتحتكر الإعلام، وتعيد تشكيل الاقتصاد بوصفه أداة إخضاع، وتحول الولاء إلى شرط للبقاء. لكن التاريخ – وسنن الاجتماع السياسي – يثبتان أن الطغيان يحمل في داخله بذور فنائه. كما يبين مارسيل ديرسوس في كتابه "كيف يسقط الطغاة .. وكيف تنجو الأمم"، لا يسقط الاستبداد بسبب عامل واحد، بل نتيجة تراكم طويل من الأخطاء والضغوط والتصدعات الداخلية. فإن الخوف الذي ينتج الطاعة، ينتج أيضاً الخيانة. وشبكات الولاء الشخصية تتحول، عند أول اختلال، إلى شبكات تصفية. وإن الأنظمة التي تحكم بالقمع تفقد، مع الوقت، قدرتها على الدفاع عن نفسها عندما تتغير كلفة الولاء داخل مؤسساتها. وفقاً للكتاب، يثبت التاريخ أن الأنظمة الاستبدادية، مهما بدت قوية، تحمل بذور سقوطها. فإن الطغاة يسقطون غالباً بسبب الخيانات الداخلية، الانتفاضات الشعبية، أو التدخلات الخارجية. أمثلة مثل سقوط نيكولاي تشاوشيسكو في رومانيا بسرعة مذهلة، أو انهيار صدام في العراق بدخول الجيش الأمريكي في 2003، أو معمر القذافي في ليبيا عام 2011، تؤكد أن الاعتماد على القمع يؤدي إلى هشاشة النظام. في هذا السياق، لا يكون الجيش دائماً حامياً للطغيان، بل كثيراً ما يصبح بوابة نهايته. ولا تكون النخب الحاكمة درعاً دائماً، بل تتحول إلى عبء عندما تدرك أن بقاء الطاغية بات خطراً عليها. من الشعبوية إلى السلطوية سبق مادورو رئيس فنزويلا الواحد بعد الستين هوغو تشافيز (28 يوليو 1954 – 5 مارس 2013)، الذي صار رئيساً للبلاد في 2 فبراير عام 1999. تشافيز كان خطيباً مفوهاً، يجيد تحويل أفكاره إلى خطب شعبوية، وهو مثقف أحاط نفسه بالشعراء والأدباء. قدم تشافيز برنامجاً تلفزيونياً أسبوعياً يتحدث فيه بلا توقف في 8 ساعات. بالتأكيد، كان هناك فارق كبير بين الثرثرة والحقائق على أرض الواقع، حيث زاد الفقر والبطالة والاعتقالات. كان سعر صرف الدولار "بوليفارين اثنيْن"، ونجح "الثائران" تشافيز ثم مادورو في تدمير اقتصاد بلدهما وانهيار العملة إلى 500 بوليفار للدولار، وبسبب الفقر هاجر أكثر من 5 ملايين فنزويلي! ورث نيكولاس مادورو نظاماً شعبوياً أنهكه الاستهلاك الأيديولوجي، وقاده نحو سلطوية بلا كاريزما. فإذا كان هوغو شافيز قد حكم بالتحشيد والرمزية واللغة الثورية، فإن مادورو حكم بالخوف والإدارة القسرية للأزمات. تحولت فنزويلا في عهد مادورو إلى جهاز سيطرة قام بعسكرة السياسة وربط الامتيازات الاقتصادية بالولاء العسكري، وتفريغ الانتخابات من معناها مع الحفاظ على شكلها، وقمع انتقائي يدير المعارضة بدل أن يقضي عليها، اقتصاد ندرة يحوّل الغذاء والدواء إلى أدوات إخضاع. وهكذا لم تعد الاشتراكية وعداً بالعدالة من أجل الشعب، بل وسيلة لبقاء الحاكم/الطاغية. ولم تعد الثورة مشروع تغيير، بل طقساً خطابياً لتبرير القمع. سقطت الشافيزية كإيمان، وبقيت كقشرة. في السياق، لا يوجد استفتاء أصدق من هجرة الملايين. فإنه حين يترك أكثر من سبعة ملايين فنزويلي بلدهم، فإنهم لا يصوّتون ضد حكومة بعينها فحسب، بل يصدرون حكماً أخلاقياً نهائياً على نظام كامل. الهجرة هنا ليست خياراً اقتصادياً فقط، بل فعل اتهام سياسي، والهجرة هنا أيضاً اتهام للطغيان، وسوء الإدارة، والفساد، وانسداد الأفق. على هذا، كل نظام يدفع شعبه إلى المنفى، يفقد – موضوعياً – أي ادعاء بالشرعية، مهما كثرت شعاراته. سقوط .. معنى يتجاوز اللحظة من أكثر المشاهد فجاجة في سياق سقوط مادورو، دفاع بعض تيارات الإسلام السياسي عن مادورو، بحجة "القانون الدولي" و"السيادة"، في الوقت الذي باركوا فيه احتلال روسيا لأوكرانيا، ودمار مدنها، وقتل عشرات الآلاف من شعبها. أيضاً، امتعضوا من سقوط الطاغية بشار الأسد، بينما رحبوا – وفرحوا – بقيام الولايات المتحدة الأمريكية بإسقاط الطاغية صدام. هذه الازدواجية لا علاقة لها بالقانون ولا بالسيادة، بل بمنطق أيديولوجي بسيط؛ وهو أن الطاغية مقبول إن كان في "معسكرنا" أو "معنا"، ومدان إن كان في "معسكر غيرنا" أو "ضدنا". وهذا يعني؛ لا تقاس الجرائم بمعاناة الشعوب، بل بهوية الفاعل. ولاتدان المجازر لأنها مجازر، بل لأنها صدرت عن "الطرف الخطأ". وهذا بالضبط ما يجعل هذا الخطاب خيانة أخلاقية قبل أن يكون انحرافاً سياسياً. إن سقوط الطاغية ليس مشهداً تلفزيونياً، بل تحقق بطيء للعدالة المؤجلة. هو اللحظة التي يكتشف فيها الخوف أنه لم يعد مخيفاً، ويكتشف القمع أنه فقد مبرره، ويكتشف الحاكم أنه صار عبئاً حتى على حراسه. قد يسقط الطاغية بالمنفى، أو بالسجن، أو بالموت، أو بالبقاء الشكلي على كرسي بلا شرعية. لكن النتيجة واحدة هي الطغيان عابر والإنسان باقٍ. بالتالي سقوط مادورو ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة طويلة تؤكد حقيقة أن الطغاة قد يؤخرون نهايتهم، لكنهم لا يمنعونها، وأن الشعوب قد تُهزَم مرحلياً، لكنها لا تُهزَم نهائياً. في كتابه "كيف يسقط الطغاة .. وكيف تنجو الأمم"، يركز مارسيل ديرسوس على تفكيك الأسطورة القائلة بأن الأنظمة الديكتاتورية تدوم إلى الأبد، موضحاً أن الطغاة، بغض النظر عن مدى إحكام قبضتهم على السلطة، يظلون عرضة لمجموعة من المخاطر التي قد تؤدي إلى انهيارهم. في بعض الحالات، تأتي هذه المخاطر من داخل دوائرهم الضيقة، حيث يشعر الحلفاء والمساعدون المقربون بعدم الأمان أو يطمحون إلى السلطة بأنفسهم. في أحيان أخرى، يكون الجيش، الذي يشكل دعامة أساسية لأي نظام سلطوي، مصدر التهديد الأكبر، حيث يمكن أن يتحول ضباطه من أدوات للحفاظ على الاستقرار إلى قادة للتمرد أو الانقلاب. كما أن الشعوب التي تعاني من القمع قد تصل في لحظة ما إلى حد الانفجار، ما يدفع إلى انتفاضات جماهيرية تزلزل أركان النظام. لم يكن مادورو مجرد زعيم يفتقر إلى الكاريزما، بل كان طاغية يعتمد على خطاب الحصار، متهماً الولايات المتحدة بالتآمر لتبرير فشله. ومع ذلك، كشفت الأحداث الأخيرة أن هذا الخطاب لم يكن سوى غطاء لفساد واسع وانتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك قمع المعارضة، اعتقال النشطاء، وتجويع الشعب عبر سيطرة الدولة على توزيع الغذاء. بالتالي، قد يتأخر مشهد الطغيان، وقد يطول الليل، لكن الفجر - كما علّمنا التاريخ - لا يحتاج إلى إذن من الطغاة. وفي الوقت نفسه، فإن كل من يلمّع الاستبداد اليوم، باسم الدين أو المقاومة أو القانون الدولي، إنما يستند على فراغ، ويدور في وهم، فإنه لا طغيان ينتصر في النهاية، ولا ظلم يتحول إلى قدر أبدي. |