العراق – الناصرية .. ست سنوات على مجزرة جسر الزيتون


حصيلة الدم والإفلات من العقاب

 

موقع الإمام الشيرازي

8/ جمادى الآخرة/ 1447

 

 

في الساعة الثالثة فجراً من يوم 28 تشرين الثاني 2019، استيقظت مدينة الناصرية (جنوب العراق) على صوت الرصاص الحيّ الموجَّه مباشرة إلى صدور شباب نائمين داخل خيم اعتصام سلمي على جسر الزيتون. في غضون أقل من ساعتين، تحول الجسر – الشريان الرئيسي لمدينة عريقة حضارياً ونضالياً – إلى مسلخ بشري .. أكثر من 50 شهيداً (بعض الإحصاءات تتحدث عن 60) ونحو 500 جريح، كثير منهم أصيب بعيارات نارية في الرأس والصدر، في دليل واضح على نية القتل. هذه الأرقام موثقة من تقارير الأمم المتحدة وبعثة يونامي، ومن لجان تحقيق حكومية لاحقة، ومن شهادات أطباء مستشفيات الناصرية نفسها.

بالتزامن مع حلول الذكرى السادسة لمجزرة جسر الزيتون، أول أمس الجمعة، جدد ناشطو الحركة الاحتجاجية في محافظة ذي قار، جددوا "المطالبة بالقصاص من المتورطين بارتكابها، مؤكدين أن المجزرة ارتكبت مع سبق الإصرار وبأوامر وتوجيهات داخلية وخارجية."

كانت تلك الليلة الدامية واحدة من أبشع فصول انتفاضة تشرين الشعبية التي خرج فيها شباب – معظمهم من المحافظات الوسطى والجنوبية وبغداد – يهتفون بكلمة واحدة جامعة: "نريد وطن". وطن تُحتَرَم فيه كرامة الإنسان، وتُحمى فيه حقوقه الأساسية، ويُحاسَب فيه الفاسدون.

ففي الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 اندلع حراك احتجاجي فريد من نوعه في التاريخ السياسي المعاصر للعراق، ليعود ويتجدد في 25 تشرين الأول والأسابيع التي أعقبته، بما جعله الحراك الأكثر شمولاً وعمقاً وقدرة على المطاولة وتنويع الأساليب من بين كل الحركات الاجتماعية التي شهدها العراق خلال قرن من الزمن. فقد امتلأ الفضاء العام في بغداد ومحافظات الفرات الأوسط والجنوب بمئات الآلاف من الشباب المحتجين الباحثين عن عصر سياسي جديد لاستعادة الهوية الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية، يكون بديلاً عن الحقبة المأساوية التي أعقبت 2003.

وقد جوبه هذا المد الاحتجاجي الباحث عن التغيير السياسي الشامل بقمع الأجهزة الأمنية الرسمية وغير الرسمية، وتجسّدَ ذلك في عمليات القنص والخطف والاغتيال والترويع والشيطنة ضد المتظاهرين والناشطين والإعلاميين والمثقفين في محاولة لإخماد الزخم الاحتجاجي أو التقليل من الوعي الشعبي المعارض الذي بات يشكّل العلامة الفارقة لفئات أساسية من الجمهور العراقي.

في تلك الأيام الدامية، ولتوثيق تلك الأحداث الأليمة عبر كتاب بعنوان "الاحتجاجات التشرينية في العراق .. احتضار القديم واستعصاء الجديد" لخمسة كتّاب وأكاديميين عراقيين، كتب الدكتور فارس كمال نظمي (كاتب وأكاديمي عراقي): "فقراء الشيعة وإعادة بناء الوطنية العراقية – مقاربة سيكولوجيا ثورة تشرين- أن “ما يميز اللحظة السياسية الراهنة، أنها وضعت فقراء الشيعة السكانية تحديدًا ودفعة واحدة في صدارة الفاعلية السياسية الجمعية للتغير، محددين لاحداثيات جديدة تنبثق منها خريطة التطور السياسية القادمة بكل انعكاساتها."

أيضاً، من جانبه تحدث عقيل عباس (كاتب وأكاديمي عراقي) - في الكتاب في دراسة مطولة - عن رمزية عاشوراء، التي استلهمها الشباب التشريني الشيعي في "سياق احتجاجي عام ضد الأقلية السلطوية التي يتشكل أغلبها من ساسة شيعة وتتمحور معظم شرعيتها السياسية حول التوظيف المذهبي لذات الرموز."

قتل وضحايا

الجرائم التي وقعت، في أثناء حراك تشرين 2019-2020، كانت حكومة العراق برئاسة عادل عبد المهدي. عدة جرائم أُرتُكبَتْ ضد المتظاهرين السلميين في بغداد والناصرية والكوت والعمارة والديوانية والبصرة والنجف والحلة وكربلاء وديالى.

وأكدت تقارير استقصائية أن "العدد الكلي لشهداء تشرين بلغ 1200 شهيد وشهيدة، وعدد الجرحى أكثر من 30 ألفاً، منهم 7 اَلاف أُصيبوا بعاهات جسدية مستديمة." وقد نشرت مجلة "الثقافة الجديدة"، في عددها: 455- 456، تشرين الثاني 2025، ملفاً واسعاً، عن ضحايا الحراك التشريني، "موثقاً المعلومات عن 1035 شهيد وشهيدة، من جميع المحافظات المنتفضة، بالإستناد الى العديد من المصادر الرصينة. وقد ضم الملف الأسماء الكاملة للشهداء والشهيدات، ومعلومات مهمة تتعلق بالعمر عند الإستشهاد، ومحل الميلاد، والحالة الاجتماعية، والمرحلة الدراسية، ومكان وتاريخ الاستشهاد."

أيضاً، ملف "الثقافة الجديدة" أكد أنه "وثَّق 183 شهيد وشهيدة من محافظة ذي قار، وقد استشهد عدد كبير منهم في مجزرة جسر الزيتون، ومجزرة اليوم التالي أثناء قمع المتظاهرين المستنكرين للمجزرة الأولى بالرصاص الحي، وكذلك في جريمة السريع، وجريمة أمام مجلس محافظة ذي قار. وعدا هذا، وسقط العشرات من الشهداء برصاص حمايات مقرات جماعات مسلحة في الناصرية أثناء مرور المتظاهرين السلميين من أمام مقراتها. وبلغ عدد المتظاهرين المصابين أكثر من 500، من بينهم عدد كبير أُصيبوا بعاهات جسدية مستديمة."

قمع وقتل ضد ممارسة مشروعة

لم تكن مجزرة جسر الزيتون حادثة منعزلة، بل جزء من نمط منهجي من العنف المفرط استخدمته السلطات ضد الاحتجاجات السلمية التي عمّت العراق من تشرين الأول 2019 حتى ربيع 2020.

في بغداد، على جسر السنك وساحة التحرير، تكررت الصورة نفسها بأبعاد أكبر:

* قناصة على أسطح البنايات الحكومية يستهدفون الرؤوس والأعناق بدقة.

* قنابل غاز مسيل للدموع عسكرية الصنع تُطلَق أفقياً على الصدور فتخترق الجمجمة أو الصدر وتقتل فوراً.

* عشرات حالات الاختطاف والإعدام الميداني بحق ناشطين بارزين مثل: إيهاب جواد الوزني (رئيس تنسيقية الاحتجاجات في كربلاء)، الطبيبة ريهام يعقوب (طالبة دكتوراه محاضرة في جامعة البصرة)، وهشام الهاشمي (مؤرخ وباحث في الشؤون الأمنية والإستراتيجية والجماعات المتطرفة) وغيرهم.

* إحصائية رسمية نهائية (حتى الآن) تتحدث عن 712 قتيلاً وأكثر من 30 ألف جريح خلال ستة أشهر فقط.

كل هذا حدث رغم أن الدستور العراقي النافذ (2005) ينص في المادة 38 على أن الدولة "تكفل… حرية التعبير عن الأفكار بكل الوسائل" وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي"، وهو ما يتوافق تماماً مع المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه العراق.

بالتالي، ما قام به المتظاهرون على جسر الزيتون (وأيضا المتظاهرون في بغداد وبقية المدن) كان ممارسة مشروعة تماماً لحقهم الدستوري والإنساني.

إدانة أممية للقمع الوحشي

أصدرت بعثة الأمم المتحدة في العراق (UNAMI) عشرات البيانات خلال انتفاضة تشرين، وكان أبرزها:

* في 30 تشرين الثاني 2019 (بعد يومين فقط من المجزرة) نددت البعثة الأممية بـ"الاستخدام المفرط والمميت للقوة" ضد متظاهرين عُزَّل، وطالبت بتحقيق مستقل ومحاسبة فورية.

* تقرير UNAMI الصادر في كانون الأول 2019 وثَّق استخدام الرصاص الحي والقناصة والقنابل المسيلة للدموع (التي تُطلق مباشرة على الوجوه والصدور)، واعتبر ذلك انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

* في تقريرها السنوي لعام 2020، وصفت البعثة الأممية ما حدث في الناصرية بأنه "من أسوأ حلقات العنف ضد المتظاهرين السلميين" في العراق المعاصر.

بعثة الأمم المتحدة في العراق وثّقَت في تقاريرها المتتالية (2019–2021) أن معظم القتل الذي حدث ضد المتظاهرين الشباب تم برصاص حي أو بقنابل غاز عسكرية، وأن القوات الأمنية هي المسؤولة الأساسية، مع مشاركة واضحة لبعض الجماعات المسلحة غير النظامية. وخلصت البعثة إلى أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

وهكذا، لم يسلم النساء – وخاصة الطالبات الجامعيات – من الوحشية. وقد وثقت منظمات حقوقية عراقية ودولية عشرات حالات الضرب والشتم والتحرش الجنسي والاعتقال التعسفي والتهديد بالاغتصاب من قبل قوات مكافحة الشغب وبعض العناصر الملثمة. بعض الفتيات أُصبن برصاص حي في الأعضاء التناسلية في محاولة واضحة لترهيبهن وإذلالهن. هذه الانتهاكات تشكل جرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

اليوم .. ذكرى وأسئلة

شكّل حراك تشرين العراقي من خلال الأنموذج الشبابي المستميت في طاقته الاحتجاجية صدمة أخلاقية حرّكت فئات اجتماعية أخرى للانخراط في المشاركة السياسية، كما حقق هزة عميقة في أركان النظام السياسي الذي ما يزال متخبطاً بين إنكار الفعل السياسي والاجتماعي العميق لهذه الاحتجاجات، وبين محاولة تخوينها عبر وسائل التهويل وافتعال قصص "المؤامرات".

وبعد ست سنوات، النتيجة الموضوعية واحدة:

* لا أحد من القادة الميدانيين أو السياسيين صدر بحقه حكم نهائي وبات.

* الضابط عمر نزار الذي حُكِم عليه بالمؤبد عام 2023 أُُفرِج عنه بعد أشهر.

* الفريق جميل الشمري لم يمثل أمام أي محكمة.

* ملفات التحقيق في مجازر: السنك، والوثبة، والخلاني ما زالت "قيد الدراسة".

* عشرات الناشطين ما زالوا في المنفى أو مختفين أو مهدَّدين.

في السياق، في العام 2021، "طالب جمع من ذوي الضحايا وأهالي مدينة الناصرية بنقل ملف شهداء مجزرة الزيتون الى المحكمة الدولية كون الحكومة العراقية لم تحرك شيئاً من ملف هذه الفاجعة التي مر على ذكراها سنوات دون حلول تنصف عوائل هذه المجزرة." ولم تتحرك الحكومات العراقية الثلاث المتعاقبة من أجل العدالة.

وهكذا، فإن الإفلات من العقاب لم يعد استثناء؛ بل صار قاعدة ثابتة في المنظومة السياسية العراقية ما بعد 2003. كلما ارتكبت الدولة أو الأجهزة المرتبطة بها انتهاكات جسيمة، تشكَّل لجان تحقيق، تُصدِر توصيات، ثم تُطوى الملفات تدريجياً دون أن يُحاسَب أحد ذو شأن.

ما حدث في جسر الزيتون، وفي جسر السنك، وفي ساحة التحرير، ليس مجرد أرقام وتواريخ. إنه اختبار مستمر لمصداقية الدولة العراقية نفسها: هل تستطيع أن تحاسب مَنْ يقتل مواطنيها العزّل عندما يطالبون بحقوقهم الدستورية؟ حتى الآن، الجواب واضح ومؤلم: لا!!

الذاكرة الجماعية للعراقيين تحتفظ بهذه الصور بدقة .. الدم الذي سال على جسور الناصرية وبغداد، والشباب الذين قضوا وهم يحملون علم العراق فقط، الأمهات اللواتي ما زلن يضعن صور أبنائهن على الجدران والجسور كل عام.

السؤال اليوم ليس شعاراً بل ضرورة عملية: كيف يمكن بناء دولة تحترم مواطنيها إذا بقي قتلة أبنائها في مناصبهم أو طلقاء؟! الإجابة عن هذا السؤال هي التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق بعد ست سنوات من دماء تشرين .. ليس أكثر، وليس أقل.

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(القصص: 83)