ما بعد حرب غزة.. سجالات في المسكوت عنه


"حماس" أمام خيارات صعبة

 

 

د. أياد العنبر

موقع الإمام الشيرازي

 

المجلة - من أكثر الشعارات التي ترافق حروبنا، صراحة أو ضمنا، شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". وهنا يجب أن تتحول كل خطاباتنا ومواقفنا نحو التحشد للحرب، والسير فيها ضمن الحشود التي تردد أناشيد النصر! هذه هي باختصار ثقافتنا مع الحروب. فحكامنا يصادرون الحديث عن أزماتهم الداخلية بحروب خارجية، وهناك أعداء يتربصون بنا خارج الحدود والأولوية لمواجهتهم، والتخاذل عن هذه المواجهة بالكلمة أو الموقف هو "خيانة للوطن".

الحرب هي إحدى أدوات تنفيذ السياسة. لكن عندما تكون السياسة خاضعة لمزاجية القيادات السياسية، تتحول إلى إحدى أدوات العبث والفوضى والمقامرة بالثروات. أتذكر أن شعار الحرب الذي رفعه نظام صدام حسين في حرب الخليج الأولى ضد إيران، كان لمنع "التمدد الفارسي باتجاه الوطن العربي". في المقابل رفع الإيرانيون شعار "طريق تحرير القدس يبدأ من كربلاء". لكن المفارقة أن صدام حسين بعد أن استنزف العراق ثماني سنوات من دماء وثروات، اعتدى على دولة عربية وأحدث هزة في أمن منطقة الخليج العربي بعد الاجتياح العسكري للكويت في أغسطس/آب 1990. لكن نظام صدام كان نظاما دكتاتوريا، مثل هذه الأنظمة تتعالى عن المحاسبة والمساءلة.

أخطر ما في السياسية أن تكون خاضعة لمزاج القادة، وأن لا يكون معيارها تحقيق المصلحة العليا. لذلك، لا يمكن أن نتصور أن زعماء الحروب، يفكرون في الحلول السياسية. لكنهم عندما يريدونها حربا، يستحضرون كل الشعارات الحماسية وحوادث التاريخ، وعندما يريدونها سلما يكون الحديث عن العقلانية وحسابات الربح والخسارة، وفي كلتا الحالتين خطاب النصر والحديث عن هزيمة الأعداء وأن الحرب حققت غايتها حاضرا وبقوة.

بالعودة إلى موضوع المقال، عن محاولة نقاش المسكوت عنه في سؤال ما بعد الحرب ضد غزة. إذ يبدو أن الكثير من الأسئلة التي تحدد إجابتها خريطة مستقبل المنطقة لا تزال إجاباتها غير واضحة، وما هي الحلول التي تمنع تكرار كوارث الحروب، ومن يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن ضحايا الحرب ودمارها.

العودة إلى التطرف

لم تعرف البشرية مغذيا للعنف والتطرف مثل الآيديولوجيات الدينية، ويبدو أن أطروحة صموئيل هنتنغتون بشأن "صدام الحضارات"، لا تزال تغذيها الآيديولوجيات الدينية المتطرفة. ويبدو أن عملية "طوفان الأقصى" وما تلاها من حرب إسرائيلية وحشية ضد قطاع غزة، حفز الكثير من خطابات التطرف على العودة مرة أخرى للواجهة والتحدث عن حلول تدعو بصراحة إلى الإبادة الجماعية. وحتى تصريحات الكثير من قادة أميركا وأوروبا أعلنت تعاطفها مع إسرائيل من منطلق الانتماء الديني وليس الموقف السياسي فحسب. وتحولت إدانة العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى نوع من معاداة السامية.

مشكلة هذه الحرب أنها خلقت الانقسام حتى داخل المجتمعات الغربية، وأصبحت الدعوات الأضعف هي تلك الرافضة للحرب من منطلق إنساني، وبات من يطلق هذه الدعوات يتخوف من تهمة التعاطف مع "الإرهاب". ورغم أن صور الأطفال والضحايا من النساء ودمار القصف الصاروخي لا تقبل السجال، فإن التعاطف مع الضحايا يجب أن يبقى محصورا في المظاهرات بالشوارع، وفي تصريحات السياسيين بالدعوة إلى عدم التعرض للمدنيين واحترام قواعد الاشتباك في الحرب.

المهم، أصبحت استراتيجيات الحركات والجماعات والشخصيات المتطرفة تعتمد على ثلاثة أساليب لاستغلال اسم العدو لتبرير تطرفها، كما حددها المفكر الإيراني مصطفى ملكيان:

الأسلوب الأول: أن نقرن كل من ينتقدنا ويخالفنا بالعدو، فكلّ من يوجّه لنا نقدا نردّ عليه بأنّك ضدّنا مثلما يفعل العدو، وفي النتيجة أنت مرتبط بالعدو. وباستعمالنا هذه الطريقة سنتمكّن من توظيف اسم العدو لقمع الصديق المنتقد والمخالف لرأينا. رغم أن هذا الصديق المخالف والمنتقد ليست له أيّ علاقة بالعدو، لا من قريب ولا من بعيد.

الأسلوب الثاني: أن نبرر فشلنا وسوء تدبيرنا بالأعمال العدوانية التي يمارسها العدو، وأن نلقّن للآخرين بأنَّ سوء الإدارة والسخط الشعبي كلّه بسبب العدو.

الأسلوب الثالث: أن نقدّس أنفسنا باسم العدوّ. فبعد أن يتفق الجميع على اسم العدو نلقّنهم أنّنا صالحون ومقدّسون لأنّنا ضدّ هذا العدو الواضح، ونرسّخ في الأذهان مغالطة تفيد: كلّ من يناهض هذا العدو صالح! رغم أن العدوّ قد يُعادي طرفا سيئا مثله، وأن عدوّ العدو قد يكون أسوأ منه. فالخصومة قد تحصل بين السيئين، ولا توجد ضرورة في أن يكون أحد أطراف النزاع صالحا والآخر سيئا. فالطرفان الصالحان فقط لا تحصل بينهما خصومة.

ثنائية الضحية والانتصار

منذ حرب 1967 بدأت سجالات المفكرين العرب السعي نحو إحداث هزة في المتخيل العربي بشأن الحرب، وأن النصر في المعارك لا يمكن أن يتحقق بالأهازيج والخطابات الحماسية، فمنطق الحرب أصبح يخضع للتخطيط العلمي، وبما أننا نعاني من مجتمعات تهيمن عليها أفكار تتقاطع مع العلم والمعرفة وتحكمها دكتاتوريات وظيفتها تجهيل المجتمع، فخسارة المعارك نتيجة طبيعية. لكن حتى هذه السجالات فشلت في ترسيخ قواعد تفكير جديدة لدى النخب الثقافية والسياسية وحتى المتعلمة بشأن الحرب وتكلفتها المادية والمعنوية على الاقتصاد والمجتمع.

إن الحروب لا تعرف غير منطق واحد، يقوم على أساس أن من يكسب المعارك هو من يكتب التاريخ، والخاسر عليه القبول بشروط المنتصر. ومن ثم، التاريخ يكتب من يتنصر في الحرب. أما جرائم الإبادة والقتل والدمار التي تحدث في الحروب فتتحول مناسبة للاستذكار وليس للإدانة، في ظل غياب قانوني دولي وعجز عن محاسبة الدول الكبرى أو العظمى.

وفي الحرب الوحشية التي تشنها إسرائيل على غزة، لا يمكن أن تقنع من يحفر الأنقاض بحثا عن عائلته، أو أطفالا يبكون آباءهم أو أمهاتهم، ومن يقف صامتا من هول الصدمة بعد النجاة من الموت، أن مقتل ذويهم أو صمودهم في هذه الحرب رغم الدمار هو انتصار لهم؛ إذ ماذا يعني تفاخر من يتعاطف معهم بانتصارهم وهو جالس أمام الكاميرا مسترخيا يُلقي خطابات حماسية تتغنى بالصمود والنصر، أو من يكتب تغريدات وبيانات على منصات التواصل الاجتماعي تتفاخر بصمود أهالي غزة ومواجهتهم عمليات القتل والدمار التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي.

هل كنا نحتاج أن تستمر الحرب ضد غزة أكثر من 45 يوما، وتزيد أعداد الضحايا على 14 ألفا، وأن يتجاوز الجرحى 33 ألفا حتى تتدخل دول للتوصل إلى اتفاق هدنة إنسانية لمدة 4 أيام فقط ثم يتأجل؟ لو لم توافق إسرائيل على هذه الهدنة، أو تعود إلى استئناف عمليتها العسكرية ضد المدنيين، هل يمكن أن توقفهم تصريحات الإدانة والاحتجاج؟ بالتأكيد لا.

المفارقة أن من يرفع لافتات صمود غزة وأهلها، ويعدهم بالصمود باعتباره الطريق نحو تحقيق النصر، وهزيمة الأعداء. يُصرح بأن هذه الحرب هي حرب الفلسطينيين أنفسهم. فإذا كانت كذلك، وأن الفلسطينيين هم من يدفعون تكلفتها وهم ضحاياها، فما الفائدة من التعاطف والمتاجرة بقضيتهم التاريخية؟

"حل الدولتين"

السؤال الذي لا يتجرأ كثيرون على طرحه بصراحة ووضوح: هل يستحق العودة إلى "حل الدولتين" هذه التكلفة العالية من الضحايا والدمار؟ وهل يجب القبول بأن يكون ثمنه محو "حماس" وإعادة ترتيب خارطة غزة؟ لأن التلويح بقبول "حل الدولتين" والتفاوض مع حكومة يقودها بنيامين نتنياهو يعني الموافقة ضمنا على الشعار الذي رفعه بعد عملية "طوفان الأقصى" بمحو حركة "حماس".

"حل الدولتين"، ربما بات يطرح للتهدئة أو يمكن أن يكون الطريق لعقد هدنة تمهد لنهاية الهجوم الإسرائيلي، ولكن الحسابات تختلف هذه المرة؛ فبنيامين نتنياهو يعمل على إبادة غزة، حتى يعوض جزءا من تحمله مسؤولية انكسار الغرور الأمني الإسرائيلي، والصدمة التي تعرضت لها العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي كانت تراهن على استراتيجية الردع. أما "حماس" فهي لا تملك الكثير من الخيارات؛ إما الاستمرار في المواجهة وهي تدرك أنها تدير هذه المعركة وحدها ولا أحد يقف معها، حتى من يدعمها عسكريا أو ماديا. وإما القبول بالحلول السياسية لإيقاف الحرب، ومن ثم الجلوس على طاولة التفاوض. وهنا ستكون "حماس" أمام خيارات صعبة؛ أولها القبول بـ "حل الدولتين"، الذي يعني الاعتراف بإسرائيل. وهنا عليها أن تواجه السؤال الأعقد: هل كانت الغاية من "طوفان الأقصى" محو إسرائيل أم الاعتراف بها في نهاية المطاف؟

* (كاتب وأكاديمي عراقي)

11/ جمادى الأولى/1445هـ