إعمار البقيع في ظل الواقع الجديد


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

مهدّت الحرب ضد الإرهاب التكفيري الذي ضرب العديد من بلاد العالم لتغيير سياسي وديني وفكري بنسب متفاوتة في العديد من الدول الإسلامية، وهذا التغيير المهم لم يبرز كنتيجة طبيعية لهول ما جرى من جرائم بشعة ومجازر مريعة وحسب، بل أيضاً بسبب الحاجة المتنامية للتغيير؛ في بلدان معينة أكثر من غيرها، كضرورة عقلية وإنسانية ووجودية، فما باتت من ثغرة للتبرير ولا فسحة للتسويف.

ولم تنحسر نتائج تلك التغييرات في تنامي الحريات، والانفتاح على حقوق الإنسان، وتصاعد الرفض للإستبداد والفساد، بل شجعت أيضاً إلى مبادرات سياسية باتجاه تغيير فقهي يحدُّ من ظاهرة التطرف والإرهاب، ويُحجِّم روح الكراهية والانتقام ضد الآخر، خاصة ضد الشيعة، وذلك بعد أن أكدت الوقائع بأن الإرهاب التكفيري الذي ظهر بعناوين إسلامية كان ضد الإسلام والمسلمين بكل مذاهبهم أكثر بكثير من أنه ضد غيرهم.

وفي كل الأحوال، لا يمكن استسهال المبادرة إلى تغيير ديني/فقهي وتجسيده عملياً بما يصب في مصلحة قيم السلام والاعتدال والتعايش، لذا ينبغي التعامل مع مثل هكذا مبادرات تغييرية بإيجابية بعيداً عن مواطن تاريخية أو سياسية ضيقة أو إشكالية، وعبر هذا المنظار، تتبين مؤشرات إلى وجود فسحة لإعمار أضرحة البقيع.

الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي (1937_1980)، مؤسس الحوزة العلمية الزينبية بالشام والذي دأب على مدّ جسور التواصل والمحبة بين الفرقاء والمختلفين، كان قد بادر في ستينيات القرن الماضي إلى إعمار أضرحة البقيع، في وقت كان مستبعداً مجرد التفكير بذلك. الشهيد الشيرازي كان قد وصل إلى خواتيم الأمر لكنه لم يبلغ مخرجاته ونتائجه بسبب الرؤية المأزومة لدى بعض، والمصلحة الضيقة لدى بعض آخر.

بمبادرته الرائدة، الشهيد الشيرازي كسر حواجز واقعية مشلولة ركس فيها بعض نفسه، ولم يشعر حينها بأنه بالدعوة إلى إعمار البقيع فإنه قد قام بما يجب، لذا سافر مرات عدة إلى البلاد التي تضم أقدس الأماكن عند جميع المسلمين، ومنها البقيع، والتقى من بيده أمور البلاد وكبار العلماء، وبذلك هو أكّد عملياً أن التحرر من الرؤية المأزومة والمواقف المتشنجة، ومدّ أواصر السلام والتفاهم والتعاون بين الشعوب والدول، هي مفاتيح النجاح في خدمة المبدأ والإنسان والصالح العام.

في سياق إنخفاض منسوب الخطاب المتشنج وتحسن العلاقات البينية _والسياسية نوعاً ما_ داخل المجتمعات المسلمة، والتحولات الإيجابية في عموم حكومات البلاد المسلمة من خلال التوجه إلى تعزيز السلام والاستقرار وتحسين أحوال الناس، فإن إعمار أضرحة البقيع سيضيف قوة دفع للإنطلاق في هدم مخلفات سوء الفهم والكراهية وصولاً إلى إعمار النفوس والأفكار والأعمال برؤى الاعتدال والوسطية وقيم التقبل والتعايش والسلام والمحبة؛ وكل ذلك سيكون خدمة للإسلام العظيم، دين الخير والمحبة والإنسانية، وفي الوقت نفسه، سيصب في خير واستقرار ورفاه وتقدم الشعوب والبلاد المسلمة وعموم العالم.

8/شوال/1443هـ