علم نفس نظرية المؤامرة.. كيف يُستخدم «الإرهاق المعرفي» لتضليل الجماهير؟


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

ساسة بوست - نشر موقع «سايكولوجي توداي» مقالًا لأستاذة علم النفس في جامعة سيتون هول والرئيسة المنتخبة لجمعية تدريس علم النفس سوزان أ. نولان، والكاتب مايكل كيمبال، يتحدثان فيه عن مفاهيم مثل العجز المعلوماتي المكتسب والإرهاق المعرفي، وكيف يمكن أن تسبب هذه المفاهيم عمدًا تشتيت الشعوب والجماهير عن الحقائق أو إغراقهم في السرديَّات الملائمة لجهاتٍ معينة.

نظرية المؤامرة: التضليل الإعلامي

تتساءل الكاتبة: هل موَّل بيل جيتس تصنيع كوفيد-19 في مختبر سري في الولايات المتحدة ضمن مخطط شرير لاستخدامه ضد روسيا والصين؟ بالمختصر لا، وعند استحضار الجواب المطوَّل على الموضوع ستبقى النتيجة لا، لكن القصة وراء هذه المعلومات المضللة معقدة أكثر مما تبدو ظاهريًّا، وقد يحتاج الأمر لوقفة مستفيضة عنده.

وتضيف الكاتبة أن تاريخ التضليل الإعلامي تاريخ طويل حتى إنه يسبق الصحافة المطبوعة، وإن كانت الأخيرة قد ساهمت بمستوى كبير في زيادة انتشار هذا النوع من المعلومات المضللة، وبازدياد انتشار المعلومات كمًّا وامتدادًا سمح ذلك بازدياد الفرص المتنوعة لانتشار المعلومات المضللة، وكما يمكنك أن تتخيل ازدادت هذه الفرص أضعافًا مضاعفة بوجود الإنترنت.

يضيف المقال أن أنواع التضليل الإعلامي أصبحت تغمرنا الآن مع عصر الإنترنت، وتتنوع أشكاله من المعلومات المضللة  (misinformation)، والتضليل الإعلامي المتعمد (disinformation)، وكذلك المعلومات الخبيثة أو المؤذية  (malinformation)، ويكمن الفرق بين هذه الأشكال بمدى عمديَّة التضليل أو إن كانت المعلومات صحيحة في الأساس لكن مع النشر المتعمد بهدف الأذى، أو نشرها مع إجراء تعديلات ضارَّة عليها.

العجز المعلوماتي المكتسب

وبحسب المقال فإذا كنت تشعر بالعجز أمام فيض المعلومات المتدفق من كل مكان، فإن لما تشعر به مصطلح متداول الآن، تُدعى هذه الحالة بـ«العجز المعلوماتي المكتسب»، وهو مفهوم مبني على أساس علم النفس الذي يقول إن الأشخاص الذين يختبرون تعرضًا مطوَّلًا لظروف صعبة لا يتحكمون بها ولا يستطيعون تجنبها أو تخفيفها، يتعلمون تقبل هذه الظروف كما هي.

ويوضح المقال أن هذا المفهوم يناقش عادةً في سياق ما يتعلق بالاكتئاب، لكن هذا النوع من العجز قد يتغلغل حياتنا الافتراضية أيضًا، عندما يتعلم المرء هذا النوع من العجز – سواءً في الحياة الحقيقية أو الافتراضية- قد يتخلَّى عن أيِّ محاولة للتجنب أو الهروب من هذه الظروف، بسبب الشعور بأن أيَّ جهود في هذا المجال ستفشل.

من المحتمل أن يحدث العجز المعلوماتي المكتسب في أيِّ مكان، لكن وكما ينقل المقال عن إريل نيسبت وأولجا كامين – اللذين يكتبان عن المعلومات الزائفة في الإعلام الروسي- يمثل العجز المعلوماتي المكتسب خطرًا خاصًّا في البلدان الخاضعة لحكم استبدادي؛ لأن الإعلام تتحكم به الدولة وليس مستقلًا، وغالبًا ما يخضع للرقابة.

وهنا يعود المقال لنظرية المؤامرة الخاصة ببيل جيتس وكوفيد-19؛ إذ اكتسبت هذه المعلومة الزائفة درجة عالية من الرواج في روسيا، ويعتقد الكاتبان أن التكرار الهائل لهذه الكذبة جعل الكثير من متابعي وسائل الإعلام الروسية يتجهون لتصديقها.

الإرهاق المعرفي

كيف يؤثر العجز المعلوماتي المكتسب بقواه المظلمة إذن؟ يمكن أن يؤدي الترديد المتواصل للأكاذيب (التآمرية) إلى ما يُعرف بمعنى (الإرهاق المعرفي)، لكن هنالك أبعادًا أعمق للأمر، يحيل المقال الأمر إلى مفهوم «الرقابة بالضوضاء» الذي شاع على يد الكاتب والصحافي البريطاني بيتر بوميرانتسيف، وهو مؤلف كتاب «This Is Not Propaganda: Adventures in the War Against Reality» ليس بروباجندا: مغامرات في الحرب ضد الحقيقة.

يقول مفهوم «الرقابة بالضوضاء» أو «الرقابة بالضجيج» إن بعض الحكومات أو المؤسسات تتعمد خلق الارتباك عن طريق الحمل الزائد من المعلومات والتضليل الإعلامي، بمرور الوقت يُرهَق الناس من فيض المعلومات، وتُنهك قدراتهم المعرفية بواسطة الحملة الشرسة من المعلومات والتضليل المعلوماتي ونظريات المؤامرة، إلى حدٍّ يكاد يستحيل فيه تفريق الحقيقة من الخيال أو تتبع المعلومات لمصدرها الأساسي.

ومن ثم، تشيع الرقابة بالضوضاء في المناطق الخاضعة لحكمٍ استبدادي على وجه التحديد، مؤديًا ذلك إلى تعرُّض الأفراد للقلق المفرط المقترن بحالةٍ من ضعف الدافع للتحقق من صحة أي شيء، وقد يبدأ الناس المعرَّضون لمثل هذه الحملات بالإعجاب أو مشاركة المعلومات دون القيام بأيِّ مراجعة حقيقية لافتقارهم للطاقة والحافز المناسب لأخذ الخطوات اللازمة للتحقق منها، ويتساءل الكاتبان: أمام مثل ذلك الضخِّ المعلوماتي الزائف والمتعمد من يلومهم، أو يلومنا؟

ينتقل المقال إلى الدراسة التي أجراها الباحثان إريل نيسبت وأولجا كامين على متابعي وسائل الإعلام الروسية، وخلصا بها إلى أن الأشخاص الذين أبلغوا عن شعورهم بأعلى مستويات العجز المعلوماتي بسبب «التكاليف النفسية لتمييز الحقيقة من الخيال» هم الأشخاص الأكثر ترجيحًا لأن يُعجَبوا أو يشاركوا سرديَّات خاطئة، مثل نظرية مؤامرة مختبر بيل جيتس السري.

لكن يعتقد الباحثان أن العجز المعلوماتي المكتسب يأخذ وقتًا ليتطور، وأن الأفراد العاديين لا يصلون إلى مرحلة الاستسلام إلى أن يشعروا بالإنهاك من معركتهم في محاولة تمييز الحقيقة، وقد يكون لمثل هذا الأمر تبعات خطيرة، فعلى سبيل المثال تصور نصف الروسيين أن كوفيد-19 لا يتجاوز بخطورته الإنفلونزا العادية؛ ما أدى لانخفاض استخدامهم وسائل الوقاية وخاصة التلقيح، وفقًا لما يورده المقال.

جميعنا معرضون لهذا الإرهاق

يُعد هذا الميل البشري ميلًا عالميًّا على الأرجح، وهو ليس سمةً منحصرة بروسيا بالطبع، يدعو الكاتبان منظمات الإعلام جميعها لتسهيل تقصي الحقائق على متابعيها، وذلك عبر تضمين الروابط لمصادرهم دائمًا، وخاصةً عندما يتعلق الأمر بالأبحاث الموثقة.

بالإضافة إلى مسؤولية المنظمات، علينا أن ندرِّب أنفسنا للبحث عن الروابط الصحيحة والأدلة الموثقة مع تجاهل المعلومات التي لا يُعرف مصدرها، خشية أن نرهق قدراتنا المعرفية، وإذا شعرنا بالإرهاق الذهني حقًّا، ينصح الكاتبان بتجنب الإعجاب والمشاركة لأيٍّ من الأخبار والمعلومات حتى نشعر بأنا قادرون على المجابهة مرة أخرى، في بعض الأحيان، يكفي أن نترك هواتفنا بعض الوقت لنمسك كتابًا أو نذهب للنوم.

 

4/ جمادى الآخرة/1443هـ