ماذا يعني أن تكون لبنانياً؟!


 

 

 

 

د. وجيه قانصو

موقع الإمام الشيرازي

 

جنوبية - يشعر أكثر اللبنانيين أن الكارثة تحيط بهم من كل جانب، وأن مأساة الذل والعوز تحاصرهم إلى حد الاختناق، وأن حدث الانهيار بات تحصيل حاصل، وأن ما يعيشونه هو تداعيات هذا الإنهيار وتبعاته وآثاره. هم ينظرون إلى حاضرهم بسوداوية، فعتمة شوارع لبنان تسربت إلى قلوبهم، وأخذت ظلمته الراهنة تلاحق سنينهم الآتية، وتلقي بظلالها على مستقبلهم، لتنزع عنه أي أمل، بل تحيله مخيفاً ومفزعاً.

هذا واقع معاش، حدث يومي يكرر نفسه، بات مألوفاً عادياً وغير مستهجن. نصرف النظر عن التفكير فيه، لأن التفكير فيه كمن يحدق في هاوية لا قعر لها ولا نهاية. أسئلة: ماذا حصل؟ ولماذا؟ وكيف وصلنا إلى هذا الدرك الأسفل؟ وماذا يمكن أن نفعل؟ أصبحت بلا معنى وغير ذات جدوى، بل نجنب الذهن عناء التدبر فيها، لأن ذلك يزيدنا غضباً وارتباكاً وإحباطاً.

الكل يعرف أن زمن نهاية ما نحن فيه بعيدٌ وبعيدٌ جداً، لم يعد المهم تشخيص أسبابه، أو تحديد المسؤولين عنه. بات ما نحن فيه ، قضاء وقدراً، عقاب على خطيئة، اختباراً ربانياً، بل ربما عقاباً إلهياً، لا فرق. فالعبرة ليس في توصيف حال ما يحصل، بل إما في الهروب من جحيمه لمن استطاع إليه سبيلاً، أو قدرة المتسربلين بشباكه على التكيف معه. فقبوله أرحم من التعلق بأمل مستحيل، والوقوف في طابور إعاشاته وصدقاته أفضل من العزلة القاتلة، والتسليم به أقل ضرر وأذى من مقاومته ومكافحته.

ما نشهده لم يعد مجرد واقع خارجي نتأقلم معه، بل أخذ اندماجنا فيه يُصيِّرَه حالاً لنا، مزاجاً ذاتياً، هيئة باطنية فينا. أي بات يقترب في تحوله ليصبح نحن، ونسارع في تحولنا لنصبح إياه، فيزول الاغتراب بيننا وبينه، وننتج لأنفسنا نمط حياة ووجود ارتكاسيين، ينظر الآخرون إليه باندهاش وذهول وصدمة، ونرى فيه سكنى الزهد وطمأنينة الاستسلام وراحة الوهن.

مشهد بات الممسكون بخيوطه يصورونه طبيعياً وبديهياً، بل منسجماً مع المشاريع البطولية والتاريخية التي يخوضون غمارها. ما يحصل بنظرهم آثار جانبية لصناعة التاريخ وتحويله، جزئية عرضية داخل ملحمة استثنائية وفوق عادية. يفبركون إنجازاً تلو إنجاز، يهللون للأعمال التافهة، يخلقون معارك وهمية ليسجلوا على إثرها انتصاراً تلو انتصار. يجعلون من المأساة فضيلة الصبر، ومن كارثة الجوع فضيلة العفة، ومن الشكوى خطيئة التشكيك بمشيئة الله، ومن الاحتجاج هتك لمقام العظام وأولياء الله، ومن النقد خيانة للوطن، ومن رغبة التغيير تواطؤا خبيثاً مع أعداء الله والأمة. يريد هؤلاء خنق كل نبض يخفق من دون رقابة، تعطيل كل قدرة متوثبة، كل فكر طليق، كل روح حرة، محو أثار كل نُبل، بعدما سادت الخِسة قاعدة عامة ومبدأً أخلاقياً.

يريد هؤلاء العبث في القيم، لتسود أخلاقهم المتخمة بالحقد وحب الانتقام. يريدون قطعاناً مروضة على الطاعة، ومدجنة على الخضوع ومدربة على التهليل والتبجيل والتمجيد. يريدون، لكي يشبعوا شهوة سلطتهم المقدسة، أناساً ذوي ضمائر متعبة بالذنب والخطيئة بحقهم، ومثقلة بالمديونية تجاههم، تواقة إلى بذل المال والأنفس للتكفير من إفكها ووزرها بحقهم.

هو واقع ما يزال أكثر الثوار والغاضبون والعقلاء والنبلاء والفضلاء والشرفاء فيه: مترددون خجلون خائفون مبعثرون ومشتتون، يصيحون أكثر مما يفكرون، يتكلمون أكثر مما يفعلون، يكثرون من الحسابات والتحاليل ولا يُقدِمون أو يقتحمون، يساومون خصمهم رغم علمهم بأنه يسوقهم نحو حتفهم ودمارهم. ما زالوا يصورون الضعف تسامحاً، والهشاشة تواضعاً، والقوة والعنفوان عدوانية، والجرأة تهوراً، والصراحة والشفافية خروجاً عن أصول اللياقة والأدب، والتصعيد تعريض الهيكل للسقوط.

لم يدرك هؤلاء أن المسألة في لبنان لم تعد قضية تنافس على الشرعية، أو قضية إمساك بقرار سياسي، أو التزاحم على أكثرية نيابية، أو قضية مبارات انتخابية، بقدر ما هي قضية أصل الشرعية نفسها، وأصل السلطة نفسها، وأصل التمثيل نفسه، وأصل حقيقة الدولة نفسها. أي لم تعد قضية تحديد من يحكم، بقدر ما باتت قضية كيف نحكم، وما هي الأرضية والقيمة الأخلاقية التي يقوم عليها الحكم وتمارس على أساسها السلطة.

لم يدرك هؤلاء أن المسألة لم تعد مسألة لمِّ الشمل، أو تأمين التوافقات بين مكوناته، أو مراعاة دستورية وميثاقية العيش المشترك بين طوائفه، فهذه جميعها أقرب إلى شعارات خطابية، وغرقٌ مسرفٌ في سذاجة الفهم وسطحية التفكير وخواء المعنى، ومدخل خطير للتلاعب وسوء الاستعمال وتوتير الغرائز وخبث التأويل.

لم تعد المشكلة في كيفية احتواء مكونات لبنان الداخلية ومراعاة خصوصياتها، بقدر ما باتت في تعريف ماذا يعني لبنان؟ وماذا يعني أن تكون لبنانياً؟ فلبنان ليس مجموع أفراده، أو وعاءً فارغاً يضم جميع من يسكن فيه، بل هو حقيقة وراء أفراده ومكوناته، تهب المنتمين إليه نمط حياة متفردة، وطريقة عيش مختلفة، ونظرة مبتكرة إلى الذات، ووسيلة تموضع خاصة في هذا العالم.

لم يدرك هؤلاء أن لبنان الماضي لن يعود، ولم يعد بالإمكان الدفاع عنه أو استرجاع مكتسابته وإنجازاته، وأن لبنان الحاضر لم يعد بالإمكان المضي فيه أو التقيد والالتزام بقواعده وثوابته، وأن لبنان المأمول والمنتظر بات مغامرة جديدة، ومشروع وجود آخر.

* (كاتب وأكاديمي لبناني)

18/ربيع الآخر/1443هـ