’المقاومة’ تصنع ’الاحتلال’


 

 

 

 

د. حارث حسن

موقع الإمام الشيرازي

 

في زمن الاستعمار وصعود حركات التحرر الوطني، ظهرت  فكرة ان الاستعمار والاحتلال يبرران المقاومة، ومع تكرس افكار الاستقلال وسيادة الشعوب، واختلاطها بالايديولوجيات المناهضة للامبريالية والمدافعة عن المضطهدين (بفتح الطاء)، اكتسبت فكرة المقاومة جاذبية اكبر، بل وتدريجيا اصبحت ايديولوجيا مهيمنة في العديد من البلدان. 

لكن اين نضع "المقاومة" في بلد لا يوجد فيه احتلال؟، انتهى احتلال العراق رسميا بتسلم الحكومة المؤقتة مسؤولياتها عام ٢٠٠٤، وعمليا بانسحاب كامل القوات الامريكية عام ٢٠١١ حيث احتفلت حكومة المالكي بما اسمته ترددا بيوم "الجلاء. 

يعرف العراقيون معنى الاحتلال، كانوا يرونه في كل يوم عند رؤية الهامرات والدبابات الأمريكية والجنود الأجانب المدججين بالسلاح، ولكن لأسباب يعرفها معظمنا وليس هنا موضع مناقشتها، اختلفوا حول المقاومة وضرورتها وشكلها وغاياتها. 

ولكن اليوم، عندما تتحدث بعض القوى عن الاحتلال، فهي تتحدث عن شيء آخر لا علاقة له بمعنى الاحتلال قانونا أو ممارسة، ليس فقط من حيث تجاوزها لحقيقة أن مجموعة من عدد محدود من القوات الأجنبية جاءت بدعوة من الحكومة العراقية، وأن عدداً مهما من الفاعلين السياسيين العراقيين - بمن فيهم الحكومات المنتخبة - دعموا هذا الوجود، بل  أيضا  في زعمها بأن لديها حقا مشروعا (من منح هذا الحق؟) لجر البلد الى صراع مسلح مع طرف تنفرد وحدها بتسميته بالاحتلال؟ والسؤال هنا اذا كان وجود حوالي ٢٥٠٠ جندي أمريكي في مواقع عسكرية مع قوات عراقية وبدون الانخراط بعمليات قتالية يسمى احتلالا، فهل غياب هؤلاء الجنود غير المرئيين سينهي الاحتلال؟ أليس من المحتمل أن يتم مط مفهوم الاحتلال اكثر ليشمل اشياء أخرى؟. 

هنا، يميل بعض لاستبدال الحديث عن الاحتلال بالحديث عن نقص السيادة، ولكن هذا الحديث ينتمي في تصوراته الى منتصف القرن العشرين والفكرة الطوبائية عن السيادة المطلقة، أما في عالم اليوم فليست هناك سوى سيادات نسبية، فبسبب العولمة والاعتمادية المتبادلة والإنترنيت والتداخل العابر للحدود، حتى دول كبرى مثل الولايات المتحدة والصين ليس بوسعها ادعاء امتلاك سيادة مطلقة، وحتى لو قبلنا هذا الفهم العتيق للسيادة، ففي عالم اليوم صارت أهم مصادر تهديد الأمن القومي والمجتمعي هي الأوبئة والجفاف وتغير المناخ والفقر وفشل الدول بالقيام بوظائفها، ومع تراكم كل هذه الأشياء ماهي القيمة المرتجاة من السيادة في دولة مختلة؟. 

أمام هذا الواقع، يبدو إننا أمام حالة نقيضة لماعرفناه تاريخيا، فبعد أن كان الاحتلال سببا في ظهور المقاومة، صارت "المقاومة" أو اياً من شاء أن يطلق هذه التسمية على نفسه وفصيله، تخترع "الاحتلال" لتخترع لوجودها مشروعية لا أساس لها في واقع سياسي يفترض أنه قائم على فكرة الديمقراطية وحكم القانون، مع فجوة هائلة بين هذه الفكرة وواقع اليوم، وهي فجوة أسهمت الجماعات المتشبثة بشرعيات غير دستورية بتوسيعها وتعميقها.

* (أكاديمي وباحث عراقي)

17/ربيع الآخر/1443هـ