التيار "التشريني" الثالث!


 

 

 

 

أحمد سعداوي

موقع الإمام الشيرازي

 

أي مراقب لديه عناية بسيطة بمتابعة الأحداث يستطيع أن يميّز ثلاثة تيارات داخل الحراك التشريني في العراق، يمكن أن نصف الأول منها بأنه "تيار محافظ" والذي انبثقت منه حركات سياسية منها حركة امتداد التي شاركت بالانتخابات المبكّرة وحصدت 9 مقاعد.

أما التيار الثاني فيمكن أن نصفه بأنه "تيار يساري" يمثّل قطاعًا واسعًا من الناشطين التشرينيين، ولعلنا لا نجانب الصواب إن وضعنا حركة "البيت الوطني" السياسية تحت هذا التيار. وهؤلاء لم يروا من المناسب أن ينزلوا إلى الانتخابات في ظل الظروف الحالية، وأن هناك عملاً كثيرًا يجب القيام فيه بين القواعد الشعبية قبل الدخول في الانتخابات النيابية.

التيار الثالث هو التيار الأكثر راديكالية، ولم يفرز حركات سياسية، ويصعب حصره في هيكلية معيّنة، وهو أقرب إلى القواعد الشعبية التشرينية ومزاجها، ولعل هذا المزاج هو الذي رفع شعارات تشرين الأولى الأكثر حدّة مثل "الشعب يريد إسقاط النظام"، وهو مزاج كان يدفع الكثير من الشباب لتقدم الصفوف وتحدّي دخّانيات الأجهزة الأمنية ورصاص المليشيات.

هذا التيار الثالث هو صاحب السقوف العالية، والذي لم يرَ خيرًا في بقاء النظام بقضّه وقضيضه، ولا يبدو أنه يرى في التغيرات التي حصلت منذ إسقاط حكومة عبد المهدي إلى اليوم أي شيء مشجّع لتغيير وجهة النظر حول النظام. ولربما يلوم أفراده زملاءهم التشرينيين من "المحافظين" و"اليساريين" لأنهم يحاولون لعب السياسة.

خطأ كبير يرتكبه المراقب إن حصر تشرين بالتيارات السياسية المنبثقة عنه، مع تجاهل للقواعد الاجتماعية لتشرين، والتي لا تريد أن "تمارس" السياسة، ولا ترى أن هذا مطلوبًا منها أساسًا، فهي حراك شعبي احتجاجي، وظيفته الضغط على النظام السياسي وتمثيلاته من برلمان وحكومة ورئاسات ثلاث أو أربع [إن أضفنا المحكمة الاتحادية].

هذا التيار الذي يوصف أفراده بأنهم حالمون ومتطرّفون، فيه سائق "الستوتة" وبائع البسطة في الأسواق الشعبية، وفيه الموظف والطالب والصحفي والأستاذ الجامعي أيضًا. وهؤلاء لديهم مشروعية تعزّز رفضهم الكلّي قادمة من البؤس المهيمن على الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية بشكل عام. وهم لا ينظرون إلى الزحزحة البسيطة في هذا الموقع أو ذاك نحو الانفراج أو الحلّ أمرًا إيجابيًا حقًا، وإنما محاولات للترويض والالتفاف على مطالب الحراك الشعبي.

إنهم انفعاليون، غاضبون ويائسون، ولكن هذه هي الطاقة التي تحرّك الثورات والحركات الاحتجاجية، وليس "لعب السياسة" والبحث عن تسويات أو صفقات أو حلول تدريجية، فهذه منطقة السياسة لا الاحتجاج.

وهنا قد يستفيد السياسي القادم من ساحات الاحتجاج، إن كان محافظًا أو يساريًا، من زخم الغضب واليأس وقائمة المطالب غير الملبّاة بعد، مثل الكشف عن مصير المغيّبين، وتقديم القتلة والجناة إلى العدالة. ليتذكّر أنه مسؤول أمام هذه الساحات أو القواعد الشعبية التي ملأت الساحات التشرينية، ليحقّق مطالبها وليتحدث بإسمها.

إن الحراك الاحتجاجي التشريني الذي قدّم مشهدًا مثيرًا وغير مسبوق في التاريخ العراقي الحديث على مدى تسعة أشهر أو أكثر، يمكن أن ينتظم مرّة أخرى بمشاهد مشابهة حين يتحرّك المزاج الاحتجاجي مرّة أخرى، انطلاقًا من مقدّمات مشابهة لما حدث قبل الأول من تشرين الأول 2019، وهي مقدمات يعرفها الجميع ولا داعي لسردها هنا.

وهنا تأتي مسؤولية التيارات السياسية التشرينية في أن تكون قريبة من القواعد الشعبية التشرينية، وتبقى في دائرة الحوار المفتوح معها، حتى لا تعزل نفسها عن المتغيرات التي تحصل في المزاج العام، بل وتكون جزءًا من القوة التوجيهية لهذا المزاج، لأنها منه وما انطلقت إلى العمل السياسي إلا بالاتكاء على الرأسمال الرمزي التشريني.

وعلى الرغم من المفاجآت التي حملتها انتخابات العاشر من تشرين الأول 2021 لصالح التفاؤل بقدرة المزاج التشريني على التغيير السياسي الفعلي، إلا أن المشهد السياسي بشكل عام ما زالت تتقاسمه توازنات القوى نفسها التي كانت خلال وعقب انتخابات 2018. وبعض هذه القوى تصارع الآن بأظافرها وأسنانها حتى تحافظ على مواقع النفوذ والسلطة والمال نفسها، غير معترفة بالمتغيرات التي أنتجتها الانتخابات الأخيرة.

لهذا وحتى يتضح مشهد الصراع بين الكيانات السياسية النافذة والتي تمتلك السلاح ومواقع السلطة حاليًا، فإن تشرين ستبقى وعدًا أكثر منها واقعًا، وعلى الساسة "التشرينيين" أن يكونوا ممثلين لروح الوعد الذي يختزن الكثير من محطات الاختبار، وهو اختبار للطبقة السياسية القديمة التي ما زالت نافذة، مثلما هو اختبار للنخبة السياسية التشرينية الجديدة أيضًا. قد يبدأ ذات يوم (قريبٍ أو بعيد) بوقوف شابٍ لا تعرفه النخبة التشرينية في ساحة التحرير ليرفع شعارًا راديكاليًا يجذب انتباه من يشبه هذا الشاب ليخلقوا موجة احتجاج جديدة.

* (كاتب وروائي عراقي)

15/ربيع الآخر/1443هـ