دولة دون معايير..حكم من خارج المؤسسات وخلافا للقانون


 

 

 

 

د. حارث سليمان

موقع الإمام الشيرازي

 

جنوبية - لا يُبنَى وطنٌ ويزدهرْ دون دولة، تَحفظُ مصالحَ شعبِه وتَستثمرُ ثرواتِه، وتصونُ حدودَهُ، وتُديرُ مرافقَه، وتُنظِّمُ علاقاتِه مع الدولِ الأخرى…كما تحفظ أمن سكانه، وسلامة اراضيه…

ولا تُقامُ دولةٌ دون معاييرَ آمرة ومفاهيم تأسيسية، تَتحدّدُ من خِلالِها مجموعةُ قِيّمٍ، تُوَجِهُ الحياةَ السياسيةَ، وتُلزِمُ اللاعبين في ساحاتها، بالانضواء الطوعّي، لحيثيات الممارسة السياسية ومسلماتها، ولذلك كانت دساتير الدول، نصوصاً آمرة ومستدامة، لتحديد ضوابط اللعبة السياسية وأصول تداول السلطة وإعادة تكوينها، كما تُحدّدُ علاقاتِ السلطاتِ المختلفةِ من تشريعية أو اجرائية تنفيذية أو قضائية، وتُنظِّمُ تداخلها واستقلال الواحدة عن الاخرى، وتَرسُمُ أصولَ الفَصْلِ بين صلاحياتِ كلٍ منها، ومناحي التعاونِ فيما بينَها….

وتَنْدرج انطلاقا من ذلك، سلسلةٌ من القوانين والتشريعات تَرعَى أصولَ عملِ كل سلطة، وتُنظِّمُ علاقاتها بالمواطنين والأفراد داخل المجتمع وفي مختلف أرجاء الوطن.

البناء القانوني وآلية الإمرة من الأعلى الى الأدنى، ترتسم تدرجا من “سلم المعايير” الى “نصوص الدستور” الى مواد القوانين وتطبيقاتها، الى المراسيم الوزارية والتطبيقية، ومن بعدها تأتي القرارات التنفيذية، فيتشكل من كل ما تقدم، بنية فكرية قانونية متكاملة، تمثل البناء الفوقي للحكم الرشيد والحوكمة الفاعلة.

وينبثق عن هذا البناء الفوقي النظري، هيكليات وبنى وأنظمة تحدد آليات تسيير الحياة العامة، في كل مجالات الادارة، والنقل والصحة والتعليم والعمران والاتصالات وبنى الخدمات والمرافق العامة والرعاية الاجتماعية والصحية وحفظ الأمن والسلم الأهلي، والدفاع الوطني، وتُعْتَمدُ في هذا المستوى من النشاط الدولتي : الكفاءة والعلم والامتحان، اضافة للنزاهة والشفافية والمهنية والمناقبية، وذلك من أجل تحقيق جودة الإداء وحسن التدبير والاختيار، وزيادة الفعالية ورفع مستوى الإنتاجية، ويتم اخضاع مواقع المسؤولية كافة، لآليات رقابية إدارية وعمليات تقييم ومراجعة، يجري على أساس نتائجها تقويم التراتبية الوظيفية، واصطفاء العناصر المؤهلة للترقية الى مراتب قيادية أعلى، كما يترافق ذلك مع أنظمة محاسبة مالية، وهيئات تتولى قمع المخالفات وإنزال العقوبات بمرتكبيها.

ويتراكم عبر الممارسة والوقت بنيان سياسي إداري ومؤسساتي، له تقاليده والتزاماته وضوابط عمله، وخصائص وظيفته في الحياة العامة، فتتأسس ملامح “دولة عميقة”، تترسخ صورتها وتظهر في انتظام عمل الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء والادارة العامة والاعلام، و مؤسسات التعليم و الجامعات الرسمية وحتى الخاصة، وفي المالية العامة والجمارك و النظام المصرفي والنقدي، واجهزة الرقابة المالية والادارية، وكافة المؤسسات والمرافق، التي تقدم خدمات في مجالات الكهرباء والإتصالات وضبط حركة المعابر الحدودية الوطنية، والجباية الضريبية والرسوم الجمركية، ومجالات عمل هذه الشبكة من المؤسسات، لا علاقة له بالصراع السياسي أو الانقسام الطائفي او الانحيازات لمحاور اقليمية او دولية.

لذلك فإن “الدولة العميقة” بكل تجلياتها وميادينها، هي شأن مواطني يضمن حقوق الأفراد الأساسية، وشأن سيادي يحفظ المصلحة العليا لشعب بمجمله، وعليه لا يصح السطو عليها، أو انتهاك أصول عمل كل منها، أو استتباعها لأهداف سياسية او طائفية او صراعات إقليمية.

وتشكل المحاصصة الطائفية والسياسية، التي دأبت المنظومة السياسية الحاكمة من ثمانينات القرن الماضي ولتاريخه، نهجا تدميريا متفاقما متصاعدا لتفكيك كل ملامح دولة لبنانية عميقة، ولمنع قيام اي محاولة ولو جنينية، لاستحداث بنى تتطور لتصبح جزءا من دولة عميقة مرتجاة.

فالاستتباع في الوظيفة العامة، على اساس الولاء يضرب معيار الكفاءة ويتجاوز القانون، وينتج ادارة مختلة التراتبية وقليلة الانتاجية.

اما تدخل المنظومة السياسية في القضاء فيؤدي الى شل فعاليته، والتشكيك بمصداقيته، والاستهانة بأحكامه، ولعل ما حدث سابقا وما يحدث اليوم من حرب بين القضاة، طبقا لأجندات تبعياتهم السياسية، يبرز حجم الجريمة التي ارتكبتها المنظومة الحاكمة، في حق القضاء واستقلاليته ونزاهته.

وغني عن بيان القول او الملاحظة، فان مجمل هذه الضوابط لا توجد في لبنان، فدولتنا ليست لديها معايير آمرة، تضبط سلوك اللاعبين السياسيين فيها، وعلى الرغم من وجود نص دستوري، تحدد احكامه حدود صلاحيات السلطات العامة واصول فصلها وتعاونها، فان السلطة الفعلية تمارس من خارج المؤسسات، خرقا لقوانين الدولة ومصالح لبنان الوطنية، فيما تتفشى بشكل دراماتيكي ثقافة شاملة للخروج عن القانون، بحيث اصبح انتهاك القوانين كل القوانين، “نمط عيش شامل”، من قانون السير الى قانون النقد والتسليف، وما بينهما من قوانين اخرى، من ابسطها كقانون منع التدخين في الاماكن العامة الى سائر القوانين كافة في التنظيم المديني، أو انظمة التعليم والاستشفاء وسائر مناحي الحياة العامة…

لا يقتصر الخلل في استسهال اصحاب السلطة، أمر الخروج عن القانون، بل يمتد الخلل الى عجز الادارات المختلفة والمؤسسات العامة، عن القيام بوظائفها اليومية وتسيير المرافق والخدمات التي تتولى إدارتها والإشراف عليها، وقد أصبح معتادا بل مقبولا، أن ينبري كل صاحب مسؤولية أو مدير مرفق، الى اعفاء نفسه من فشله والى التنصل من افعاله، التي تسببت بتوقف خدمات قطاعه، عبر اعلان صحفي يعلم به الجمهور بموعد انقطاع الخدمة، فمؤسسة الكهرباء ليست مسؤولة عن امداد الكهرباء، بل جل دورها الاعلان المسبق عن ساعات العتمة المتوقعة، اما قطاع الاتصالات والهاتف، فمسؤوليته تتحدد بان يعلم الجمهور عن مناطق قطع الاتصال بسبب الكهرباء، واذا ذهبنا الى البريد وهو مرفق جرى تخصيصه لتحسين جودة خدماته، فستواجه اذا ما كنت منتظرا، رسالة او وثيقة آتية من دولة اجنبية، احجية تشبه “البحث عن كنز مفقود” بين مكتب البريد وعامل التوصيل، ولعل افدح اشكال التنصل من المسؤولية، والعجز عن الفعل والإنجاز، هو ما جرى في جريمة تفجير مرفأ بيروت، فقد اكتشفنا بعد الكارثة ان عشرات اللا” مسؤولين” قد تداولوا مراسلات فيما بينهم، عن خطر أكبر قنبلة تقليدية في التاريخ، بان اكتفى كل واحد منهم بإحالة قصاصة ورق الى رئيسه، ليصور نفسه انه قام بما عليه، فيما القرار التنفيذي لنزع القنبلة كان غائبا او ممنوعا…

قد يكون نادرا واستثنائيا ان تجد في هرم هذه السلطة ودولة محاسيبها، من الرئيس الى الخفير، من يجيد عمله ويقوم بتنفيذه على وجه الاتقان…

في دولة المحاسيب هذه، قد يكون نادر الوجود فيها، حاجب يمسح غبار مكتب، مثلما يندر وجود وزير يعتبر مهمته تسيير المرفق العام، وتوسيع خدماته وتطوير ادائه وتحقيق اي انجاز.

لم يكن غريبا على هذه المنظومة التي استباحت كل شيء متعلق في بنيان الدولة وهيكلياتها، ان تستبيح سمعة التعليم العالي في لبنان وقيمة شهاداته الجامعية، فظهر وجود ٢٧ الف شهادة جامعية في العراق، لا قيمة علمية لها، وقد اتاح الحصول عليها دكاكين جامعية لبنانية رخصت لها المنظومة واعتمدتها…

لم يسلم أي مجال ينتج ربحا أو يدر مالا من طمع المنظومة وشهواتها؛ من سرقة رمول الشواطئ الى أملاك لبنان البحرية والنهرية، الى قمم الجبال وصخورها، ومن ودائع الناس وجنى اعمارهم في بنوك المنظومة وحاشياتها الاقتصادية، الى بيع المراكز الوظيفية في اجهزة الدولة ومؤسساتها، لم تخجل المنظومة ولم يَجرحْ حَياءَها أيُّ إرتكاب! ؛ من تبييض الأموال، الى تهريب المخدرات، الى أفعال القتل الجرمية المنظمة.

السلطة الفعلية تمارس من خارج المؤسسات الدستورية، والمراسيم والسياسات تصدر من خارج الحكومة، حتى لو نالت تواقيعَ الوزراء وأختامهم، والتشريعات الأساسية، يُتَخّذُ أمرُ صياغتِها خارج مجلس النواب، حتى لو شَهِدْنا نقاشاً حاميا حولها في الندوة البرلمانية…

نعم البرلمان ندوة، ومجلس الوزراء مسرح، وكلا الأمرين تعميةٌ للواقع وتزييف للحقائق، فالحياة السياسية غدت مسرحا للدمى، واللعبة الديموقراطية فيها، غَدَتْ فصولَ تسلية وإلهاء، لذلك تحول الوزراء، الذي يفترضهم الدستور رجال حكم ودولة، مهماتهم ادارةَ البلاد والعباد وتسييرَ المرافق والخدمات، اصبحوا شخصيات مسرحية تحرص على تسلية الجمهور والهائه، تماما كما في كتاب بيدبه الفيلسوف “كليلة ودمنة” ومترجمه إبن المقفع، فمن قصة الضفدعة في الحفرة، الى الطير الذي أطفأ النار بماء منقاره، الى حفاضات الوزير الخبير بالتجربة الصينية، الى مقدم برامج المسامح لئيم الخ…

لا شيء من صورة حُكْمٍ، ورجالِ دولة، لا شيء من خبراءَ يجترحون حلولا لأزمات ومعضلات، لا ريادة لعملٍ إصلاحي في مرفق أو خدمة عامة، لا معيار ولا كفاءة، ولا مهارة ولا مناقبية، ولا انجاز يفاخر مسؤول بتحقيقه… لا شيء سوى دمى تحركها خيوط في مسرح، هدفه تسلية والهاء الجمهور، فيما الكارثة تقض مضاجع العائلات، وينهار النظام الصحي بمجمله، ويتفكك نظام التعليم بكل مستوياته، وتدق المجاعة ابواب الناس واصحاب الكرامات والهامات، وينهش الفقر كل مواطن ومقيم…

لا شيء يدعو للغضب! لا شيء حري بالاهتمام.. سوى اليمن!

* (كاتب وأكاديمي لبناني)

14/ربيع الآخر/1443هـ

* ليس بالضرورة أن يتبنى الموقع جميع مضامين المقالات المنشورة.