العراق.. مأسَسة الفوضى


 

 

إياد العنبر

 

موقع الإمام الشيرازي

لطالما انتقد فلاسفة الإغريق والرومان الديمقراطية في تنظيرهم لِلدورات التاريخية لأنظمة الحكم، وكان محور الانتقاد يقوم على اعتبار أنها تؤدي بالنتيجة إلى حكم الغوغاء، وتصديهم لِلحكم يؤدّي إلى سيادة الفوضى. ومن ثمَّ تكون الخيارات المطروحة للتخلص من حالة الفوضى التفكير بالعودة إلى خيار الحكم الدكتاتوري! لذلك سعى المفكرون المعاصرون إلى ضرورة أن تكون الديمقراطية مرتبطة بالمؤسسات والدستور لتجاوز تلك الأزمة. 

ويبدو أن من يحكم العراق اختار الديمقراطية عنواناً لِنظامه السياسي، لكنّه غيَّبَ عنه حكم المؤسسات والدستور، لأنه بالنتيجة يريد لِلفوضى أن تتحوّل إلى نظامٍ حاكم. ويبدو أننا في العراق نعيش الآن سيادة حكم الفوضى، حيث لدينا كلَّ العناوين السياسية والمؤسسات التي تحدد مفهوم النظام السياسي، لكنّها ليست هي الحاكمة! نعم، لدينا دستور ولكنّه تحوَّل إلى لعق على ألسنة السياسيين في السجالات السياسية. فهو يوظَّف للاحتجاج بين الفرقاء السياسيين ولا يتمّ الاحتكام إلى بنوده، لأنَّ الصفقات والاتفاقات السياسية صاحبة القول الفصل. 

وبات من الطبيعي جداً أن ينام أو يستيقظ العراقيون على أخبار انتشار الفوضى، وطبيعي جداً أن تشاهد انتشار قطاعات عسكرية بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة تتجوَّل في شوارع بغداد ومحافظات أخرى! وتبقى كل احتمالات الفوضى متوقعة، ولكن يبقى المشهدُ الثابت هو غياب مظاهر الدولة ومؤسساتها عندما يحتاج المواطن تلمس وجودها في مجالات حياته اليومية. لاسيما بعد أن تحوَّلت شوارع بغداد إلى ساحة للاستعراضات العسكرية لجماعات مسلحة بعناوين مختلفة، لها حريّة مطلقة في اختيار توقيتات الاستعراض، وتحمل لافتات عنوانها الصريح: بأننا فوق الدولة. 

ولا توجد فوضى أكثر من فقدان البوصلة في تحديد المعايير بشأن المواقف الوطنيّة والتي تميزها عن الولاءات الخارجية. فمن يتهم خصومَه بالخيانة والعمالة، يتبجح نهاراً جهاراً بالدفاع عن مصالح الدول التي يدين لها بالولاء ويتبع أجندتها من دون أن يبالي بمصلحة الوطن.  

وعندما يتم احتكار القرارات والمواقف المصيرية بالبلاد بإرادة زعماء الكتل السياسية، تُركَن إرادة المواطنين التي عبَّروا عنها من خلال المشاركة السياسية في الانتخابات، ويتحوّل البرلمان إلى مؤسسة لتمرير صفقات واتفاقات سياسية لِلزعماء على منح الثقة للحكومات، ومشاريع القوانين. فبالنهاية تكون المؤسساتية غائبة والشخصنة حاضرة وبقوّة في صنع واتخاذ القرار السياسي، وبالتأكيد لن يؤسس هذا الواقع إلا لترسيخ الأعراف السياسية التي تشرعن الفوضى وتضعّف دور المؤسسات السياسية. 

إحدى أهم ملامح مأسسة الفوضى في العراق، طبيعة العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان. إذ الخلافات السياسية بشأن إقرار الموازنة الاتحادية وتكرارها كلّ عام، دليل كاشف على مأسسة الفوضى في النظام السياسي العراقي! ولا تزال حصّة الإقليم من الموازنة ومشكلة رواتب الموظفين وتصدير نفط الإقليم مشاكل عصيّة لا يتمّ حلّها عن طريق بنود الدستور، وإنما تتنظر الصفقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم من جهة، وبين الكتل السياسية من جهة أخرى. ومن ثمَّ، استبدلنا الفقرات الدستورية التي تحدد طبيعة العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية بــ(اتفاق أربيل 2010)، واتفاق عادل عبد المهدي (الذي كان وزيراً للنفط آنذاك) مع حكومة الإقليم في 2014، والاتفاق الذي عقدته حكومة عادل عبد المهدي مع حكومة الاقليم الذي ثبت في موازنة 2018. 

وأيضاً، عندما تتحدث الطبقة السياسية وزعمائها عن الفساد وانتشاره ووجود صفقات مشبوهة تشترك فيها أحزاب وقوى سياسية وحكومية. ولكن هذه الأحاديث يتم تسويقها عن طريق اللقاءات الصحفية والتصريحات الإعلامية، ولا يتمّ إحالة ملفات الفساد التي يتم الحديث عنها إلى المؤسسات القضائية والرقابية، تكون النتيجة بأن يصبح لِلفساد السلطان الأعلى في دولة لا رقيب فيها ولا حسيب. 

في "دولة" يتم تعيين الأغلبية من رؤساء المؤسسات المهمّة في النظام السياسي بعنوان (الوكالة)، ويكون المعيار هو ولاء من يتم تعينهم لرئيس الحكومة أو الوزير أو الحزب السياسي، قطعاً لن تتم إدارة هذه المؤسسات نحو تحقيق المصلحة العامة. ولذلك، وفي ظلّ معيارية الولاء في التعيينات بالمناصب السياسية والإدارية، لم يعد غريباً أن تكون تلك المؤسسات عاجزة عن القيام بوظائفها في خدمة النظام العام أو المواطن، فهي تخدم الفوضى التي تؤسس لها الاوليغارشيات السياسية الحاكمة. 

كيف لا تكون الفوضى متسيّدة في المجال السياسي، عندما يستعرض مَن يهمين على مؤسسات الدولة بمعارضته لِقرار الحكومة أو استصغارها أو إهانتها بسلوكيات فوضويّة يتمّ تكرارها بمناسبة أو بدونها. وتكون المفارقة عندما تكون هناك الملاحقات واعتقالات قضائية لمن ينتقد هذه الفوضى ومحاولات إهانة الدولة، ويتم التغاضي عن الجهات المتهمة بتنفيذ عمليات الخطف والاغتيالات والتجاوز على الاملاك العامة والخاصة!

إنَّ قوى اللادولة التي أسست لواقع فوضوي، عندما تقدّم نفسها على أنها أعلى من الدولة ومؤسساتها، تدرك تماماً عدم وجود أحد لمواجهتها وإيقاف تغوّلها. فخياراتها لمن يكون رئيس وزراء تقوم على أساس أن يكون شخصاً لا يملك مقومات القيادة حتى تشترط عليه استبعاد أي خيار لمواجهة مع كلّ من يريد اضعاف الدولة. 

وتتحوَّل الفوضى إلى كارثةٍ حقيقية، عندما تختار الحكومة الصمتَ أو التبريرات الساذجة التي تثير السخرية، وبذلك تكون ركيزة رئيسة في تثبيت الفوضى، فهي تنسحب مِن المجال العام وتتخاذل عن تأدية وظائفها الأمنية. وبذلك تترك المواطنَ أمام مواجهة مباشرة لهذا الواقع الفوضوي الذي لا يعرف فيه مَن مع الدولة ومَن هو ضدّها، وبالنتيجة يجعله مجبراً على التكيّف والقبول بالعيش في ظلّ الفوضى. 

لقد تصدّى لِلسلطة والحكمِ مجموعة من الفاشلين أو شخصيات مغمورة بلا تاريخ سياسي وخبرة في إدارة الحكم، قد يكون ذلك تبريراً للفوضى التي نعيشها في العراق. بيد أن تراكمات السياسات العبثية ومواقف التخاذل باتت تتحوّل إلى تركة ثقيلة جداً، تجعل التفكير بحلول لإنقاذ البلاد مجموعة من الأوهام، وتحيلنا إلى مخيال سياسي يتنظر المعجزة أو تدخل خارجي يعيدنا إلى المربّع الأول من تجربة الانتقال السياسي.

* (كاتب وأكاديمي من العراق)

17/شعبان/1442هـ