الوحش والبهي والمرآة


 

 

حارث سلمان

موقع الإمام الشيرازي

 

لا يحتسب القتل بكاتم صوت فقط، وهو ليس ترهيبا بالرصاص أو بلغة العنف، رمزية كانت او تهديدا ناطقا ومباشرا…

القتل ليس تخوينا وتشويها واساءة لكرامة الانسان فحسب، وهو ليس قذفا بتهم زائفة وفبركة افتراءات واهنة، لتشويه تاريخ الضحية قبل قتلها، فيكون القتل المعنوي تحضيرا دؤوبا للقتل المادي…

القتل لا يكون فقط بافتراض شبهة او مؤامرة في سلوك المعارض السياسي، لمجرد ابدائه رأيا أو تبنيه موقفا، لا يداهن سلطان القوة ومحتكر القرار.

القتل ليس بإثارة موجة خوف عامة، تُعدِّل سلوك الناس واحاديثهم بحيث يتجنبون معارضة المستبد، ويُطَوّعونَ أراءهم لتجنب إستفزازه وإثارة غضبه، فالقاتل الحقيقي هو ذلك المستبدُ الذي لا يُذكَرُ اسمُه بسهولة أو مباشرة، وعليه يتحول القتل بالاغتيال الى طقس لممارسة الاعتراف بذعر جماعي، يهِبُّ من خلاله عشرات أو مئات من الاشخاص لإسداء النصح ومطالبة المنذورين للقتل، والمعلنة أسماؤهم سلفاً، بتوخي الحذر واخذ الحيطة من غدرٍ داهم.

لا جدوى بعد كل اغتيال للبحث عن فريق الاعدام، فكلُ جلادٍ يُجيدُ إخفاءَ وجهِهِ بقناعٍ أسود، ومن المعروف، حتى في دول العالم، أنّ مسؤولياتِ الجلادِ ووظيفتَه تُلزِمَهُ أن يُنكِرَ أنَّهُ الجلادُ الذي شارك بالإعدام، لا يُنكِرُ الجلّادُ مسؤوليتَه أمامَ الناسِ فقط، بل أن تقاليد فِرَقِ الإعدام ذاتِها، تُتيحُ له أنْ يُنكِرَ مسؤوليتَه عن القتلِ أمامَ ضميرِه، ولذلك يَتمُ وضعُ رصاصةٍ خُلّبيّةٍ من أصل عشر رصاصات في بنادق فريق الاعدام.

الاغتيال السياسي عملٌ علنيٌ ممهورٌ بتوقيعين اثنين، توقيعٌ سابقٌ وتوقيعٌ لاحق، وهو يشبه تماما صيرورة حكم في جريمة، مَثُلَ الجاني فيها، أمام القضاء وصدر حُكْمُ إعدامٍ بحقه.

المقارنةُ هنا ظالمةٌ ومفجعةٌ، وتُبرزُ تناقضاً مريراً: في الجرائم الجنائية يتم إعدامُ المُرْتَكِبِ بعد محاكمةٍ تَستنِدُ الى وقائعٍ وأدلةٍ، ويُعاقَبُ على ارتكابه فِعلاً مَوصوفاً، بجنايةٍ حدّدَها القانونُ وحدّدَ عقوبتها، ويَصدُرُ الحكمُ بعدَ حِفْظِ حَقِّ الدفاع وقَرينَةِ البراءة، عن هيئةٍ مُؤهلة لهذه المسؤولية علما وقِيَما وحصافة….أما في الاغتيال السياسي فيتم اعدام صاحب الرأي ليس على فعل قام به، بل على رأي أو سوء ظن، نُقل عنه أو أدلى به، لا أدلةَ تُعتمدُ للإدانة، لا حقَّ لدفاعٍ يُحفظْ، تكفي شبهةٌ أو فريةٌ أو شائعة.

لا تستوي الإدانةُ على فعلٍ جُرْمِيّ بالإدانة على رأي سياسي او موقف فِكري، ولا تستوي أحكام العقاب القضائية مع جرائم الاغتيال الارهابية، كما لا تستوي العدالة مع الوحشية رغم أنّ النهاياتِ كافةً، هي القتلُ في كلا الحالتين.

المقارنة فيما تبقى من مظاهر ومناحي أخرى، مذهلة التشابه، علنية سافرة وواضحة:

التهمة علنية، توصيف الجريمة علني، تحديد الخصم علني، طلب العقوبة علني، والتنفيذ مدويا وعلنيا، مع اخفاء الفريق المنفذ.

العقوبات القضائية لها مفعولٌ، لردع أفعالٍ جُرمِية، قد تُهدّدُ المجتمعَ وأمنَهُ، والاغتيال السياسي له وظيفة ردعٍ أيضاً، لكل صاحب رأي او موقف سياسي معارض، لذلك لا يصح ان يبقى القتيل قدوةً، لذلك يتهافت القاتل لينزع عن ضحيته كل ميزة او مكرمة، حتى لو كانت ارثا من اب مات قبل ولادة القاتل، او دارة جميلة اسسها جد قبل ولادة لبنان الكبير، تاريخ الضحية وتراث اهله وعائلته وجمال داره فعل يفتضح هشاشة القاتل ويفضحه كطارئ مستجد، حاز غلبة غير مستقرة.

لا يستوفي الاغتيال هدفه، اذا تحول الضحية الى شهيد مثال او ايقونة للحرية والثقافة والفكر.

بعد اعدام الجاني في حكم قضائي يكتفي المجتمع الذي صَدَرَ الحكمُ بالقتلِ باسمه، بموت المقتول، ويعامل جثمانه باحترام انساني وبطقوس دينية رحيمة. في الاغتيال السياسي يتابع القاتل حربه على الضحية، مرة يحاول تحقيرها، وثانية يشوه كذبا أسباب قتلها، وثالثة يحاصر جنازتها، ورابعة يتهم ويسيء لكل متعاطف معها، يفعل ذلك لحماية وتأمين فائدة الاغتيال وجدواه عليه، لكي لا تصبح الضحية رمزا للأحياء، او تتحول الى معنى يكشف الوحش القابع في القاتل، ولكي لا يكون موكب تشييع الشهيد مرآة لبهاء الحرية التي سفك دمه من اجلها.

الصديق لقمان سليم

قُتلت أولا يوم الافتراء عليك جهارا، وقتلت ثانية يوم تخوينك كتابة ودعوتك مع معارضين غيرك ل “تحسسوا رقابكم”، وقتلت ثالثة يوم شتموك خطابة، وقتلت رابعة يوم حرقت خيمة حوار شاركت بها، بفعل تحريض اقلام موصولة بكواتم الصوت، وقتلت خامسة يوم وعدوك بكواتم الصوت بعد اقتحام دارتك.

وقتلت سادسة يوم خافت اجهزة امنية لبنانية رسمية من قاتليك فاحجمت عن القيام بواجباتها وحمايتك، وقتلت سابعة يوم ارهبوا شيخا من قريتك الغبيري التي تعرف عائلاتها بعضها من عشرات السنين واجبروه على الادعاء ان آل الخليل لا يعرفون آل سليم ولا كنج ولا الحركة ولا فرحات، ويجهلون وجود دارة عز مفتوحة منذ مئة وخمسين سنة، وقتلوك ثامنة يوم حركوا ادواتهم لإنكار حق والدتك بان ترنم للسيدة مريم في وداعك.

قتلك هؤلاء قبل كاتم الصوت في المرة التاسعة، الذي نال برصاصه من عقلك، وكعادته انكر فعلته.

لكن وداعك كان لائقا بقضيتك، قضية الحرية والثقافة والفكر والمعاصرة، وكانت عائلتك العظيمة مرآة جميلة لوطن نحلم به جميعا.

جميل وبهي وداعك كمعنى حضورك، وقصتك كانت قصة بليغة ستروي للأجيال القادمة حكاية “الوحش والبهي والمرآة” الساحرة بالجمال.

* (كاتب من لبنان)

3/رجب/1442هـ