إطلالة على وصايا للفقيه الشيرازي


 

موقع الإمام الشيرازي

 

في السادس والعشرين من شهر جمادى الأولى للعام 1429هـ تمر الذكرى السنوية لرحيل الفقيه العابد، والأستاذ الزاهد، والعالم الرباني آية الله السيد محمد رضا الشيرازي رضوان الله عليه.

انعكس رحيله حزناً وأسى على الحواضر الإسلامية الكبرى التي شهدت حوزاتها الدينية ومؤسساتها العلمية بعلمه الغزير وفكره الوقّاد وخلقه الكريم ومناقبه الطيبة وأفعاله النبيلة، وهو ما تجلى بحضور حاشد للمعزين الذين قدموا من بلدان عدة ليشاركوا في تشييع جثمانه انطلاقاً من مدينة قم المقدسة، مروراً بالنجف الأشرف، وصولاً إلى كربلاء المقدسة، حيث المثوى الأخير بجوار جده سيد الشهداء الإمام أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه.

تميز الفقيه السعيد، آية الله السيد محمد الحسيني الشيرازي (رض) بسعة في العلم، واطلاعه على الأديان وثقافات الأمم وتاريخ الحضارات، وكان مواكباً لمستحدثات المسائل ومستجدات الأحداث، وتحت منبره في بحثي الفقه والأصول يحضر علماء وفضلاء وباحثون ومثقفون، وألف سماحته العديد من المؤلفات المتينة، وصدرت له آلاف المحاضرات القيمة، فكان (قده) باحثاً متبحراً، ومصلحاً باسلاً، ومثقفاً ناقداً، وتميزت محاضراته بالعمق والإحاطة، فيغور في التفاصيل ويشير الى ما يحيط بها، دون اختلال بملازمة موضوعه، ودون أن يربك انشداد المستمع وشوقه للارتواء من علمه.

في زمن ظلم مضى، أبعد السيد الشاب عن مدينته كربلاء، وفرَّق الطغيان بينه وبين محبيه، وبعد أن انحسر ذلك الظلم، وتوسعت آفاق الحرية، وأخذ الناس يعيشون ربيعهم مع علوم السيد الفقيه، ودفئه الإنساني، وسماحته الغامرة، ومشاعره النبيلة، وحيث أخذت نفوسهم المهمومة والمغمومة تستبشر خيراً وأملاً برؤيته الناصعة ومواقفه الواضحة، وتطمئن بدعائه قلوبهم المتوجسة، وتهدأ بإرشاداته أفئدتهم المضطربة، خطفه الموت بغتة، ولم يبق للمحبين إلا الحزن على فقده، واقتفاء آثاره، والاسترشاد بمَنْ بقي مِنْ علماء الأسرة الشيرازية الكريمة، هذه الأسرة التي قدمت للأمة الكثير، وكان لها في كل حقبة مرجع وعالم وشهيد، وإن بقية السيف أنمى. وإِنّ اللّه بالغُ أمره، وهو ولي المؤمنين، وكفَى به ولِياً ونصيراً وهو يتولى الصالحين.

طالما دعا (قده) الى أن ننفض عن أنفسنا غبار الماضي، وأن نبدأ التغيير انطلاقاً من بناء علاقة وعي وعمل مع كتاب الله، حتى يغير الله ما بنا، ويأخذ بأيدينا إلى الصلاح والرفاه في الدنيا والسعادة في الآخرة، فيقول (قده): "القراءة الميتة للقرآن لا تعني أكثر من كلمات يرددها اللسان دون أن تؤثر في واقع الفرد التأثير المطلوب، أما التلاوة الواعية فهي تتجاوز اللسان لكي تنفذ إلى القلب، فتهزه، وتؤثر في اتجاهه"، ويقول: "إن هنالك خيارات صعبة وعديدة تطرح أمام الفرد، وأمام الأمة في كل يوم، ولاختيار الطريق السليم بين هذه الخيارات، لابد من الرجوع إلى القرآن، والتدبر في آياته ومن هنا، يقول الله سبحانه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، ومن هنا أيضاً أطلق القرآن على نفسه اسم (الفرقان)، ذلك لأنه يفصل ويفرّق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ولكن، لمن؟! والجواب: لمن يفهم آياته، ويتدبر فيها".

كان (قده) يحث على أفضل الأعمال (التفقه في الدين)، "وخاصة في مجال (العقائد) فإنها أصل كل شيء، وعليها يبنى كل شيء، كما أن التفقه بـ(الأحكام الشرعية) يضمن للإنسان استقامة العمل"، ويؤكد (قده) ضرورة تفقه المؤمنين والمؤمنات: "يمكن للإنسان أن يخصص كل يوم مقداراً من وقته لهذه الغاية حتى ولو كان مقداراً قليلاً جداً". وأيضاً، يرى أن من أفضل الأعمال "الاهتمام بتشكيل لجان لخدمة المجتمع، دينياً وثقافياً وإنسانياً، فإن في ذلك أجراً عظيماً"، مذكراً بـ"قضاء حوائج الإخوان"، مبيناً أن "نجاح اللجان العاملة يستند معظمه إلى تطبيق قوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم).

الفقيد العزيز، والفقيه الكبير، والراحل الحاضر، لم يدخر جهداً للذود عن الإسلام وأهل البيت (عليهم السلام)، ودفاعاً عن قيم الإيمان والعدل والخير والفضيلة، ودأب على تنوير العقول وتحفيز الهمم، لما فيه سلامة الدين وخير الإنسان، واليوم، جدير بالصالحين الأكفاء، الاقتداء بسيرة المصلحين الأفذاذ، من مضى منهم ومن بقي، فكل واحد منهم، آية ومنهج.

إن سمو صاحب الذكرى ونبوغه، وخفايا الرحيل وشجونه، خلدا ذكراه وتراثه، فكلماته ما زالت تنبض بالحياة، وآثاره أضحت زاداً للباحثين عن الحقيقة، فإن للراحل عبره وتاريخه، وآخر عبر تاريخه المشّرف أن منهج الإصلاح يكتب بالمداد والدماء، وللإصلاح ناهج لا ينبغي أن ينقطع أثره، فبلاء الأيام يغدر بالعلماء إذا عملوا، ويباغت العاملين إذا أخلصوا، والإصلاح مسيرة طويلة تعج بالآلام والتضحيات، وتحتاج إلى وعي وعزم وحكمة وصبر.

 

26/جمادى الأولى/1442هـ