العراقيون والزمن الضائع بين بايدن السيناتور والرئيس


 

د. إياد العنبر

موقع الإمام الشيرازي

 

لا يعرف العراقيون عن جو بايدن إلا ما روّج له السياسيون بأنه صاحب مشروع تقسيم العراق، ودائماً ما يتمّ استحضار اسمه عند الحديث عن مؤامرة أميركية للتقسيم. ومن مفارقات السياسيين أن بايدن الذي يروّج على أنه كان يسعى لزعزعة الوحدة الوطنية وتفكيك الكيان العراقي ما إن تمَّ الإعلان عن فوزه بانتخابات رئاسة البيت الأبيض، حتّى سارع الكثير من الزعماء السياسيين والحكومة إلى تهنئته! ويبدو أن فوزه كان عامل ارتياح للكثير من الجماعات السياسية؛ لأن الفوز يعني الخلاص من حقبة الرئيس دونالد ترامب، لا أكثر ولا أقل!

ويبدو أن العراقيين فقط يتذكّرون هذا المشروع، فهم دائماً يهيمون بالماضي ويعيشون الحاضر باستحضار حكايات التاريخ. أما بايدن وفريقه السياسي يعتبرون مشروع (التقسيم السلس) هو حلّ لمنع تطور الانزلاق إلى الحرب الأهلية، بعد حملات التطهير الطائفي والعرقي الذي شهده العراق في 2006. ولذلك فإن هذا المشروع انتهى مع تقليص هجمات ونفوذ تنظيم القاعدة في العراق بعد 2008، وبايدن الذي كان يدعو إلى الانسحاب العسكري من العراق، هو نفسه عندما كان نائباً للرئيس أوباما تبنّى عودة القوات العسكريّة للمشاركة في الحرب ضدّ تنظيم داعش في 2014.

السياسيون الشيعية والسنّة الذين اعتبروا مشروع بايدن "تقسيم العراق"، والذي قدّمه بعنوان: "الوحدة من خلال الحكم الذاتي في العراق" وطرحه في مقال نشرته نيويورك تايمز 2006 عندما كان سيناتور في مجلس الشيوخ الأميركي. وفي سبتمبر 2007 صوَّت الكونغرس الأميركي على خطة بايدن بأغلبية الثلثين (75 صوتاً مقابل 23 صوتاً)، وكان هذا القرار غير ملزم للإدارة الأميركية.

وبعد 14 سنة، وصل بايدن إلى رئاسة البيت الأبيض، وبدلاً من أن يكون السؤال لماذا لا يزال العراق يعيش في مرحلة اللادولة؟ يتساءل العراقيون هل سيعمل بايدن على تنفيذ مشروعه بتقسيم العراق؟ إذ يبدو أن العراقيين لحدّ الآن لا يريدون محاكمة سياسيهم على سنوات الفشل والفوضى التي أنتجتها سوء إدارتهم وفسادهم، وكذلك لا يريدون أن يتحمّلوا مسؤولية أخطائهم وأن يبحثوا عن إجابة لسؤال إشكالي محوره: أيّ عراق نريد؟ موحَّد أم مقسَّم؟ وبدلاً من ذلك أمّا يريدون تحميل إدارة بايدن مسؤولية بقاء الكيان السياسي العراقي موحداً أو مفككاً!

فالحديث عن مشروع بايدن لتقسيم العراق هو تهرّب من الخطيئة التاريخية التي ارتكبتها القوى السياسية في كتابتها لدستور 2005 تحت ضغط ظرف استثنائي، وأنتجت لنا نظاماً سياسياً هجيناً. فتحالف المظلومية الذي جمع السياسيين الشيعة والكرد وهواجس التهميش التي هيمنت على مخيلة السياسيين السنة، بالتأكيد لن تنتج دستوراً يسعى لبناء دولة قوية وموحدة.

ومن ثمَّ، الهندسة السياسية لبناء سلطة جديدة تكون مهمتها وهدفها تحقيق الوحدة الوطنية، كانت ولا تزال غائبة تماماً عن تفكير الطبقة السياسية. إذ لا يزال المنطق الذي يحكم الفرقاء السياسيين قائماً على أساس الغالب والمغلوب، ولذلك نجد غياباً للمؤسسات التمثيلية والتنفيذية والدستورية في حلّ الإشكاليات السياسية، ويتمّ اللجوء للصفقات والتوافقات ليس بين الزعماء السياسيين فحسب، وإنما بين قوى اللادولة أيضاً!

التفكير المأزوم بمرحلة ما قبل 2003 الذي كان يفكّر فقط في المرحلة الانتقالية وليس بمشروع بناء دولة، جعل هواجس الضمانات والمخاوف القاعدة التي يتم من خلالها بناء النظام السياسي في العراق بعد التغيير، هذا النظام الذي باتت مهمته الرئيسة الحفاظ على امتيازات الزعامات السياسية وليس الاستجابة لمتطلبات المجتمع، ومن ثمَّ لم يعد مهتماً بتمزيق النسيج الاجتماعي الذي هو الأساس في بقاء الدولة موحدة، وليس مصالح زعماء الطوائف والقوميات السياسيين.

والسياسيون الشيعة والكرد ثبتوا نظاماً فدراليا لا مثيل له في نماذج الأنظمة الفدرالية، وتركوا المرتكزات الرئيسة التي يقوم عليها النظام الاتحادي كتقاسم الثروات وإدارة الموارد تحت رحمة نصوص عامة في الدستور وذيّلت بعبارة (يُنظَّم بقانون). وبعد 17 عاماً لم تر النور القوانين التي تنظم العلاقة بين المركز والإقليم! ولذلك لا يمكن الحديث عن مؤامرة لتقسيم العراق، أكثر من تآمر السياسيين أنفسهم على جعل العراق دولة فاشلة وهشّة.

ويخطأ من يعتقد بأن بقاء العراق موحداً هو بفضل وجهود الطبقة السياسية، لأنَّ العراق لا يزال موحداً بسبب ممانعة القوى الإقليمية للتقسيم وليس بإرادة الكثير من زعماء الطوائف والقوميات السياسيين، وإلا مشروع دولة كردستان المستقلّة لا يزال مطروحاً بقوّة من قبل الزعامات الكرد، ورغم أنهم مشاركتهم في النظام الفدرالي تحقق لهم الكثير من المزايا التي سوف يفتقدونها لو تمَّ تحقيق حلمهم باستقلال كردستان.

العراق كدولة موحّدة هو موجود على مستوى الخريطة فقط، أما على مستوى الواقع السياسي فهو مقسَّم بين كانتونات شيعية وسنية وكردية، وحتّى هذه المكوّنات لا تتمتع بالوحدة والتماسك وإنما يحكمها الصراع والتنافس بين أقطابها. ولذلك فالدولة الفاشلة التي أنتجتها الطبقة السياسية لا يمكن لها أن تبقى موحدةً بعد أن رسَّخوا فيها الانقسامات بين المكوّنات الاجتماعية.

والخطر الحقيقي الذي يهدد الكيان العراقي، هو ليس ما يخطط له الأعداء من مشاريع تقسيم ولا تآمرهم على وحدته الوطنية المزعومة، وإنما غياب المشروع السياسي وبرنامج عمل للتطبيق، وأدوات تنظيمية قادرة على تأطير وإيجاد إجماع وطني.

* (أكاديمي وكاتب عراقي)

4/ربيع الثاني/1442هـ