حرب الرموز


 

 

توفيق السيف

موقع الإمام الشيرازي

 

حادثة النحر الباريسية مثال على الأهمية العظمى للجانب الرمزي في حياة البشر، لاسيما دور الرموز في تكييف العلاقة بين المجتمعات والثقافات.

كيف أشرح معنى الرمز، ومسار تأثيره في حياة الناس، والفارق بين الكائنات المادية ونظيرتها الرمزية؟

أحسب أن هذا يتطلب مساحة أوسع من المتاح هنا. لكن دعني أوضح المقصود بالتدريج من خلال المجادلة التالية، التي تربط بين «صناعة الرموز» و«تشكيل الهوية الجمعية». الغرض من هذا الشرح هو توضيح المسافة بين الحقيقي والاعتباري، انطلاقاً من دعوة - أتبناها شخصياً - لقصر التقديس على ما تقتضي الضرورة الحفاظ عليه مقدساً، من دون ما أضيف إلى قائمة المقدسات بسبب مرور الزمن أو من أجل تعزيز الهوية.

حين تنسج قطعة قماش طولها متر وعرضها نصف متر وتحرقها في الشارع، فلن يهتم أحد بفعلك، وربما قالوا في أنفسهم: هذا شخص أخرق، تنازع مع زوجته، فخرج للشارع كي ينفس عن غضبه.

تخيل الآن لو أن قطعة القماش هذه مرسوم عليها ألوان العلم الألماني مثلاً، وخرجت إلى ساحة بوتسدام وسط العاصمة برلين، وفعلت الشيء نفسه: أحرقت العلم. في هذه الحالة لن يقول الناس إنك أخرق، بل سيأخذك رجال الشرطة إلى المحكمة، حيث تواجه عقوبة قد تصل إلى ثلاث سنوات في السجن. هذا بالطبع ما لم يقتنع القاضي بأنك أخرق بالفعل، وأنك قد أخذت العقوبة سلفاً قبل أن تغادر البيت.

ما الفرق إذن بين قطعتي القماش الأولى والثانية؟

الفرق ببساطة هو توزيع الألوان. الألوان تحول الكائن المادي (القماش) إلى كائن رمزي (العلم الوطني). هذا الكائن الرمزي مرتبط بالهوية الوطنية الجامعة، التي يشعر الناس أنهم ينتمون إليها، أو أنهم يرتبطون ببعضهم من خلالها، أو أنهم مسؤولون أخلاقياً عن حمايتها واحترامها.

دعنا الآن نذهب إلى ضاحية إيرانييه شمال غربي باريس، حيث قام المهاجر الشيشاني عبد الله أنزوروف بنحر صامويل باتي، المعلم في مدرسة بوا دولن، فأثار ضجة في شرق العالم وغربه. الجانب المادي في القضية يتعلق بضحيتين، أما الرمزي فهو يكشف عن انشقاق فرنسا إلى فريقين: اليمين المتشدد يرى فيها أن المسلمين ككل يذبحون فرنسا ككل. فرنسا بما تمثل من ثقافة وتاريخ ونظام اجتماعي ومنظومات قيم خاصة. المسلمون في الطرف الآخر يركزون على «الدافع» للقتل، أي السخرية من نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)، ويرون فيه تمظهراً لحملة بغضاء تضم غالب الفرنسيين، وبينهم رئيس الجمهورية، الذي تحدث قبل أسبوعين من الحادثة في منطقة قريبة جداً، فقال إن «الإسلام اليوم مأزوم».

في رأيي أن علينا البحث عن قلب الأزمة في موضع آخر: بالنسبة للفرنسيين، فإن جوهر المشكلة هو المسافة بين فرنسا التقليدية والمجتمع متعدد الثقافات: هل يا ترى تستطيع فرنسا أن تتحرر من ذاتها القديمة، كي تمسي إطاراً يحتضن مواطنيها بكل اختلافاتهم وألوانهم وثقافاتهم؟ لقد أجاب الرئيس ماكرون أنه لا يؤيد هذا الخيار. لكن هل هو خيار فعلاً؟ أم هو المسار الطبيعي لحركة التاريخ؟

بالنسبة للمسلمين فإن جوهر المشكلة يكمن في «الانتقال من شمال باريس إلى وسطها»، أي التخلي عن أوطانهم القديمة، والتعامل مع فرنسا كوطن نهائي، بما ينطوي عليه هذا من تهميش للأعراف المعيقة للاندماج، ومن بينها طبعاً أعراف ذات ألوان دينية أو تعرف بلغة دينية.

هل يستطيع الطرفان اتخاذ القرار؟ أم يتركان المسألة تتداعى من دون قائد مثلما حصل حتى الآن؟

* (كاتب ومفكر سعودي)

22/ربيع الأول/1442هـ