تعاون من أجل عالم أفضل


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

دعت منظمة الأمم المتحدة العالم إلى التعاون في مواجهة أزمة جائحة فيروس كورونا وتداعياته الصحية ثم الاقتصادية على وجه الخصوص، حيث بينت تقارير دولية أنه في حال لم يتم اتخاذ إجراءات فورية، فمن الواضح بشكل متزايد أن هناك حالة طوارئ غذائية عالمية وشيكة يمكن أن يكون لها آثار طويلة المدى على مئات الملايين من الأطفال والبالغين.

وأشار الأمين العام، يعاني الملايين بالفعل من الجوع وسوء التغذية حتى قبل تفشي الجائحة. فبرغم أن هذا العالم به من الغذاء ما يكفي ويزيد لإطعام سكان المعمورة البالغ عددهم 7,8 بلايين نسمة، إلا أكثر من 820 مليون نسمة يتضوّرون اليوم جوعًا. وفي الوقت نفسه، هناك نحو 144 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزُم - أي أكثر من طفل واحد من بين كلّ خمسة أطفال على صعيد العالم.

ولتحفيز شعوب ودول العالم للتعاون فيما بينها، قال السيد غوتيريش أنه حتى في البلدان التي لديها كميات وفيرة من الغذاء، تتراءى لنا مخاطر تنذر بتعطيل سلسلة الإمدادات الغذائية، قائلا إن "نظُمنا الغذائية يعتريها القصور، وقد أتت جائحة كوفيد-19 لتزيد الطين بلّة."

وقد عرض موجز الأمم المتحدة السياساتي ثلاث توصيات رئيسية موجهة نحو إنقاذ الأرواح وسبل العيش، والتي تدعم أيضا الانتقال إلى مستقبل أكثر خضرة" وهذه السياسات التي يتفق عليها الجميع لكنها تحتاج إلى التعاون فيما بين الجميع.

إن المجتمع الحي هو المجتمع المبني على التعاون والتكاتف، كل فرد منه يعاضد الآخر في حوائجه، ويشاركه في أحزانه وأفراحه، فترى إذا نزلت نازلة على أحد، هب الجميع لكفاحها، وإذا احتاج فرد إلى حاجة، سعى غيره لها. والأمر تبادل، فمن سعيت له سعى لك، ومن شاركته همومه شاركك همومك.

وعادة أن كل فرد يهتم بأمور الآخرين هو يهتم بأموره، وكل فرد ينفرد بحوائج نفسه، كأنه ليس منهم، نبذ كما تنبذ النواة، فلا يعار له اهتمام، ولا يسعى له في حاجة.. وكلما زاد تعاون الأمة، زاد رقيها، وبالعكس، كلما انفصلت الأواصر بينهم، كثر الخمول والانحطاط.

وعلى هذا يأمر الإسلام قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)(المائدة/2). وإن التعاون سمة الجماعة النشيطة، والتفكك طابع الأمة الخامل.

روى الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام): (قال رسول الله: أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود (عليه السلام): يا داود، ان العبد ليأتيني بالحسنة يوم القيامة، فأحكمه بها في الجنة (أي أجعله حاكماً) قال داود: يا رب، وما هذا العبد، الذي يأتيك بالحسنة يوم القيامة، فتحكمه بها في الجنة؟! قال: عبد مؤمن، سعى في حاجة أخيه المسلم: أحب قضاءها. قضيت له، أم لم تقض)(بحار الأنوار: ج14، ص36).

والساعي في الحوائج محبوب، كما أن الخامل منبوذ، وكل خير في من يهتم بالأفراد، وقد أكد الإسلام على السعي في الحاجات، ورغّب فيه، وجعل لكل قضاء ثواباً وحسنة.

قال الإمام علي زين العابدين (عليه السلام): (من قضى لأخيه حاجته، فبحاجة الله بدأ وقضى الله بها مائة حاجة، في إحداهن الجنة. ومن نفّس عن أخيه كربة، نفس الله عنه كرب القيامة، بالغاً ما بلغت. ومن اُعانه على ظالم له، اُعانه الله على إجازة الصراط عند دحض الأقدام. ومن سعى له في حاجة حتى قضاها له، فسر بقضائها، كان كمن أدخل السرور على رسول الله. ومن سقاه من ظمأه، سقاه الله من الرحيق المختوم. ومن أطعمه من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة. ومن كساه من عري، كساه الله من استبرق وحرير. ومن كساه من غير عري، لم يزل في ضمان الله، ما دام على المكسو من الثوب سلك. ومن عاده عند مرضه، حفته الملائكة، تدعو له حتى ينصرف، وتقول: طبت وطابت لك الجنة. ومن زوّجه زوجة يأنس بها، ويسكن إليها، آنسه الله في قبره، بصورة أحب أهله إليه. ومن كفاه بما هو يمتهنه، ويكف وجهه، ويصل به ولده، أخدمه الله عز وجل الولدان المخلدين. ومن حمله من رجلة، بعثه الله يوم القيامة في الموقف على ناقة من نوق الجنة يباهي به الملائكة. ومن كفنه عند موته، فكأنما كساه من يوم ولدته أمه إلى يوم يموت. والله لقضاء حاجته، أحب إلى الله من صام شهرين متتابعين، باعتكافهما في المسجد الحرام)(وسائل الشيعة: ج11، ص564).

وقال الصادق (عليه السلام): (ما قضى مسلم لمسلم حاجة، إلا ناداه الله تبارك وتعالى: عليَّ ثوابك، ولا أرضى لك بدون الجنة)( وسائل الشيعة: ج11، ص577).

عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال (عليه السلام):(مَنْ طاف بهذا البيت طوافًا واحدًا كتب الله له ستة آلاف حسنة، ومحى عنه ستة آلاف سيئة، ورفع له ستة آلاف درجة حتى إذا كان عند الملتزم فتح له سبعة أبواب من أبواب الجنة). قلت: جعلت فداك هذا الفضل كله في الطواف؟ قال (عليه السلام): (نعم، وأخبرك بأفضل من ذلك، قضاء حاجة المسلم أفضل من طواف وطواف)، حتى بلغ عشرًا. (وسائل الشيعة (آل البيت)، ج١٦/ص٣٦٤).

يقول المرجع الشيرازي الراحل(قده): "وإذ كان كل فرد محتاجاً، ومحتاجاً إليه _في آن_ فمن اللازم أن يعين الآخر، ويعاني بالآخرين حتى تدور رحى المجتمع، وهذا أصل أولي، لا يشك فيه إلا من انقطع عن الإنسانية وسكن الغاب. وقد قيل لو أن الناس اهتموا بالمحتاجين والمساكين لما سرق إلا القليل ولما فسد من النساء إلا القليل ولشجع بعضهم بعضاً على الانفاق".

وقد أولى الإسلام قضاء الحوائج وبذل الجهد في إعانة المحتاجين ومد يد العون لهم اهتماماً كبيراً من خلال كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) والروايات الطاهرة عن أهل البيت (عليهم السلام). فقد جاء في القرآن الكريم: (وتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى)(المائدة/2). والبر في نظر الإسلام هو كل عمل إنساني يقوم به الإنسان تجاه أخيه، فيما لم يكن معصية الله عز اسمه. يقول (صلى الله عليه وآله): (من قضى لأخيه المؤمن حاجة، فكأنما عبد الله دهره)(أمالي الطوسي:481/20).

قال ابن عباس: كنت مع الحسن بن علي (عليه السلام) في المسجد الحرام، وهو معتكف ويطوف حول الكعبة، فعرض له رجل من شيعته وقال: يا بن رسول الله: إن عليّ ديناً لفلان، فإن رأيت أن تقضيه عني. فقال (عليه السلام): (ورب هذا البيت ما أصبح عندي شيء). فقال الرجل: إن رأيت أن تستمهله عني، فقد هددني بالحبس. فقال ابن عباس: فقطع الإمام الطواف وسعى معه. فقلت: يا بن رسول الله، ألست معتكفاً؟

فقال زين العابدين (عليه السلام): (بلى، ولكن سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من قضى لأخيه المؤمن حاجة كان كمن عبد الله تعالى تسعة آلاف سنة صائماً نهاره قائماً ليله)(بحار الأنوار: ج‏74، ص‏315).

20/ذو القعدة/1441هـ