الجيش الأبيض العراقي.. أول وآخر خطوط الصد


 

 

ليث ناطق

موقع الإمام الشيرازي

 

 

في منتصف حزيران/ يونيو نشرت نقابة الأطباء بياناً يقول أن عدد المصابين بالعراق بلغ وقتها 27 352 مصاباً، وأما عدد الأطباء المصابين حتى يوم نشر التقرير فهو 592، يتوزعون بين 209 طبيبات و383 طبيباً.

"بطل مصاب من أبطال الجيش الأبيض" ثم "بطل مصاب من أبطال الجيش الأبيض" فـ"بطل مصاب من أبطال الجيش الأبيض"... تعتلي هذه الجملة أسطول الصور التي تملأ صفحة فيسبوك الخاصة بنقابة الأطباء العراقيين. لا يقطع هذا التسلسل الهادر إلا منشورٌ يبدأ بآية قرآنية، وينتهي بـ"إنا لله وإنا إليه راجعون"، لتبدأ سلسلة أخرى هي في الحقيقة امتداد لما قبلها: فيروس كورونا يصيب، بالجملة، طبيبات وأطباء العراق.

سيكون خياراً صعباً، الوقوف عند كل صورة من هذه الصور. ليس يسيراً التمعن في ملامح الأطباء المصابين، سيجرُّك خيالك لما خلف ملامح كل واحدة أو واحد منهم، سيأتي بكَ مواجهاً الخوف الهائل الذي يجتاح قلوب أمهاتهم وآبائهم وأحبائهم وأبنائهم، حتى تجد نفسك ضحية أخرى لهذا القلق. ستكون جولة خاسرة أن تحاول تخيّل أحلامهم وطموحاتهم وهي تقف معهم على حافة الحياة.

 

إنهم بشر مثلنا

التصق الطبيب بأحد جدران شعبة الطوارئ في مدينة الطب، في الدقائق العشرين الأخيرة من فترة مناوبته الممتدة. لا حيلة بيده وزملائه أمام حرج حالة المرأة التي جاءت بها الإسعاف في هذه الدقائق العشرين. لم تكن الأدوات ولا الوقت كافياً لتأمين إنعاش رئوي، كان الطبيب يشاهد الموت يتسلق سرير السيدة وكان زملاؤه يشاهدون دموعه تنهمر، حتى اتضح، بعد أن فارقت الحياة، أنها أمه.

بالإضافة للكادر الطبي، هناك كوادر ساندة، من الممرضين إلى عمال نظافة المستشفيات والمؤسسات الصحية.. العصية جميعها على النظافة. كلهم أمام خطر الفيروس الخفي عراة من الأدوات الكافية للحماية منه. لا يوجد سياق أو بروتوكول واضح لتدفق المرضى أو المراجعين، يتكومون كلّهم، حاملين للفيروس أو مشكوكاً بهم، في الممرات البائسة للمستشفيات، يتنقل مرافقوهم بين قسم وآخر، ينشدون السبيل إلى الخلاص. وفي حال ظهرت الأعراض على أحد الكوادر، لن يكون فحصه أو رعايته إلا همّاً بيروقراطياً مضاعفاً.

 

الفحص الأكثر ندرة

في مستشفى الطفل في محافظة بابل العراقية، حصل أعضاء الكادر هناك على فرصة الفحص بواسطة المسحات - النفيسة - وكان الداء ينمو في أجساد بعضهم، كما تشي به الأعراض. لكن السياقات البيروقراطية لا تمنحهم إجازة، أو تحجرهم وترعاهم إلا بوجود نتائج فحص تثبت أنهم مصابون. تأخرت النتائج لستة أيام كانوا جميعاً يزاولون خلالها عملهم، ويستقبلون مرضى كورونا والمشكوك في أمر إصابتهم به، فجاءت بنبأ إصابة 27 عنصراً منهم، ولم يكن ممكناً إحصاء من لامسوهم أو نقلوا لهم الفيروس.

 

الرعب بالأرقام

في 19 حزيران/ يونيو الحالي نشرت نقابة الأطباء العراقية بياناً مرعباً: 20 في المئة من المجموع الكلي للإصابات في العراق هي بين الكوادر الطبية والصحية بمختلف اختصاصاتهم. كان العراق قد سجل حتى يوم نشر البيان 27 ألفاً و352 إصابة. وأحصى البيان عدد الأطباء المصابين بالفيروس حتى يوم نشره، فقال أنهم 592 يتوزعون بين 209 طبيبات و383 طبيباً. وطالبت النقابة الجهات المسؤولة بالتحرك العاجل لاحتواء الموقف، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية الكوادر، وحذرت من "انهيار النظام الصحي".

ليس عسيراً إدراك أن النظام منهار أصلاً، النظام الصحي تحديداً، وما تفشّي فيروس كورونا إلّا تعرية لهذا الانهيار، ليلتحق بصفّ الانهيارات الفادحة لمؤسسات الدولة العراقية. ففي هذه المؤسسة، التي تفتقر كلُّ مرافقها لحمام صالح للاستخدام البشري، لا ينتهي الليل على راقديها إلا ويرتفع صراخ الناس لأمر يتكرر بلا انقطاع: نفاد أوكسجين الإنعاش الرئوي في مستشفى ما.

في العراق الفوضى ثوبُ كل شيء، وما القطاع الصحي بمعزل عن ذلك: لا بروتوكول واضح لعلاج مرضى كورونا أو الكشف عن مصابيه، وليس القصد شاشات التلفاز، فكل شيء منمق عليها، بل على الأرض.

 

بروتوكول "على البركة"

يخضع من تظهر عليه أعراض المرض لفحص "الكاشف السريع لفيروس كورونا" وهو أداة صغيرة تستقبل عينة دم، وتُظهر النتائج بغضون دقائق قليلات وتنتهي مهمتها عند هذا الحد فتُتلف. يقول أحد الأطباء العراقيين المقيمين في بريطانيا "إن نسبة الخطأ في هذا الاختبار تصل إلى 70 في المئة".

ينتقل مَن يتعدى هذه المرحلة إلى أخريات، كفحص الأشعة والمفراس، وإذا كان ذا حظٍّ، يخضع لمسحة الأنف الخاصة بـ covid-19 وهي الأكثر دقة والمعتمدة في أغلب دول العالم. لكن "المسحة" في العراق نادرة، حتى وصل الحال ببعض الناس إلى دفع رشا من أجل الخضوع لها. وما زالت أعداد الفحوصات تدور في فلك الـ10 آلاف نموذج في اليوم، تتعداها أو تقل عنها بقليل.

ينقل أحد الأطباء، الذي يخشى ذكر اسمه، شيئاً من رحلته المضنية من أجل الحصول على مسحة لزوجته الصيدلانية وابنهما، بعد أن ثبت أنه مصاب بالفيروس طلب من إدارة المستشفى التي يعمل فيها إخضاع زوجته وابنه لفحص بالمسحات، لكن محاولاته لم تأتِ بنتيجة، فتوقف فحصُ زوجته عند مرحلة فحص الدم عبر الكاشف الصغير، حيث لم يؤشر لإصابتها، على الرغم من أنها كانت تعيش مع زوجها في بيت واحد طيلة الأيام التي سبقت ظهور نتيجة فحصه. يقول الزوج: "مؤكد أنني نقلت الفيروس لهم، لكن بروتوكول الفحص العراقي العجيب يصر على تعريضنا للمخاطر".

وهنالك فجوة زمنية بين الخضوع للفحص وظهور النتيجة، قد تصل إلى 10 أيام أحياناً. وخلال هذه الأيام لا يخضع المصابون الذين ينتظرون نتائج فحصهم إلى حجر صحي يعزلهم ويرعاهم ويقي المجتمع من أن يكونوا مصدراً للمرض.

دفع الوضع المجنون في المؤسسات الصحية بعض الأطباء إلى تقديم استقالاتهم، وهذا ما أقدمت عليه مجموعة من أطباء محافظة بابل، بسبب الإهمال وما وصفوه بـ"ضعف الإمكانات".

"السفير العربي"

* (إعلامي من العراق)

11/ذو القعدة/1441هـ