العدالة الانتقالية وفشل العملية السياسية في العراق


 

 

عقيل عباس

موقع الإمام الشيرازي

 

كان أحد المؤشرات المبكرة على أن الديمقراطية العراقية الحديثة النشوء بعد 2003 تسير على السكة الخطأ، الفشل الفادح في تطبيق العدالة الانتقالية، التي اتخذت تسمية العملية السياسية.

بعكس الديمقراطيات العريقة تاريخياً، التي تشكلت ببطء عبر صيرورات اجتماعية وسياسية طويلة، وليست انتقالات سريعة من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، احتاجت معظم الديمقراطيات الحديثة، المرور بمرحلة العدالة الانتقالية، لتأمين الانتقال من نظام دكتاتوري إلى آخر ديمقراطي، في غضون فترة قصيرة نسبياً.

كمصطلح، ظهرت "العدالة الانتقالية" في تسعينات القرن الماضي، لتوصيف الانتقال من الأنظمة القمعية إلى الديمقراطية، وسط وشرق أوروبا، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 فضلاً عن تجارب شبيهة في بلدان أخرى في أميركا اللاتينية وإفريقيا مثل تشيلي وجنوب إفريقيا، ضمن ما عُرف على نحو أوسع بالموجة الثالثة للديمقراطية في العالم، بحسب صامويل هانتنغتون.

مع ذلك، سبقت تجارب العدالة الانتقالية ظهورَ المصطلح الذي وصفها بنحو أربعين عاماً. نقطة البدء الأشهر بهذا الصدد هي اجتثاث النازية في المجتمع الألماني، بعد الحرب العالمية الثانية، لتسهيل الانتقال الناجح إلى مجتمع ديمقراطي يتجاوز الإرث القمعي للدولة الشمولية النازية.

الافتراض الأساسي، الذي تستند إليه فكرة العدالة الانتقالية، هو أن ترك مظالم العهد الدكتاتوري، من دون حل، سيتسبب بإفشال الانتقال الناجح إلى الديمقراطية، لذلك أصبح مهماً إنصاف ضحايا العهد الديكتاتوري السابق، ليس فقط لأسباب أخلاقية وقانونية واضحة فحسب، وإنما  لأسباب براغماتية أيضا، فترك نزاعات الماضي من دون حلول منصفة، يعني إثقال الحاضر بتركة الماضي، وتحويله إلى حلبة صراعات قاسية، كثيراً ما تكون عنيفة ودموية، وتحبط تجربة النظام الديمقراطي الجديد.

يتضمن إنصاف الضحايا في إطار العدالة الانتقالية، حزمة إجراءات لتفكيك تركة الماضي، أهمها كشف الحقائق المتعلقة بما حصل للضحايا وتعويضهم مادياً ومعنوياً، إذا كانوا أحياءً، أو عائلاتهم بدلاً منهم، فضلاً عن إعادة تأهيل الناجين منهم ودمجهم بالمجتمع.

الإجراء الأخير هو معاقبة المتسببين بالجرائم، سواءٌ المنفذون المباشرون لها أو متخذو القرارات بارتكابها، بشرط أن يكون هذا العقاب من خلال محاكمات عادلة، يحق فيها للمتهمين الدفاع عن أنفسهم.

تشمل إجراءات العدالة الانتقالية أيضا، إجراء تصحيحات حكومية ومؤسساتية واجتماعية، لمعالجة التشوهات البنيوية التي أحدثها النظام القمعي في حياة المجتمع، سواء تلك التي استهدفت المجتمع، أو شرائح أو أفراد منه، مثل تفكيك المؤسسات التي كانت تمارس القمع أو تروج له، وإعادة الممتلكات المصادرة ظلماً لأصحابها الحقيقيين، فضلاً عن تعرية القيم والأفكار والسلوكيات القمعية التي شوهت حياة المجتمع والدولة، من أجل وضع الاثنين على سكة الديمقراطية بمعناها المؤسساتي والاجتماعي.

إذا تمت كل هذه الإجراءات، على نحو شفاف وخال من الانتقام، فإنها ستسهم بغلق مظالم الماضي، وتفسح للنظام السياسي الجديد المجال، للتركيز على بناء تجربة ديمقراطية رصينة.

في العراق تمثلت العدالة الانتقالية بما عُرف بالعملية السياسية التي قامت، على نحو صحيح، على افتراضات أنه لا يمكن المضي قدماً في بناء تجربة ديمقراطية رصينة، من دون تفكيك مظالم أربعة عقود تقريباً من حكم الدولة القمعية البعثية، بتقاليدها الشمولية التي لم تترك حيزاً في حياة المجتمع، لم تخضعه لتشويه عميق، من خلال علاقة قسرية وفوقية، قادت بموجبها الدولة المجتمع وأعادَت تشكيله على أساس مقاساتها الأيديولوجية الضيقة، بدلاً من أن تكون انعكاساً مؤسساتياً لآمال المجتمع وطموحاته.

من هنا كان الكثير من الإجراءات التي قامت عليها العملية السياسية بعد عام 2003 يتسق مع معايير العدالة الانتقالية، مثل إنشاء هيئات اجتثاث البعث، ودعاوى الملكية والسجناء السياسيين والمحكمة الخاصة وغيرها، التي تولت إنصاف الضحايا ومعاقبة مرتكبي الجرائم، وإزالة الكثير من المظالم، التي لحقت بأفراد وجماعات مختلفة.

لكن مشكلة العدالة الانتقالية في العراق، تكمن في تسييسها التدريجي على يد الجماعات السياسية، التي تولت الحكم لتُخرجها في آخر المطاف عن طابع العدالة الانتقالية، بأبعادها القضائية والقانونية والأخلاقية، وتحولها إلى أداة دائمة في الصراع السياسي ضد خصوم حقيقيين ومُتخيلين.

على هذا النحو، تحولت هيئات مثل اجتثاث البعث مثلاً، إلى إحدى أدوات الانتقام الحكومي، ضد مجاميع وأفراد مختلفين في إطار صراع سياسي مفتوح، اعتمد عموماً في تحديد الذنب والبراءة، على نحو ضمنى وخطير، على معايير الانتماء الهوياتي للجماعات وليس على السلوك الفردي للأشخاص.

لذلك برزت وترسخت مقولات هوياتية خطيرة في الحيز العام، قوضت معنى العدالة الانتقالية، هي في حقيقتها انعكاس غير معلن لسلوك وإيمان سياسي للجماعات الحاكمة وداعميها، مثل تحميل السنة العراقيين، كمجموعة، أخطاء نظام صدام ومسؤولية الإرهاب بعده، مقابل اعتبار الشيعة والأكراد ضحايا في الحالين، وجدوا أنفسهم اضطراراً في موقع الرد على "الظلم السني المتكرر" عبر تحالفهم في إدارة الدولة، وتحويلها تدريجياً إلى أداة لمعاقبة السنة العراقيين.

مثلت حكومة نوري المالكي في فترتها الثانية بين 2010 و2014 البروزَ الأشد للسياسات التي عبرت عن هذا التصنيف الهوياتي-الأخلاقي للجماعات، إلى الحد الذي أوصل البلد إلى حافة الانهيار وإشعال حرب أهلية جديدة بنهاية حكم الرجل.

أسهمت حكومة حيدر العبادي بتفكيك الكثير من هذه السياسات، من خلال تخفيفها العمل بمادة 4 إرهاب، وإجراءات اجتثاث البعث وتجنب القصف الجوي باستخدام براميل القنابل، التي كانت توقع ضحايا كثيرين بين سنة أبرياء، فضلاً عن توظيفها خطاباً ذا طابع وطني، بدلاً من الخطاب الهوياتي الذي ساد في سنوات المالكي الأخيرة.

المشكلة الأخرى، التي لا تزال من دون حل، كانت في تحول العملية السياسية، كتمثل مؤسساتي مؤقت للعدالة الانتقالية، إلى ترتيب دائم في إدارة الدولة وممارسة السياسة.

فكرة العملية السياسية هي أن تكون مؤقتة، أي أنها مرحلة انتقالية بين مرحلتين: الدكتاتورية والديمقراطية، إذ تتلخص مهمتها بتفكيك تركة الدكتاتورية ونقل المجتمع والدولة، من مرحلة الاستثناء المضطرب إلى مرحلة الاستقرار النسبي، حيث تتولى مؤسسات الدولة العادية، بعد إعادة صياغتها على أسس ديمقراطية، إلى إدارة الحياة العامة.

في العادة تحتاج العدالة الانتقالية بضع سنوات، في الغالب بين أربع وست سنوات، قبل الانتهاء من الترتيبات الانتقالية والذهاب نحو حكم مستقر وحياة ديمقراطية معقولة.

ما حصل في العراق هو عكس ذلك، إذ لا تزال العملية السياسية مستمرة منذ نحو 17 عاماً ولا يبدو أن لها نهاية في أفق الجماعات السياسية التي أشرفت عليها وأدارتها واستفادت منها، وعملياً حولت ترتيباتها الانتقالية إلى وقائع دائمة في الدولة، كما في المحاصصة الدينية والعرقية في اقتسام مناصب الدولة.

في الأصل، قُدمت هذه المحاصصة عند بدء العملية السياسية عام 2003 على أنها إجراء مؤقت لبناء الثقة بين الجماعات العراقية المختلفة تحت عنوان احترام التنوع وصولاً إلى وضع دائم ومستقر معياره الأساسي المواطنة المتساوية، وليس الانتماء الهوياتي. لكن على امتداد سنوات العملية السياسية، ترسخت المحاصصة الهوياتية واتسعت، عبر إضافة أنواع أخرى منها كالمحاصصات الحزبية والمناطقية، وحتى العشائرية أحيانا.

يعني استمرار المحاصصات القديمة وإضافة أخرى جديدة، تقويضاً فعلياً وقانونياً لمفهوم المواطنة المتساوية، التي لا يمكن تشكيل أي ديمقراطية حقيقية وفاعلة، من دون الاعتماد عليها معياراً وحيداً في منح الحقوق وبناء أي فكرة وطنية عراقية جامعة. فعبر إدامة تلك المحاصصات، وما يرافقها من صناعة أزمات وعداوات مستمرة يظل البلد رهينة انتقال سياسي دائم يعود بالمنفعة الانتهازية على الجماعات السياسية المهيمنة، وبضرر متواصل وفادح على المجتمع، لذلك فإن إنهاء العملية السياسية في العراق بداية الإصلاح.

* (كاتب وأكاديمي عراقي)

2/ذو القعدة/1441هـ