كسر منظومة الاحتكار السياسي ليس كافيًا


 

د. إياد العنبر

موقع الإمام الشيرازي

 

بعد مخاض، هو الأكثر تعقيداً في تشكيل الحكومات منذ 2003، منحت الثقة لحكومة السيد مصطفى الكاظمي، ليكون أول رئيسا لمجلس الوزراء من خارج المنظومة السياسية التي احتكرت المشهد السياسي طوال سبعة عشر عاما. ومجرد منح الثقة لهذه الحكومة يعد ثاني الانتصارات لتظاهرات أكتوبر من العام الماضي، والتي أجبرت حكومة عادل عبد المهدي على الاستقالة، وهي التي كانت الانتصار الأول.

وبتجاوز حكومة الكاظمي عقدة التكليف التي تعثر فيها مرشحان سابقان، تكون كل محاولات التسويف والمماطلة قد انتهت، وقطعت الطريق أمام جميع المحاولات التي كانت ترغب بكسر إرادة المتظاهرين بالإبقاء على حكومة عبد المهدي.

وكشفت الأيام الأخيرة في مفاوضات تشكيل حكومة الكاظمي الكثير من عورات التحالفات السياسية. إذ حاول بعض زعماء الكتل الانقلاب على الإجماع السياسي الذي تم على أساسه تكليف الكاظمي بتشكيل الحكومة، ويبدو أن خسارتهم الرهان على عرقلة تمرير الحكومة داخل مجلس النواب، ستكون بداية النهاية لمستقبلهم السياسي وفقدانهم القدرة على التأثير بالمشهد السياسي، لا سيما وأن تقاطعاتهم السياسية ورغبتهم بالتفرد بالزعامة تمنعهم من التوحد بعنوان المعارضة داخل مجلس النواب.

بموازاة ذلك، ظهرت هشاشة التكتلات التي لم تكن أكثر من عناوين سياسية، فبعض الكتل السياسية كانت قريبة جدا من الإعلان الرسمي عن تفككها وانفراط عقدُها.

لا يزال الوقت مبكرا لتقييم حكومة السيد الكاظمي وتحديد الموقف بالتفاؤل أو التشاؤم؛ لأن هذه الحكومة يأتي على عاتقها مواجهة تحديات تراكمات الفشل والفساد وسوء الإدارة، والتي كانت جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط كاشفة لعدم وجود رجالات دولة ضمن الطبقة السياسية التي حكمت طوال سبعة عشر عاما.

والتحدي الأخطر والأهم هو عودة الاعتبار للسلطة التنفيذية، التي أصبحت في فترة حكومة عادل عبد المهدي واجهة لتنفيذ إرادات بعض الزعامات السياسية والإرادات الخارجية، واتخاذ القرارات يتم عن طريقة العلاقات الشخصية وليس وفق منظور رسم السياسات العامة.

يقول جان جاك روسو إن "الحاكم الفاشل لا ينتج سوى الخواء والفوضى والاضطراب، ولا يعطي مواطنيه سوى الفشل والظلم وذل العوز"، فمنظومة الخراب التي تراكمت وترسخت في حكومة عبد المهدي، كانت البيئة الخصبة التي تستثمرها الطبقة السياسية للاستمرار بمصادرة الدولة.

فهذا النظام بات عاجز تماما عن تحقيق أدنى مستويات الاستجابة لمتطلبات جمهوره، ومنذ تأسيسه في 2003 كان ولا تزال وظيفته محصورة في خدمة المنظومة السياسية القائمة على أساس تقاسم مؤسسات الدولة، وتحويل الثروات الاقتصادية إلى مصدر ريعي للأحزاب والزعامات السياسية التي تهيمن على القرار السياسي.

صحيح أن كسر منظومة الاحتكار السياسي بدأ مع وصول عادل عبد المهدي لمنصب رئيس الوزراء، إذ كانت البداية لإخراج المنصب من حزب الدعوة. لكنه أضاع الفرصة وبقى أسيرا لنمط التفكير بعمليات الترضية السياسية المتبادلة في إطار المساومات بين الكتل السياسية وزعاماتها التي تركزت على توزيع المغانم، بدلا من تركيزه على إدارة الدولة وفق نموذج الفريق الوزاري الذي يسعى لترسيخ علاقته مع المواطن لا مع الطبقة السياسية.

يواجه مصطفى الكاظمي نفس المأزق السياسي. فتصدع إجماع الفرقاء السياسيين الذي رافق عملية التكليف أمام أول اختبار حقيقي في تشكيل الحكومة، سوف يتكرر على مستوى التصريحات والمواقف. ومن ثم، المعركة الحقيقة ستكون في قادم الأيام بين السيد الكاظمي وكتل السياسية أصبحت خارج معادلة الحكومة، وأخرى تعتقد أنها أصبحت مهددة بخسارة النفوذ والتأثير السياسي. ومن جانب آخر، مأزق التعاطي مع الاحتجاجات الشعبية التي تريد إثبات وجودها المؤثر بالمعادلة السياسية.

وصول الكاظمي إلى منصب الرئيس التنفيذي الأعلى، رغم كونه خارج دائرة الانتماء المباشرة لعناوين أحزاب السلطة، يجب أن يكون بداية لتحرير هذا المنصب هيمنة الإقطاعيات السياسية. فالسياسي هو من يحول التحدي إلى فرصة. لكن المشكلة أن هذه الفرصة تأتي في بيئة معقدة جدا، وتحتاج إلى جهود استثنائية وحلول غير تقليدية تكون قادرة على تحقيق التوزان بين ثلاث أطراف متقاطعة؛ أولها ممانعة الكتل السياسية لأي سياسات إصلاحية تعيد الاعتبار لهيبة الدولة، وثانيها الجمهور الذي يتطلع إلى أن تكون له الأولوية في رسم السياسات العامة، أما ثالثها رؤية وبرنامج الفريق الحكومي لإدارة الدولة وفق الإمكانيات والموارد المتاحة.

وتبقى الأزمة الحقيقة التي تواجه العراق هي عجز الطبقة السياسية عن تقديم نموذج القائد الذي يسعى إلى إحداث تغيير حقيقي في نمط إدارة الدولة، ويكون قادرا على مغادرة نموذج الزعيم السياسي الذي يبحث عن ترسيخ نفوذه من خلال البقاء بالسلطة بمنطق الصفقات والتوافقات وليس وفق مبدأ شرعية المنجز.

مهمة الكاظمي في تغيير نظرة الجمهور إلى الحكومة، التي قد تكون صعبة جدا لكنها ليست مستحيلة، بأن يكون هذا النظام ممثلا لمصالحها وليس لمصلحة الزعامات المهيمنة على القرار السياسي. لكنها تحتاج بالدرجة الأولى إلى التماهي مع التطلعات الشعبية والسعي لكسب ثقة الجمهور بتحقيق المنجز الاقتصادي والخدمي.

إذن، يحتاج النظام السياسي العراقي إلى فتح الجرح وتنظيفه، بدلا من جرعة الأفيون التي تكون عبارة عن سياسات ترقيعية تزيد التوتر في العلاقة بين المجتمع والدولة بدلا من تجاوزها.

ومن ثم، كسر دائرة الاحتكار السياسي لا تعني نهاية هيمنة الطبقة السياسية المسؤولة عن الفشل والفساد، بل قد تكون البداية نحو تقليص نفوذ بعض الزعامات التي هيمنت على الدولة ومواردها، من خلال الاستئثار بالمناصب العليا فيها. وما كان لهذا أن يحدث من غير حركة الاحتجاجات التي فرضت إرادة التغيير، حتى وإن كان جزيئا، على الطبقة السياسية التي باتت مهددة ما بين التضحية بجزء من مكاسبها أو خسارتها كليا.

* (أكاديمي من العراق)

 

17/شهر رمضان/1441هـ