أي استخفاف بدماء الأبرياء؟


 

سعدون محسن ضمد

موقع الإمام الشيرازي

 

 

في العراق، يحاول حملة الكواتم ومن يقف خلفهم تبرير جرائمهم بأنها تأتي للدفاع عن الحكومة التي تمثل الحشد، ودفع دمائه في سبيلها، وأن أي محتج يهتف في ساحات الاحتجاج يستحق القتل لأنه يخون الحشد الشعبي، وهو عميل للبعث وأمريكا وإسرائيل.

ومن الواضح أن هذا الخطاب التهديدي التضليلي، بائس، يخلط الأوراق بطريقة مهلهلة لا تنطوي إلا على المغفلين. ويفصل بشكل مضحك بين المنتفضين وبين الذي قاتلوا داعش، وكأن كل منهم ينتمي إلى معسكر مختلف، وكأن جميع المنتفضين في مدن الوسط والجنوب، لم يقاتل ولا فرد منهم في صفوف الحشد ضد داعش، وهم كلهم أتباع البعث وعملاء إسرائيل وأمريكا. وكأن المواكب التي تطعم المحتجين وتؤويهم في جميع ساحات الاحتجاج، الآن، لم تشترك يوماً بتقديم الدعم اللوجستي لأفراد الحشد أيام الحرب على داعش!

أي وحشية يحمل هذا الخطاب وأي استخفاف بدماء الأبرياء؟

كيف يمكنهم قتل من يطالب بوطن خال من الفساد، ثم يتهمونه بالعمالة ومن دون أي تحقيق قضائي يثبت عمالته!

وكأن الذين قاتلوا داعش، ولم يزالوا يقاتلونه، راضين بحكومات الفساد وقلة الخدمات وسوء الحال، وكأن كبار الساسة ممن يتربعون على كراسي الحكم ويحصدون الامتيازات هم وحدهم من يمثل الحشد، وكأن الحكومات التي نهبت الموازنات الانفجارية وحدها الخيار الذي يمكن أن ينبثق عن الفئة التي قاتلت داعش!!

نحن نحتج بالضد من ساسة الفساد، فهل قاتل هؤلاء الساسة أو ابنائهم في صفوف الحشد؟ أم قاتله نفس الفقراء الذين خرجوا من نفس الاحياء الفقيرة والعوائل المعدمة؟

شهداء الحرب ضد داعش أبناء نفس الامهات اللواتي يندبن الآن قتلاهن بكواتمكم، وأنتم لا تقتلونهم دفاعاً عن الدين والمذهب، ولا وفاء لدماء الشهداء، بل تقتلونهم دفاعاً عن امتيازاتكم وامتيازات أسيادكم ممن خربوا البلد، ولا يزالون يطالبون بالمزيد من التخريب.

أما إذا كنتم مخلصين للبلد وحريصين على حمايته من عمالة العملاء، فتعالوا إلى كلمة سواء بينكم وبين المحتجين، وهي القبول بالانتخابات المبكرة التي اختارتها المرجعية الدينية، التي لا أظنكم تختلفون على ولائها للعراق وحرصها على مستقبله، وبهذه الطريقة نحقن دماء الأبرياء ممن تشربها كواتمكم، ونؤمن مستقبل العراق، ونتخلص من كل عميل مندس وفق القانون، وأظن بأن الأجهزة الأمنية والتحقيقية والقضائية بأيديكم، وبإمكانكم استعمالها للقبض على أي عميل. أم أنكم تعتقدون بأن شهداء الحشد ضحوا بدمائهم من أجل حكومة تترك القانون وتتبع أساليب العصابات؟

وفعلاً، لماذا لا تلقون القبض على من تعتقدون بأنه عميل وتحققون معه ثم تحاكمونه؟ ليس مراعاة للقانون فقط، وإنما حرصاً على تدينكم وورعكم عن قتل النفس المحترمة بالخطأ، أم أنكم تعتقدون أن قتل الناس على الظن والشبهة هو المذهب الذي دعا إليه علي والحسين وبقية الأئمة الذي تؤمنون بهم وتقولون بأنكم أتباعهم؟

منذ متى كان الشيعة يقتلون على الظن؟

منذ متى صار علماءهم يصدرون فتاوى تبيح الدماء بهذا الشكل الوحشي؟

وأخيراً، إذا كان الغرض من هذا الخطاب هو تخويف المتظاهرين، فعليكم أن تعلموا بأن الذين تخيفهم هذه التهديدات جلسوا في بيوتهم من أول يوم اخترقت فيه رصاصات القناصين نحور الشباب وقلوبهم، أما الذين اختاروا الاستمرار فهؤلاء من طينة مختلفة، يريدون وطناً مثل بقية الأوطان، وهم يسعون إلى الوصول إليه بطريقة مسالمة، لا ترفع السلاح ولا تستعمل التخريب.

27/ربيع الآخر/1441هـ